أسئلة اللّحظة في مصر

نعيد نشر هذا المقال بتاريخ 23 تشرين الأول / أكتوبر 2016 لراهنيته، وكان نشر في الأصل بتاريخ 26 شباط / فبراير 2015: هل قامت الثورة المصرية؟ المشهد الآن يبدو مرتبكاً وحائراً، والذين قاموا بالثورة أصبحوا يتساءلون بحدة عما حدث، وهل "عُبِث" بالتاريخ، وهل ما مضى كان مجرد أربع سنوات؟ كل هزيمة شديدة المرارة، والعجز أشدّ وطأة من الهزيمة نفسها.
2015-02-26

علي الرجّال

باحث في علم الاجتماع السياسي متخصص في الدراسات الأمنية، من مصر


شارك
| en
صادق الفراجي - العراق

هل قامت الثورة المصرية؟ المشهد الآن يبدو مرتبكاً وحائراً، والذين قاموا بالثورة أصبحوا يتساءلون بحدة عما حدث، وهل "عُبِث" بالتاريخ، وهل ما مضى كان مجرد أربع سنوات؟ كل هزيمة شديدة المرارة، والعجز أشدّ وطأة من الهزيمة نفسها. فشلت الثورة في ترسيخ مشروع قيمي وسياسي.. بل لعلها وفي أحسن الأحوال تمكنت من ترسيخ بعض المفاهيم القيمية داخل حيز الشباب في بعض المدن الكبيرة مثل القاهرة والإسكندرية والسويس والإسماعيلية... ولكنها اعتمدت على التحركات المختلفة للجموع بسبب ما أتاحته الثورة من فرص سياسية للتعبئة والحشد والتحرك الذاتي لقطاعات مختلفة من المجتمع. الفلاحون والعمال والمهنيون قاموا بآلاف الإضرابات، والاعتصامات وقطع الطرق، ومع ذلك لم يقع التشبيك والتواصل بين المجموعات الثورية وتلك الحركات الاجتماعية لتنتج تصوّراً سياسياً واسعاً قادراً على الحكم والإدارة. ولم يتحقق البناء على مستوى التنظيم السياسي، ولا تستقيم حجة العوائق الأمنية أو الاجتماعية، فالملعب كان مفتوحاً بالكلية لبرهة من الزمن، والثوار كان مرحّباً بهم من أسوان إلى سيناء.

سنوات النضال والقيم الجديدة

قامت الثورة من خلال تفاعل واسع بين أطياف وحركات سياسية متنوعة ومتباينة. تمكّنت سنوات النضال الأربع الماضية من تكوين طيف واسع من الشباب يتفق على ملامح وخطوط وقيم محددة طرحتها الثورة من خلال معاركها، أهمها تقديس الحرية، ورفض الوصاية الذكورية والأبوية، ورفض العسكرة والأمننة، والميل الى توجّهات أكثر يسارية في الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية ترفض العزلة أو الفصل الاجتماعي، كما ترفض احتكار القلّة الثّريّة والمتحكمة لمقاليد الحكم والثروة، واحتقارها لبقية المجتمع.. وبالطبع ترسّخت قيم التمرد والحق في الاعتراض والرفض للتراتبيات الاجتماعية والسياسية والإدارية الفجة. وفي الحيز المديني الشبابي، يُلحظ قدر كبير من الانفتاح بما يخص العلاقة بالجسد والعلاقات الجنسية، علاوة على رفض التحرش والانتهاك الجسدي، وحصر المرأة في نطاق الشهوة. كما يُلحظ أيضاً مزيد من القبول للآخر ونمط حياته. وقد أعلن كثيرون حرباً واضحة على منظومة الزواج القديمة وما تحمل من قيم وصاية وتحكم وطبقية (مثل الغلو في المهور، أو اختيار العريس/ العروسة من قبل العائلة، وطبيعة المتطلبات الاجتماعية والاقتصادية لإتمام الزواج كامتلاك شقة تمليك وكماليات المنزل. وفي داخل مؤسسات الدولة والمجتمع المختلفة، من المستشفيات والمدارس إلى بعض الدورات العسكرية لإتمام شهادات التخرج الجماعي، أمكن رصد تمرد واضح على سرديات السلطة عن الثورة والمجتمع والحكم... وهكذا، يمكن القول بأن مصر شهدت/تشهد ثورة حقيقية بمعنى محاولة إحداث تغيّر في بنيتي المجتمع والدولة. ولكن أين نقف الآن؟

1-    ما حدث في مصر ثورة عرّت المجتمع أمام نفسه، فطرحت للمرة الاولى سؤال الحرية بجدية على المجتمع بمعزل عن قضية الاستقلال الوطني التي سيطرت على أشكال المقاومة والحراك السياسي كافة في العقود الماضية،
2-    ما حدث ليس مجرد احتجاج واسع لتحسين ظروف المعيشة، بل اندفاع لدى فاعلي الحراك لتغيير شكل الحياة والعلاقات الاجتماعية والسياسية ونمط علاقات السلطة بالمجتمع، وشكل وطبيعة الدولة والفئة الحاكمة المسيطرة عليها، وتغيير شكل العمران. في ذلك بذور قطيعة مع تاريخ مضى وتطلع لمستقبل مختلف.
3-    جرى تفجير الكثير من الثوابت الاجتماعية الراسخة. لكن قوى الثورة تلك عادت فتنحّت عن تحمّل مسؤوليتها أمام نفسها وأمام المجتمع وحركة التاريخ.. وتجنبت النقاش، على الرغم من أن جملة ممارساتها تصارع بشكل عنيف بنية السلطة في المجتمع. وصارت تلك القوى شديدة الانغلاق على نفسها. ومطالبها، وإن ظلت مشروعة، إلا أنها عكست انحسار دورها الاجتماعي و "مهمتها". فعلى مدار سنة وأكثر، صار محور نضال الثّوّار هو ضد قانون التظاهر ومن أجل خروج المعتقلين. وفي محافظات عدة، بالأخص تلك التي كانت بعيدة عن الحدث الثوري، جرى اتهام الثوار بالأنانية لاهتمامهم فحسب بما يخصّهم. أضف إلى هذا عدم وجود أي خطاب قادر على مداعبة الخيال الاجتماعي خارج فئة الشباب والثوار أنفسهم.. لم يقم الثوار إذاً بدور فيه القدر المتوقع من المسؤولية.
4-    كانت الثورة المضادة أكثر دراية ووعياً بأن ما حدث في مصر هو ثورة واسعة.. وقامت بتفعيل نفسها وحشد قوتها ومؤسساتها وخلق خطاب قوي تواجه به المجتمع وتدعوه للتمترس خلف القيم القديمة وتقديس السلطة والحفاظ على شكل معين للحياة، وهى بذلك تحملت مسؤوليتها بما يليق باللحظة التاريخية التي كانت تواجهها. في المقابل، كان الثوار أكثر "استهتاراً" بالحدث، ساعين الى الانتشاء اللحظي مثل إلقاء بعض زجاجات الملوتوف على قوات الأمن، أو النجاح في إقامة مظاهرة أو احتفال بذكرى حدث من أحداث الثورة. في المقابل كثفت الثورة المضادة خطابها لمناقشة كل ما يتعلق بأنسجة السلطة المختلفة. فشنت حرباً شعواء لاستعادة مكانة الأب والسيد، العسكر، الأمن، المؤسسات الدينية مثل الأزهر والكنيسة، السوق الحر، الاستثمارات الأجنبية، حتى أنها دافعت عن السلطة القديمة والقبيحة داخل الأجهزة الإدارية للنوادي الرياضية الكبرى، فتمسكت بشخص مثل مرتضى منصور رئيس نادي الزمالك، رغم مجمل سلوكه المشين والخارج عن القانون. ويمكن رصد وتوثيق كيفية شن الأزهر والكنيسة المصرية لحرب ضروس ضد قيم الثورة، فلا يكاد يخلو أسبوع من دون خروج إحدى المؤسستين بتصريح ضد "الفوضى" ولمصلحة "النظام" بمعنى الانضباط والهدوء والاستمرارية، ويعلن الولاء بل التقديس للجنرال الجديد وأهمية اتباعه كقائد ملهم وزعيم وأب وأحياناً رسول جديد.
5-    أدت الثورة إلى حالة من السقوط والانكشاف التاريخي. فبات من الواضح أن مشروع الاستقلال الوطني بنسخته العسكرية يتجه إلى نهاية مطافه.. وربما يفاجَأ الجميع بسقوط مبكر للمحاولة الحالية. استنزف كل من السادات ومبارك، كل على طريقته وفي نطاقه، آخر إمكانيات ذلك المشروع، والمتبقي الآن هو الفزع من انهيار الدولة ولا شيء آخر. مشروع الإسلام السياسي انكشف هو الآخر بالكلية، وبات من الواضح أنه لا يقدم جديداً وأنه غير قادر على تطوير نفسه.. فالإخوان، أكبر فصيل ممثل لهذا التيار يتراجع على مستويات عدة في مصر وتونس، ولا يبدو أن بحوزته فكرة ملهمة أو مشروع أو برنامج مفارِق لطبيعة الحكم الذي قام لعقود في مجتمعاتنا.. وعلى أقصى يمينه يظهر مشروع داعش، إلا أنه هو الآخر لا يمتلك قدرة حقيقية على التغلغل في الأنسجة الاجتماعية بل هو مصدر قلق وخوف.
نحن أمام محطة تاريخية فاصلة، حيث انكشف أكبر مشروعين للحكم والمجتمع.. هذه المشاريع لم تكن مجرد صياغات وعبارات عابرة تحملها قوة السلاح. إنّها شكل أو مقترَح للحياة، ولطبيعة المجتمع بشبكة علاقاته وهي خطاب وممارسة لتصورات وخيال سياسي واجتماعي واقتصادي، وتصوّر معرفي للحياة والدولة.. تنبثق عنهما أعراف وتقاليد ومؤسسات ولغة وتصوّر للمجتمع ولأفراده، تصوّر للذات وللآخر يعبر عن نفسه في قوانين وتشريعات ودستور وعلاقات إنتاج. ولأن المنطقة العربية الإقليمية تنفجر، وشعوبها تحاول البحث عن أفق ومستقبل جديد، ما يعني أن القديم قاد إلى الانفجار، ولم يعد بقادر على المضي قدماً، كما أن الشعوب لم تعد قادرة على تحمل الواقع الراهن. وهذا معنى الأزمة التاريخية. نحن أمام إعادة تشكل للتاريخ كله في المنطقة، وليس فقط في نطاق مصر.
وعليه، فمسؤوليتنا لم تعد تقف عند حدود التظاهر والاحتجاج، وإنما هي التساؤل عن حركة المجتمع وأهدافه وتوجّهاته، وكيف سيدير علاقاته في المستقبل. اللحظة الراهنة هي لحظة خواء بامتياز، ولم يعد من الممكن الانتهاء من الأنظمة عبر الضغط عليها لإسقاط أجزاء منها.. مثلما حدث في 25 يناير و30 يونيو.

 

مقالات من مصر

للكاتب نفسه

سوسيولوجيا الاشتباه

ممارسات الاشتباه في الكمائن تمتلك بعداً طبقياً ومناطقياً. فالكمائن تعمل كأدوات حجز وتنقية واستبعاد للذوات التي يجب عليها ألاّ تتواجد في مساحات معينة، مثل وسط المدينة في أوقات معينة. تنجح...

المجال العام والفضاءات العامة (2)

حتى الآن، عجز الفكر والخيال السياسيان في بلداننا عن تحديد مسألة أساسية بما يخص المجال العام (وسواه) تتعلق بكيفية إنتاج السلطة، وبالعلاقة العضوية بين السلطة والثروة، وهو نمط مستند إلى...