تونس: برلمان لا يوحي بالأمان..

تعيش تونس أزمة سياسية حقيقية، وهي تنبع أساساً من تأزم مجلس النواب الذي أصبح شبه عاجز عن القيام بمهامه، بسبب الاحتقان بين مختلف مكوناته، وتعفّن الأوضاع إلى درجة تبادل العنف الجسدي وتعطيل الجلسات. بينما يسيطر اليمين بمختلف تلويناته على البرلمان، والأدهى من ذلك أنه مفتت ولا يسمح بتكوين أغلبية مستقرة.
2020-07-30

محمد رامي عبد المولى

كاتب صحافي من تونس


شارك

"الوسائل القانونية المتاحة في الدستور موجودة لديّ اليوم، بل هي كالصواريخ على منصات إطلاقها، ولكن لا أريد اللجوء إليها في هذا الظرف بالذات"، هذا بعض ما قاله الرئيس التونسي قيس سعيّد إثر استدعائه رئيس مجلس نواب الشعب، زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، ونائبيه، إلى قصر قرطاج يوم 20 تموز/ يوليو. بعد يوم من جلسة "شد الأذن" هذه، قام رئيس الجمهورية بزيارات إلى ثكنات عسكرية ومقرات أمنية وأطلق تصريحات فحواها أنه مستعد للتصدي لمؤامرات تحاك ضد البلاد وأمنها. وتأتي هذه الخطابات "الحربية" بعد أيام قليلة من استقالة رئيس الحكومة السابق الياس الفخفاخ وتعيين وزير داخليته، هشام المشيشي، لتشكيل حكومة جديدة.

أزمة سياسية حقيقية تعيشها البلاد، وهي تنبع أساساً من تأزم مجلس النواب الذي أصبح شبه عاجز عن القيام بمهامه، بسبب الاحتقان بين مختلف مكوناته وتعفن الأوضاع إلى درجة تبادل العنف الجسدي وتعطيل الجلسات. ويبدو أن أزمة البرلمان المتفاقمة هي في آخر الأمر تعبير عن حروب تموقع سياسي بعضها محلي صرف، وبعضها الآخر مرتبط بالأوضاع والمحاور الإقليمية.

برلمان سريع الاشتعال

منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، ساد التوقّع أن المجلس النيابي الجديد سيكون حلبة صراع سياسي شرس، مما قد يؤدي إلى سقوطه بشكل سريع، وذلك بسبب تركيبته أساساً. أعطى الصندوق "حركة النهضة" الإسلامية المرتبة الأولى بأغلبية غير مريحة (52 مقعداً من جملة 217)، والمرتبة الثانية لحزب "قلب تونس" وهو بمثابة شركة يملكها رجل الأعمال والإعلام نبيل القروي (38 مقعداً، انقسمت فيما بعد إلى كتلتين) الذي تحيطه شبهات وتهم فساد وتهرب ضريبي. ثم تأتي أربعة أحزاب حصلت على قرابة عشرين مقعداً لكل واحد منها: "ائتلاف الكرامة" وهي كتلة شعبوية تدور في فلك حركة النهضة ويقودها سيف الدين مخلوف، المحامي المعروف بدفاعه عن المتهمين في قضايا الإرهاب وحتى اغتصاب الأطفال، و"الحزب الدستوري الحر" بقيادة عبير موسي، وهو امتداد لحزب الرئيس المخلوع بن علي، "التجمع الدستوري الديمقراطي"، ويرى كثيرون أنه مدعوم من الإمارات، وحزب "التيار الديمقراطي" الليبرالي الاجتماعي، و"حركة الشعب" الناصرية.

وتتوزع بقية المقاعد على أحزاب وقوائم صغيرة أغلبها بلا هوية سياسية واضحة، ويمكن أن تتغير مواقفها وتحالفاتها في كل لحظة. برلمان يسيطر عليه اليمين بمختلف تلويناته، والأدهى من ذلك أنه مفتت ولا يسمح بتكوين أغلبية مستقرة. فمن جهة هناك صدام شبه يومي بين الإسلاميين (النهضة وحليفها "ائتلاف الكرامة") و"الحزب الدستوري الحر" نظراً للعداوة التاريخية بين "العائلتين"، ومن جهة أخرى ترفض عدة كتل التحالف مع النهضة و/أو مع حزب نبيل القروي و/أو مع "الحزب الدستوري الحر" لأسباب أيديولوجية مبدئية أو لحسابات سياسية.

ومنذ الجلسة الأولى للبرلمان الجديد، ظهرت الخلافات والتجاذبات والشتائم، وبالكاد استطاعت حركة النهضة ضمان الأغلبية اللازمة لتنصيب زعيمها راشد الغنوشي رئيساً للبرلمان. وقد ساهم هذا الصعود في مزيد من إشعال أجواء البرلمان التي ربما كانت لتكون أكثر هدوءاً لو أسندت رئاسة المجلس إلى شخص آخر غير الغنوشي الذي يعاديه جزء كبير من التونسيين، ما جعله يتفادى الترشح لرئاسة الجمهورية خوفاً من خسارة مخجلة تقتله سياسياً. بل تطلب تشكيل الحكومة أكثر من ثلاثة أشهر. فقد فشل مرشح حركة النهضة، الحبيب الجملي - بعد أن استوفى آجال التشكيل مرتين - في الحصول على مصادقة البرلمان على تشكيلته الوزارية المقترحة. هذا الفشل أعاد المبادرة إلى رئيس الجمهورية فاختار مرشحاً - إلياس الفخفاخ - من خارج حركة النهضة ووضعها أمام خيارين أحلاهما مرٌّ: الدخول في حكومة ائتلافية لا تقودها هي أو إسقاط التشكيلة الحكومية، مما يعطي رئيس الجمهورية الحق في حلّ البرلمان ودعوة الناخبين إلى انتخابات مبكرة. وهكذا وجدت النهضة نفسها في وضعية صعبة لم تتوقعها: رئيس جمهورية منتخب شعبياً لا يكن لها الود، وليس لديه "تاريخ أسود" أو ملفات محرجة أو مصالح مالية يمكن ترهيبه وترغيبه بها، ورئيس حكومة خارج عن طوعها ومنسجم مع رئيس الجمهورية ويحظى بدعم عدة كتل برلمانية رغم أن حزبه ليس ممثلاً في البرلمان.

باختصار، لم يبقَ للنهضة إلا البرلمان، وهو حسب دستور 2014 أقوى المؤسسات، لكن عدد مقاعدها المحدود، ووجود خصوم شرسين عقّد الأمور أكثر. وللخروج من هذا المأزق اعتمدت النهضة سياسةً طبقتها خلال المدة النيابية الفائتة: قدم في الحكم وقدم في المعارضة، مما يمكّنها من الاستفادة من امتيازات السلطة دون تحمل مسؤوليات حقيقية. فهي من جهة كانت جزءاً من حكومة إلياس الفخفاخ، ومن جهة أخرى تتزعم "ترويكا" برلمانية تضم أيضاً حزب رجل الأعمال نبيل القروي وائتلاف الكرامة المعارضَين للحكومة! لكن يبدو أن هذه الاستراتيجية لم تنفع هذه المرة، فالنهضة لم تعد تمتلك زمام المبادرة والقرار السياسي في البلاد، سواء تعلق الأمر بالشؤون الداخلية أو بالسياسة الخارجية.

تراجُع مكانة النهضة ونفوذها سيجعلانها أكثر عدوانية. عدوانية تنسجم مع عدوانية كتل أخرى وصلت إلى البرلمان بفضل خطابات التجييش الشعبوية، ونعني أساساً كتلتي "ائتلاف الكرامة" و"الحزب الدستوري الحر". الأولى اعتمدت خطاباً يبدو في ظاهره معادياً للاستعمار ومدافعاً عن سيادة التونسيين على ثرواتهم الطبيعية، لكنه في الواقع خطاب سلفي ينضح ذكورية وقبلية وجهوية. أما الكتلة الثانية، "الدستوري الحر" برئاسة عبير موسي الأمينة العامة المساعدة السابقة في "التجمع الدستوري الديمقراطي" - حزب الرئيس بن علي - فلقد صنعت شعبيتها بتمجيد النظام الديكتاتوري و"إنجازاته" وتبني خطاب معادي بشدة لحركة النهضة ومن ورائها المحور الإخواني/ القطري/ التركي.

المعارك شبه اليومية بين حركة النهضة وائتلاف الكرامة من جهة، والحزب الحر الدستوري من جهة أخرى، جعلت من أعمال لجان البرلمان وجلساته بمثابة قاعة عرض مباشر ومستمر تبث عبر القنوات التلفزية وكذلك على مواقع التواصل الاجتماعي: اعتصامات في قاعات الجلسات، تبادل للشتائم، رفع شعارات، صراخ، ملاسنات، هستيريا، صور الحبيب بورقيبة، صور لمعارضي بورقيبة، شارة "رابعة"، اتهامات بالعمالة، إيقاف للجلسات، الخ.
ولئن هدأت الأمور قليلاً خلال فترة الحجر الصحي ومجابهة انتشار الكورونا (من منتصف آذار/ مارس إلى منتصف أيار/ مايو)، فإنها سرعان ما اشتعلت من جديد ومرت إلى طور أكثر بذاءة وعنفاً وابتذالاً. عنف لفظي وجسدي شلّ بشكل شبه كلي عمل البرلمان.

لم يبقَ لحركة "النهضة" إلا البرلمان، وهو حسب دستور 2014 أقوى المؤسسات، لكن عدد مقاعدها المحدود، ووجود خصوم شرسين عقّد الأمور أكثر. وللخروج من هذا المأزق اعتمدت النهضة سياسة طبقتها خلال المدة النيابية الفائتة: قدم في الحكم وقدم في المعارضة، مما يمكّنها من الاستفادة من امتيازات السلطة دون تحمل مسؤوليات حقيقية.

ويبدو أن هذه الموجة الجديدة من العنف والاحتقان مردها محاولات إعادة صياغة موازين القوى في الداخل وفي الجوار، والبحث عن موقع ودور في هذا المحور الإقليمي أو ذاك.

لم تستسغ حركة النهضة التوازن السياسي الذي فرضه رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بدعم من "الكتلة الديمقراطية" (التيار الديمقراطي وحركة الشعب)، والذي يقيّد أيديها في السلطة، فأرادت التحايل والالتفاف عبر المطالبة بتوسيع "الحزام السياسي" الداعم للحكومة وذلك بإدخال قوى برلمانية أخرى في الائتلاف الحكومي. وهي تقصد طرفاً بعينه: حزب "قلب تونس" بقيادة نبيل القروي. وهذا الأخير قالت فيه قيادات وقواعد النهضة، خلال الحملة الانتخابية، ما لم يقله مالك في الخمر. وفجأة تحول من معاد للثورة والديمقراطية وفاسد، إلى حليف شريف وعفيف.

هذا السعي لتغيير موازين القوى محلياً تزامن مع تطور الأوضاع في الجارة الشرقية لتونس، ليبيا، إثر التدخل العسكري التركي المباشر والعلني. بيد أن موقف رئيس الجمهورية، وكذلك رئيس الحكومة وأغلب الأحزاب والمواطنين، الرافض للتدخل الأجنبي في ليبيا أياً كان مرتكبه ترك حركة النهضة في وضع التسلل، وعرّض رئيسها للمساءلة والانتقاد حول مواقفه المؤيدة للمحور القطري-التركي، والتي تزج بالبلاد في محاور وحسابات تضر بمصالحها وتهدد أمنها. هذا الخلاف حول السياسات الخارجية لتونس استغلته كتلة "الحزب الحر الدستوري" لمهاجمة حركة النهضة وكذلك للدعاية للمحور الإماراتي/ السعودي.

وقد انفجرت الأوضاع في المجلس مع إصرار رئيس كتلة ائتلاف الكرامة، سيف الدين مخلوف، على إدخال "ضيف" متهم في قضايا إرهاب إلى مقر البرلمان – على الرغم من اعتراض الجهاز المكلف بتأمين المجلس - بتواطؤ من رئيس ديوان رئيس البرلمان وهو من أقارب زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي. ورداً على هذا الاستفزاز الذي اعتبر إهانة لمؤسسة الأمن الرئاسي، واعتداءً على حرمة المجلس، قرر نواب "الدستوري الحر" الاعتصام في مكتب رئيس الديوان، فقام هذا الأخير بقطع الكهرباء والتكييف لإجبارهم على المغادرة، كما استدعى النيابة العمومية للتدخل وفك الاعتصام بالقوة. وهكذا تعفنت الأجواء بشكل جعل رئيس الجمهورية يتدخل بشكل صارم ويبعث برسائل واضحة للجميع.

حصاد النهضة "المر".. و"المفيد"؟

في 2011، بُعيد سقوط بن علي، وعندما كانت المعارضة التاريخية ومعها جزء كبير من الشعب ينادي بمحاسبة "التجمعيين" (منتسبي حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل) قانونياً وعزلهم سياسياً، كانت لحركة النهضة مواقف وحسابات أخرى. فشيخها وزعيمها، راشد الغنوشي، رحب بالتجمعيين الشرفاء في حزبه والحياة السياسية. وربما كانت تلك أول رسالة يوجهها للداخل والخارج - وجاءت قبل انتخابات 2011 بمدة قصيرة - ومفادها أن حزبه الإسلامي لا ينوي تغيير الأمور جذرياً وأنه مستعد للتطبيع مع النظام القديم، ولا يبغي انتقاماً أو استئصالاً، وسيسعى للحفاظ على السياسات القديمة للبلاد ومصالح "شركائها". طبعاً كانت هناك غايات انتخابية من هذه الرسالة، فحزب "التجمع" كان يضم أكثر من مليون ونصف مليون منخرط، منتشرين في كامل أرجاء البلاد ومفاصل الدولة وفئات المجتمع، كما أن لهم تجربة تنظيمية قديمة وقوية يمكن الاستفادة منها.

وعدم إخافة التجمعيين وحتى شراء ولائهم سيجعلهم أقل شراسة، ويبعدهم عن فكرة التحالف ضد "النهضة" مع خصم تاريخي آخر: اليسار. وفضلاً عن هذا، فإن ضمان ولاء الإدارة، أو على الأقل حيادها، سيسهل زرع آلاف الإسلاميين في إدارات ودواوين مؤسسات ومنشآت عمومية. بل أن الحفاظ على مسؤولين وموظفين كبار فاسدين في مناصبهم هو أمر يمكن الاستفادة منه بشكل كبير، فهؤلاء يسهل إخضاعهم وابتزازهم.

حتى بعد انتصارها الكاسح في انتخابات 2011، سارت حركة النهضة في نهج التطبيع نفسه مع "جلاديها" القدامى، فساهمت في إسقاط مشروع قانون طُرح على البرلمان في أيار/ مايو 2014 بهدف عزل المسؤولين الذين عملوا في حكومات بن علي، وكذلك الذين تقلدوا مسؤوليات في هياكل حزبه "التجمع الدستوري الديمقراطي". إذ امتنع عن التصويت قرابة نصف نوابها آنذاك عند المصادقة على مشروع القانون فلم يحصل على الأغلبية اللازمة. وأصرت على المضي قدماً عندما صادقت على قانون المصالحة مع رجال الأعمال والموظفين الذين تورطوا في قضايا الفساد في زمن الديكتاتورية، وهو قانون "استبسل" الرئيس الراحل قائد السبسي في تمريره على الرغم من الرفض الشعبي له وتحرك عدة أحزاب سياسية ومنظمات ضده. وهذه ليست إلا المواقف الكبرى والمفصلية، فهناك عشرات المناسبات التي أظهرت جلياً التنسيق والتعاون بين إسلاميي حركة النهضة وشخصيات "دستورية"/"تجمعية". هذا كله لم يمنع الحركة من أن تبني حملتها الانتخابية في 2019 على أساس كونها تنتمي للثورة التونسية، والوحيدة القادرة على مواجهة الثورة المضادة.

التساهل مع جماعة بن علي مكّنهم من التقاط أنفاسهم والإفلات من المحاسبة في مرحلة أولى، ثم استعادة المبادرة عبر تأسيس أحزاب تمثلهم أو الاندساس في أحزاب "حداثية"، وعاد بعضهم إلى مناصب حكومية. كما هو "كسر الجليد" بين خدم الديكتاتورية وجزء كبير من الشعب، خاصة مع تتالي الأزمات الاقتصادية والاختراقات الأمنية وفضائح السياسيين، فأصبح من المعتاد أن تسمع الناس يترحمون على "أيام بن علي" والديكتاتورية وما كانوا يعيشونه من "استقرار" أمني واقتصادي.

سياسات النهضة فرشت الطريق لصعود سريع لطرف سياسي "جديد" وهو الحزب الدستوري الحر" بقيادة عبير موسي. هذه الأخيرة كانت قيادية في حزب بن علي، ومن بين الشخصيات التي يعتمد عليها النظام الديكتاتوري لإفساد اجتماعات المستقلين والمعارضين داخل وخارج البلاد. ومن مكر التاريخ أن البنت الوفية للنظام الديكتاتوري الفاسد صنعت "مجدها" بعد الثورة. راهنت موسي، بثبات وذكاء، على أمرين: حنين جزء من التونسيين لأيام الديكتاتورية وتسويق نفسها كعدو لحركة النهضة، لا يهادن ولا يفاوض. هذا الرهان ناجح إلى حد الآن، فقد جاءت عبير موسي من ضمن المرشحين العشرة الأوائل في الانتخابات الرئاسية وحلّ حزبها ثالثاً في التشريعيات من حيث عدد الأصوات، وخامساً من حيث عدد المقاعد.

تساهُل حركة النهضة مع جماعة بورقيبة وبن علي، المشكّلين في أحزاب فاعلة، كسرَ الجليد" بين خدم الديكتاتورية وجزء كبير من الشعب. ثم مع تتالي الأزمات الاقتصادية والاختراقات الأمنية وفضائح السياسيين، أصبح من المعتاد أن تسمع الناس يترحمون على "أيام بن علي" والديكتاتورية وما كانوا يعيشونه من "استقرار" أمني واقتصادي.

وهكذا وجدت حركة النهضة، التي اعتقدت في 2019 أن الطريق أصبح سالكاً أمامها بعد وفاة الباجي قايد السبسي والاندثار شبه الكلي لحزبه، "نداء تونس"، وكذلك انقسام "الجبهة الشعبية" اليسارية وخفوت صوتها، نفسها في وضع غير مريح البتة: رئيس جمهورية غير قابل للابتزاز والتطويع، وحكومة لا تأتمر بأوامر وقرارات مجلس شورى الحركة، وكتلتان برلمانيتان تتصديان لها في البرلمان، الكتلة الديمقراطية (التيار الديمقراطي وحركة الشعب)، وكتلة الحزب الدستوري الحر.

لكن هذا الوضع غير المريح له بعض الفوائد على الحركة، فكثرة الخصوم الشرسين تمكّن القيادة من تجميع صفوف القواعد ورأب صدوع الحزب.. على قاعدة "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"،! ويعطي كذلك تبريرات لتنازلات قيادة الحزب وتحالفاته مع أطراف توصف بالفاسدة والمعادية للثورة. كما يمكن أن يُستعمل لتبرير فشل الحركة في الحكم، فالذريعة جاهزة: الكل يعادي حركة النهضة ولا يتركها تعمل وتنفذ وعودها التي سترتقي بالبلاد والعباد.

عرائض ولوائح ومحاور..

الاحتقان المتزايد في البرلمان والحياة السياسية عموماً سيجد له تعبيراً جديداً - على الأقل بالنسبة للتجربة التونسية - تتمثل في العرائض والعرائض المضادة التي تقدمها هذه الكتلة/ الكتل أو تلك. بعضها يتعلق بالشأن الداخلي وبعضها الآخر يمّس العلاقات الخارجية. أول العرائض اقترحت من قبل كتلة "الحزب الدستوري الحر" تحت عنوان "لائحة تتعلق بإعلان رفض البرلمان للتدخل الخارجي في ليبيا، ومناهضته لتشكيل قاعدة لوجستية داخل التراب التونسي قصد تسهيل تنفيذ هذا التدخل". عرضت اللائحة على التصويت يوم 2 حزيران/ يونيو 2020، بعد نقاشات استمرت لأكثر من 14 ساعة وحظيت بمتابعة كبيرة على المستوى المحلي، وكذلك من قبل قنوات خليجية قطرية وإماراتية وسعودية. وجاءت ضمن سياق من الانقسام الداخلي حول التدخل الأجنبي في ليبيا، والموقف من مختلف المحاور الإقليمية والقوى الدولية المتدخلة هناك، وحتى وسط ضغوط تركية وأمريكية لاستصدار مواقف سياسية أو تسهيلات عسكرية رسمية من قبل تونس.

العريضة المقدمة والتي يفترض أنها ضد التدخل الأجنبي في ليبيا، يبدو أنها ترفض تدخل محور بعينه فيما تغض الطرف (وحتى تؤيد) عن تدخل محور آخر. فلقد أصر أصحابها على إدانة التدخل القطري والتركي دون الحديث عن المحور المصري/ السعودي/ الإماراتي (لا توجد أي إشارة إلى القوى الغربية)، مما أغضب الإسلاميين وحلفائهم الذين لم يخفوا يوماً فرحتهم بالتدخل العسكري التركي، حتى أن رئيس مجلس النواب وزعيم حركة النهضة لم يتردد في تقديم التهاني لحكومة فائز السراج باستعادة قاعدة "الوطيّة" من قوات المشير حفتر. كما أثارت العريضة حفيظة نواب اعتبروا أنه يجب الإشارة إلى كل المتدخلين وإدانتهم أو الامتناع عن ذكر الدول أو دول بعينها، وعدم الزج بالبلاد في محاور لم تصنع إلا الخراب أينما حلّت. حاولت الكتلة صاحبة العريضة الالتفاف على هذه التحفظات عبر تقديم نسخة جديدة لا تذكر أسماء دول، ولكنها تشيد بقرار البرلمان العربي الصادر في 15 كانون الثاني/ يناير 2020 والذي أدان التدخل العسكري التركي في ليبيا وهاجم حكومة السراج المدعومة قطرياً، وهذا ما جعل الكثير من النواب يتحفظون على التصويت، فيما صوت الإسلاميون ضد العريضة وتم إسقاطها لعدم بلوغها النصاب اللازم.

العريضة البرلمانية المقدمة، والتي يفترض أنها ضد التدخل الأجنبي في ليبيا، يبدو أنها ترفض تدخل محور بعينه فيما تغض الطرف، وحتى تؤيد، تدخل محور آخر. فلقد أصر أصحابها على إدانة التدخل القطري والتركي دون الحديث عن المحور المصري/ السعودي/ الإماراتي.

بعدها بأيام قدم "ائتلاف الكرامة" عريضة لمطالبة فرنسا بالاعتذار عن جرائمها الاستعمارية. وعلى الرغم من أحقية القضية المطروحة وأهميتها، فإن احتقان الأجواء في المجلس، وعدم التشاور مع الكتل الأخرى، والشعاراتية الطاغية على العريضة، والسعي لتحقيق مكاسب سياسية انتخابية من ورائها، لم يمكنها أيضاً من بلوغ النصاب، فأسقطت. وكان تقديم العريضة قد أتى قبل أيام قليلة من زيارة رئيس الجمهورية لفرنسا (أواخر حزيران/ يونيو الفائت)، مما اعتبر تفخيخاً للزيارة وإحراجاً للرئيس، وحتى اعتداءً على صلاحياته، ولاسيما أن السياسة الخارجية من اختصاصه. وعلى الرغم من كل الاعتبارات والحجج، يبقى سقوط العريضة مخجلاً ومؤلماً، وكأن تونس تتنكر لمرحلة من تاريخها ولحقوق ضحايا الاستعمار الفرنسي.

أما على الصعيد الداخلي، وبعد رفض رئيس الحكومة السابق، إلياس الفخفاخ، توسيع التشكيلة الحكومية بإدخال أحزاب حليفة لحركة النهضة، عكست هذه الأخيرة الهجوم وقدمت بمعية حليفيها "ائتلاف الكرامة" و"قلب تونس"، لائحة سحب الثقة من الحكومة (على الرغم من أنها طرف رئيسي فيها) إلى مكتب مجلس النواب، مستغلة الكشف عن قضية تضارب مصالح وشبهات فساد له علاقة بفوز شركات يمتلك فيها رئيس الحكومة الفخفاخ نصيباً كبيراً من الأسهم، بصفقات عمومية في الأشهر الأخيرة. ويبدو أن هذا الملف كان جاهزاً ونائماً في درج أحد المكاتب حتى تأتي اللحظة المناسبة. لم ينتظر الفخفاخ عرض اللائحة على التصويت واستدعائه للمساءلة، فقدم يوم 15 تموز/ يوليو استقالته إلى رئيس الجمهورية الذي قبلها، وكلفه بترأس حكومة تصريف أعمال إلى حين اختيار شخصية لتشكيل حكومة جديدة. لكن وقبل استقالته بساعات، قام الفخفاخ بضربة مباغتة وموجعة لحركة النهضة، حيث وقّع على قرار إقالة كل وزرائها!

بعد رئيس الحكومة جاء الدور على رئيس مجلس نواب الشعب، حيث قدمت كلٌّ من "الكتلة الديمقراطية" و كتلة "الحزب الدستوري الحر" - بشكل منفصل - لائحة لسحب الثقة من راشد الغنوشي. وعلى الرغم من محاولات حركة النهضة وحلفائها إسقاط اللائحة لدى ورودها إلى مكتب البرلمان، فقد تمت في آخر الأمر الموافقة على تحديد موعد جلسة عامة لمناقشتها، وذلك يوم 30 تموز/ يوليو 2020. وكما كان متوقعاً، لم تحصل اللائحة على العدد اللازم من الأصوات المؤيدة، اذ صوت 97 نائباً فقط بسحب الثقة في حين يتطلب ذلك 109 أصوات على الأقل. ويبدو ان نبيل القروي وجه نواب حزبه، "قلب تونس"، لدعم الغنوشي، مما حسم الأمر لصالح رئيس مجلس النواب.

حملة انتخابية مبكرة ومستمرة..

يبدو أن الكتل المتصارعة هي الأكثر وعياً بهشاشة المجلس النيابي الحالي، وبإمكانية سقوطه مع أول أزمة كبيرة، وهذا منذ اليوم الأول. هذا الوعي، والإحساس بالخطر، جعل هذه الكتل تحول جلسات مجلس النواب، خاصة التي تبث للعموم، إلى حملة انتخابية بلا مواربة أو خجل. حملة انتخابية لا تكلفها مليماً واحداً، ولا تتطلب منها التنقل وتنظيم اجتماعات، ولا حتى تقديم وعود انتخابية، بل تمكنها من تغطية إعلامية يومية مجانية ومكثفة لمدة غير محدودة، وبلا آجال أو ضوابط قانونية كتلك التي تفرض عليها في الحملات الانتخابية المنظمة. كما أن النواب يتمتعون بحصانة تمكّنهم من قول كل ما يريدون حتى وإن كانت شتائم وهتك أعراض وأقوالاً يعاقب عليها القانون في الحالة العادية.

مقالات ذات صلة

لا يتوجه هؤلاء النواب إلى عقول الناخبين المحتملين ولا حتى إلى قلوبهم، بل إلى غرائزهم العدوانية وأعصابهم المتحفزة فيستثيرونها رغبةً في خلق حالة من الهياج والتجييش والاستقطاب العنيف. لا برامج ولا أفكار ونقاش ولا بطيخ. نواب يعاملون الناخبين كما يتعامل مديرو صفحات السوشيال ميديا التجارية مع الزبائن المحتملين: حفنة من الحمقى يمكن أن تبيعهم أي شيء طالما استطعت انتزاع إعجابهم بأي وسيلة وطريقة. ولا يكتفي بعض النواب بالتغطية الإعلامية التقليدية، بل يستعملون هواتفهم الذكية وصفحاتهم على فيسبوك وأنستغرام ليصلوا إلى جمهور أوسع. يصورون البرلمان وجلساته ومعاركه وحتى أروقته، ويبثون فيديوهات بشكل مباشر ولا ينسون أن ينزلوا "سلفي" كل ربع ساعة. حتى إنك تتساءل متى يجدون الوقت لممارسة مهامهم النيابية، ثم تتذكر أن البرلمان شبه معطل. وقد يسقط أحد هؤلاء النواب في "الفخ" الذي ينصبه لجمهوره الذي يحاول التأثير فيه والتلاعب به، فيتأثر هو الآخر بتعليقات المتابعين وردود أفعالهم وتحريضهم له على تلك الكتلة/ الشخصية أو تلك. كما قد يتوهم أن له شعبية كبيرة يقيسها بعدد المتابعين، متناسياً أن الكثيرين قد يتابعونه من أجل الضحك فقط أو بسبب الفضول أو المتابعة الإعلامية.

يبدو أن الكتل المتصارعة هي الأكثر وعياً بهشاشة المجلس النيابي الحالي، وبإمكانية سقوطه مع أول أزمة كبيرة، وهذا منذ اليوم الأول. هذا الوعي، والإحساس بالخطر، جعل هذه الكتل تحول جلسات مجلس النواب، خاصة التي تبث للعموم، إلى حملة انتخابية بلا مواربة أو خجل.

لا يتوجه النواب إلى عقول الناخبين المحتملين ولا حتى إلى قلوبهم، بل إلى غرائزهم العدوانية وأعصابهم المتحفزة، فيستثيرونها رغبةً في خلق حالة من الهياج والتجييش والاستقطاب العنيف. لا برامج ولا أفكار. نواب يعاملون الناخبين كما يتعامل مديرو صفحات السوشيال ميديا التجارية مع الزبائن المحتملين: حفنة من الحمقى يمكن أن تبيعهم أي شيء طالما استطعت انتزاع إعجابهم بأي طريقة.

هذه الحملة الانتخابية غير القانونية واللاأخلاقية، لا تضرب فقط مصداقية النواب وهيبة مجلسهم بل أنها تمنح الكتل النيابية المنتفعة منها أفضلية على كتل نيابية "محترمة" وعلى القوى السياسية غير الممثلة في البرلمان. هذا دون الحديث عن دورها في تدني مستوى النقاش العام وخلقها لمناخ سياسي واجتماعي مشحون.

هل ينهي رئيس الجمهورية "المباراة"؟

أوضح رئيس الجمهورية بشكل لا لبس فيه، أنه مستعد للتدخل لإنهاء حالة الفوضى التي يعيشها البرلمان، والتي تنعكس بشكل مباشر وقوي على استقرار البلاد واستمرارية الدولة. فما الذي يمكنه فعله؟ في الحقيقة هناك مساران، قد يفضي فشل الأول إلى الثاني. المسار الأول سياسي، إذ قرر رئيس الجمهورية، يوم 25 تموز/ يوليو تكليف وزير الداخلية الحالي هشام المشيشي بتشكيل حكومة جديدة إثر استقالة إلياس الفخفاخ. ولم يرد اسم المشيشي في قائمة الأسماء التي اقترحتها الأحزاب والكتل المعنية بتشكيل الحكومة، مما يعني أنه اختيار رئيس الجمهورية نفسه. رئيس الحكومة المكلف مستقل حزبياً، وهو رجل قانون وإدارة عمل في عدة وزارات وشغل فيها مناصب سامية، وكان قيس سعيّد قد اختاره مستشاراً له في القصر الرئاسي قبل أن يتم تكليفه بحقيبة الداخلية. أي أن رئيس الجمهورية اختار شخصية مقربة منه، يثق فيها وفي عدم خضوعها لضغوط وابتزاز الأحزاب، خاصّة القوة السياسية الأكبر: حركة النهضة. كما أن اختيار رئيس حكومة بخلفية قانونية، لا اقتصادية كما هو سائد في السنوات الأخيرة، قد يكون رسالة مفادها أن القانون سيكون هو الفيصل في المدة القادمة. وهذا يحيلنا على المسار الثاني: القانوني/ الدستوري.

لئن قلص دستور 2014 من صلاحيات رئيس الجمهورية لصالح البرلمان والحكومة، فإن المنصب حافظ على قيمته الاعتبارية، فحسب الفصل 72 من الدستور "رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة، ورمز وحدتها، يضمن استقلالها واستمراريتها، ويسهر على احترام الدستور". ويمنحه الفصل 77 القيادة العليا للقوات المسلحة والحق في "ضبط السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية"، وعدة صلاحيات أخرى أبرزها حلّ مجلس النواب في الحالات التي ينّص عليها الدستور. ارتباطاً بالوضع الذي تعيشه تونس، ووفقاً لمقتضيات الفصل 89 من الدستور، فإنّه يمكن لرئيس الجمهورية حلّ البرلمان في حالة عدم توفّق الشخصية المكلفة بتشكيل الحكومة في الآجال القانونية، أو عدم مصادقة البرلمان على التركيبة الحكومية المقترحة، والدعوة إلى انتخابات برلمانية سابقة لأوانها.

اختار رئيس الجمهورية تكليف وزير الداخلية الحالي هشام المشيشي تشكيل الحكومة، وهو مقرب منه ويثق به وبعدم خضوعه لضغوط وابتزاز الأحزاب، خاصّة القوة السياسية الأكبر: حركة النهضة. كما أن اختيار رئيس بخلفية قانونية، لا اقتصادية، كما ساد في السنوات الأخيرة، قد يشير إلى أن القانون سيكون هو الفيصل.

لم يعد وضع البلاد - خاصة مع ما يحدث في ليبيا ومع الأضرار الاقتصادية والاجتماعية لوباء الكورونا - يتحمل المزيد من العبث في مجلس النواب وتعطيل العمل الحكومي وتأجيل النظر في قوانين واتفاقيات مهمة. ما يحصل في البرلمان يتسبب في تعفن الحياة السياسية ويضرب الديمقراطية ويزيد في تيئيس الناس من الساسة والسياسة.

نظرياً، بإمكان مجلس النواب أيضاً أن يعكس الهجوم، إذ يقول الفصل 88 من الدستور إنه "يمكن لأغلبية أعضاء مجلس نواب الشعب المبادرة بلائحة معلّلة لإعفاء رئيس الجمهورية من أجل الخرق الجسيم للدستور، ويوافق عليها المجلس بأغلبية الثلثين من أعضائه، وفي هذه الصورة تقع الإحالة إلى المحكمة الدستورية للبت في ذلك بأغلبية الثلثين من أعضائها. ولا يمكن للمحكمة الدستورية أن تحكم في صورة الإدانة إلا بالعزل.". لكن هذه الإمكانية تبقى ضعيفة ومستبعدة، فمن جهة، لم يرتكب الرئيس أي خرق للدستور، ومن جهة أخرى من شبه المستحيل أن يوافق ثلثا أعضاء المجلس على إعفاء الرئيس. كما أن هناك نقطة تقنية مهمة جداً: لا توجد في تونس محكمة دستورية وفشلت كل محاولات تشكيلها نظراً للخلافات السياسية، ولرغبة بعض الأحزاب في تعيين موالين لها في المحكمة. هذا دون أن ننسى الشعبية الكبيرة جداً للرئيس الذي حاز في الدور الثاني من رئاسيات 2019 على أكثر من سبعين في المئة من الأصوات.

يبدو أن تكليف رئيس الجمهورية هشام المشيشي بتشكيل الحكومة يمنح البرلمان "فرصة أخيرة" مشروطة تجعل قيس سعيّد في موقع المبادرة وبمثابة الحكَم الذي بإمكانه إيقاف المباراة إذا لم ينضبط "اللاعبون" وخرجوا عن قواعد "اللعب النظيف".. فهل يستغل المجلس الفرصة لتعديل المسار، أم أن القوى المؤثرة سترفض أن تكون رقابها تحت رحمة رئيس الجمهورية و"حكومته"؟ من المؤكد أن الكثير من النواب "الشرسين" و"المشاغبين" سيختارون الهدوء، فالكثير منهم يعلم أن وصوله إلى البرلمان صدفة/ غلطة لن تتكرر في انتخابات أخرى.

***

لا يمكن الجزم بما سيحصل في تونس خلال الأيام والأسابيع القادمة. بقاء البرلمان في شكله وأدائه الحالي أصبح عبئاً على البلاد، لكن حلّه لا يعني بالضرورة نهاية المشاكل، فقد يعاد انتخاب مجلس بالتركيبة نفسها أو بما هو أسوء. وقد تقوم الانتخابات على استقطاب ثنائي بين الإسلاميين و"الدساترة"، يعود بالبلاد إلى الوراء، ولا يمنح فسحة ولا فرصة لقوى سياسية وطنية وتقدمية. ربما حان الوقت لتشكيل جبهة سياسية واسعة مبنية على أهداف واضحة لتمنح التونسيين خياراً ثالثاً بدلاً من الخيارات القديمة التي اثبتت ليس فقط فشلها بل خطرها على البلاد. لكن هل يكفي الوقت لتشكيل هذه الجبهة؟ وهل سيسمح تضخم ذوات "القيادات التاريخية" بالعمل المشترك بين عدة أحزاب؟ وما هي ضمانات صمود هذه الجبهة واستدامتها؟

في كل الأحوال، لم يعد وضع البلاد، خاصة مع تطور الأوضاع في ليبيا والأضرار الاقتصادية - الاجتماعية لوباء الكورونا، يتحمل المزيد من العبث في مجلس النواب، وتعطيل العمل الحكومي وتأجيل النظر في قوانين واتفاقيات مهمة. ما يحصل في البرلمان يتسبب في تعفن الحياة السياسية ويضرب الديمقراطية ويزيد في تأييس الناس من الساسة والسياسة ويقوي حنينهم إلى أيام الديكتاتورية التي كانت تغنيهم عن كل "وجع الرأس" هذا.

للكاتب نفسه

كوفيد-19 في تونس: انطلق الشوط الثاني..

ما الذي حدث في الصيف الماضي؟ خلال شهري تموز/يوليو، وآب/أغسطس، "يتخدر" أغلب التونسيين، ويهجرون الشأن العام، لينغمسوا في موسم الأعراس وحفلات الناجحين في البكالوريا، وعودة المهاجرين من الخارج، والاصطياف والتمتع...

"كارطة تحك كارطة": تاريخ تونس عبر عملاتها الورقية..

تنطق الأوراق النقدية لكل بلد بتاريخه، او هي على الاقل تقول الرواية الرسمية لهذا التاريخ، وتحمل في ادق تفاصيلها الكثير مما يدل على الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وايضا الثقافية القائمة،...