"حماة المذهب" جائعون.. والفقر يتغلغل في مدن الجنوب

تقرير من موقع "العالم الجديد" عن تزايد نسب الفقر في محافظات جنوب العراق، وتفاقم مظاهره خاصة مع انتشار وباء الكورونا.
2020-07-24

شارك

بدا وجهها غارقا في ظلام الغرفة المضاءة بمصباح نفطي وهي تطالع أطفالها الغارقين في النوم، بينما كانت منشغلة بترديد الأدعية، قبل ان تنهض وتعاين دولابا بدا شبه فارغ، إلا من كيس من الدقيق وبعض الرز وعبوة زيت أوشكت على النفاد، حين طرقت جاراتها باب المنزل ليمضين معا نحو ما بات يشكل مركزا لتوزيع المساعدات الغذائية على آلاف الفقراء في محافظة المثنى الجنوبية. منذ أكثر من شهرين، كل يوم جمعة، تستيقظ "أم عباس" قبيل الفجر وتمشي لعدة كيلومترات للوصول الى "جدار احباب الله" بمدينة الرميثة، أملا في الحصول على مساعدات غذائية، تاركة أطفالها الأربعة في فراش النوم بمنزلها الطيني الذي لا تتجاوز مساحته الـ120 متراً، في حي عشوائي بقضاء الوركاء، والذي تعيش فيه عائلتان.

تبلغ نسبة الفقر في المثنى، التي تحتضن عشرات المواقع التاريخية التي شهدت أولى الحضارات الانسانية في وادي الرافدين، 53% بحسب احصاءات رسمية لوزارة التخطيط نشرت في شباط الماضي، لتحافظ منذ سنوات على تصدرها للمناطق الأكثر فقرا في البلاد، لكن تلك الأرقام تصاعدت مؤخرا بسبب تداعيات جائحة كورونا وفقدان آلاف الأشخاص لأعمالهم.

الموت "رحمة وستر"

قبيل الساعة السابعة صباحا، وقفت ام عباس في طابور طويل يضم مئات النساء المتشحات بالسواد والقادمات من مناطق مختلفة بالرميثة والوركاء والسماوة، بينما تشكل طابور آخر للرجال، عند موقع توزيع المساعدات الغذائية.

بعد مشاجرة كلامية نشبت بين عدة نساء نتيجة التدافع في الطابور، قالت أم عباس مبدية تذمرها: "لدي اربعة أيتام ولا املك راتبا، ولا معيل لأطفالي، والسلة الغذائية التي نحصل عليها هنا لا تكفينا لأكثر من ثلاثة ايام، لكن هناك في الطابور من له راتب رعاية اجتماعية ويشاركنا المساعدات".

وتتابع الأرملة (28 عاما) التي فقدت زوجها بعد تطوعه لقتال تنظيم داعش، بينما حاولت اخفاء وجهها بطرف عباءتها السوداء "لم نعد نملك ثمن الطعام، منذ توقف عمل ابنائي عباس (11 عاما) ورضا (9 اعوام) في سوق الوركاء بسبب كورونا، كانا قبل ذلك يحصلان يوميا على ثمانية آلاف دينار، نصفها كان يكفي لتأمين طعامنا، والباقي نجمعه لشراء العلاج لطفلي الصغير (4 اعوام) المصاب بضيق التنفس الحاد ويحتاج الى ادوية لتوسيع الرئتين واحيانا الى الاوكسجين" .

وتضيف بينما تجرها جارتها لتحثها على التقدم في الطابور "حين تسوء حالته علي ان أخذه الى المستشفى العام بالسماوة". تصمت لبرهة، وهي تنظر في شباك بناية قريبة كان يطل منها طفل، قبل ان تكمل "سيموت اذا لم نفعل ذلك سريعا".

لا تختلف اوضاع "فاتن محمد" الأرملة العشرينية التي تملك محلا لخياطة الملابس النسائية، عن اوضاع أم عباس، وان كانت تملك مهنة تدر عليها بعض المال، فلديها طفلان يعتمدان عليها فيما تأثر عملها مع الأوضاع الجديدة في البلاد. فاتن التي كانت تحاول ان تتحاشى جموع النسوة، وتغطي فمها بعطاء رأسها، وسط نسوة يشغلهن تدبر الغذاء لعوائلهن اكثر من التفكير بما قد يشكله كورونا من خطر عليهن، تقول بنبرة صوت منخفضة "لم اتعود ان اطلب شيئا من أحد لكن الحياة تزداد قسوة".

وتضيف: "محلي مغلق منذ بداية اجراءات التباعد الاجتماعي.. أعيش بالاعتماد على مساعدة أهلي.. في السابق كان عملي يوفر متطلبات عائلتي اليومية، لكن الآن الوضع تغير فأنا اعمل من المنزل والزبائن أقل نتيجة تعطيل الأعمال وتراجع القدرة المالية للعوائل". وتلفت فاتن الى ان الناس في المثنى تعودت ومنذ عقود على التعايش مع الفقر، لكن الأوضاع ازدادت سوءا في الأشهر الأخيرة "اعرف الكثيرين ممن لا يملكون ثمن شراء الدواء لمرضاهم بل حتى ثمن شراء كيلوغرام من الرز والفاصوليا... بعضهم يرى ان الموت رحمة وستر".

أرملتا رجل واحد تبحثان عن المساعدات

ذلك الفقر بدا يظهر حتى عند متوسطي الدخل كـ"أم جبار" وهي سيدة في الثلاثينات من عمرها، قدمت من مدينة السماوة (مركز المحافظة) أملا في الحصول على مساعدات لعائلتها التي تضم ستة أفراد بعد ان توقف عمل زوجها سائق التاكسي نتيجة تكرر حالات فرض حظر التجوال داخل المدن وبين المحافظات بسبب كورونا. تقول وهي تفترش الأرض بينما همت بمسح العرق الذي تصبب على جبينها: "لم نشهد أياما كهذه من قبل.. لأول مرة نواجه صعوبة في توفير لقمة العيش، لذا انتظر مثل الجميع فرق توزيع المساعدات.. ان مر اسبوع على عدم تسلمنا لسلة غذائية اتصل هاتفيا بالمتطوعين للاستفسار منهم عن موعد التوزيع.. ما نحصل عليه بالكاد يكفي ليومين او ثلاثة".

مقالات ذات صلة

حين كانت فاتن وام جبار تنتظران دورهما، حصلت "أم عباس" وبعد موجة من التدافع العنيف، على نصف سلة غذائية تضمنت كيس من كل مادة (فاصوليا ورز وزيت وعلبة معجون ونصف طبقة بيض). طلب منها الشاب الذي كان يسلم السلة لها التوقيع على ورقة لإثبات استلامها الحصة، قبل ان يدرك انها لا تعرف القراءة فبصمت بابهامها الأيسر على حقل التوقيع، ثم سحبت حالها بقوة بسبب شدة التدافع بعيدا عن سيارة البيك آب التي كانت تحمل المساعدات، ووضعت سريعا كل ما حصلت عليه في عباءتها وقامت بطي أطرافها ولفها باستثناء طبقة البيض التي امسكت بها بيدها اليمنى، قبل ان تجلس على الأرض في انتظار تسلم جاراتها لحصصهن.

مقاتل بلا حقوق

في تموز عام 2017 خلال المعارك مع تنظيم داعش في محافظة كركوك فقدت أم عباس زوجها الذي كان مقاتلا في قوات (الشهيد الصدر) ولم تحصل على راتب تقاعدي لأن زوجها لم يدرج رسميا ضمن مقاتلي الحشد الشعبي. تقول "علمت بذلك بعد وفاته.. خلال فترة تطوعه كان يصرف له راتب شهري قدره 450 الف دينار من قيادة الفصيل بشكل غير رسمي.. موظفو دائرة الحشد الشعبي نصحوني بالذهاب الى دائرة الرعاية الاجتماعية للحصول على راتب من هناك، قبل نحو عام قدمت الأوراق المطلوبة لكني لم استلم راتباً منهم الى اليوم".

وتعتبر أم عباس، الزوجة الثانية لزوجها المقتول، ولزوجته الأولى خمسة اولاد، وهي بدورها تأتي كل يوم جمعة الى جدار الرحمة لتحصل على المساعدات الغذائية والأدوية بعد أن أصيبت بجلطة دماغية وتحتاج الى علاج مستمر. لا يقتصر طلب المساعدات على النساء، فهناك طابور طويل من الرجال ينتظرون بدورهم الحصول على سلال غذائية.

"حماة المذهب" بلا غذاء

علي حسين، عامل في مجال البناء، لا يحصل على عمل إلا لبضعة ايام كل شهر، كان يقف الى جوار شقيقه عبدالله الذي يعاني من مشاكل في القلب. يقول "حركة البناء محدودة جدا، قلة هنا من يبنون بيوت جديدة او يوسعون او يرممون بيوتهم، ولا شركات خاصة هنا ولا قطاع صناعي، والزراعة تعاني بسبب شح المياه.. فرص العمل محصورة بالقطاع الحكومي وتحديدا في اجهزة الجيش والأمن لكنها محتكرة لمن يملكون علاقات في الاحزاب الحاكمة".

"علي" الذي اكمل كلية التربية قبل نحو 20 عاما، يضيف بصوت خفيض وهو يمسح التراب عن دشداشته البيضاء: "الناس هنا طلباتها بسيطة، يريدون تأمين غذائهم وادنى متطلباتهم المعيشية... لكن حتى هذا اصبح حلما بالنسبة للكثيرين... باتت الأسر تعاني فقط للحصول على غذائها اليومي". يبتعد "علي" بضع خطوات عن شقيقه ويشير الي بالاقتراب، وكأنه سيطلق سرا لايريد لأحد سماعه: "هذا حال عشرات آلاف العوائل في المثنى وفي المحافظات المجاورة، حيث الجهل والفقر.. أبناؤهم في الأزمات يشكلون حماة المذهب وعمق الوجود الشيعي وفي الانتخابات خزان اصواتهم الوفي، في المقابل لا أحد يهتم بهم، هم مغيبون تماماً والأحزاب الحاكمة لا تعرف ان كانوا أحياءً او امواتاً... حتى الاعلام لا يذكرهم".

ويتابع بنبرة حادة دون ان يغادر لغته الساخرة: "تصور هنا مهد الحضارات، هنا آثار الوركاء.. في الرميثة وحدها 35 موقعا اثريا تواريخها تعود للعصر البابلي والآشوري وعصر ما قبل الإسلام". ويؤكد مختصون بالتاريخ ان مدن المثنى كان لها دور مهم في التاريخ القديم فقد شهدت أول كتابة في العالم وهي الكتابة المسمارية، وظهرت فيها أقدم الملاحم وهي ملحمة كلكامش.

النص الكامل على موقع "العالم الجديد".


وسوم:

مقالات من العالم العربي

إلى أين؟ طبعاً الى جهنّم

2020-09-24

على الرغم من أن اللبنانيين صاروا يعرفون جهنم جيداً، يتوقّعونها عند كل مفترق، يعاينونها في أسعار السلع والخدمات، ويختبرون أكثر تجلياتها فجاجةً في انفجار مرفأ بيروت... إلّا أنهم يسمعونها منطوقة...