إعادة تصوّر الموت قراءة في بعض ملامح الثورة المصرية

قبيل الخامس والعشرين من «25 يناير 2011»، لم يلتفت أحد لتكاثر حالات الانتحار التي أخذت طابعاً رمزياً في مصر. كوبري قصر النيل كان أحد أماكنها المفضلة، بين شنق النفس أو القفز في النهر. المثير في الأمر هو أن الموت لم يقتصر هنا على اليأس الفردي فقط، بل إن اختيار مكان عام لارتكابه جعل الإخراج مسرحياً، فبدا وكأنه يحمل في طياته رسائل مجتمعية. وفي تونس قُدحت شرارة الثورة
2014-09-10

علي الرجّال

باحث في علم الاجتماع السياسي متخصص في الدراسات الأمنية، من مصر


شارك
جورج بهجوري - مصر


قبيل الخامس والعشرين من «25 يناير 2011»، لم يلتفت أحد لتكاثر حالات الانتحار التي أخذت طابعاً رمزياً في مصر. كوبري قصر النيل كان أحد أماكنها المفضلة، بين شنق النفس أو القفز في النهر. المثير في الأمر هو أن الموت لم يقتصر هنا على اليأس الفردي فقط، بل إن اختيار مكان عام لارتكابه جعل الإخراج مسرحياً، فبدا وكأنه يحمل في طياته رسائل مجتمعية. وفي تونس قُدحت شرارة الثورة من حرق بو عزيزي لجسده في الشارع، أمام الجميع، وفي مواجهة السلطة المتمثلة في الشرطية التي قامت بقمعه وإهانته. والجسد هو أحد أهم المساحات التي تمارس عليها السلطة، من ضبط وقمع وإخضاع.

الثورة وقلب منطق الموت

جاءت الثورة في مصر لتواجه ماكينة الموت المتمثلة في آلة القمع البوليسية، وذلك بقلب مفهوم الموت وعكس منطقه من أداة ردع في يد السلطة إلى أداة تفكيك للسلطة في يد الثورة. فكوبري قصر النيل ذاك شهد أعظم ملاحم ومعارك الثورة التي امتدّت لساعات طويلة يوم 28 كانون الثاني/يناير 2011. وواجهت مجموعات الشباب العزل مدرعات الأمن المركزي من خلال المزيد من الإقدام في الخطوط الأولى من المعركة، بلا استهابة من الموت. ويذكر باحثون وصحافيون، كما يوضح ما نُشر من شرائط مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي، أن لحظات المواجهة عند أقسام الشرطة، والتي وقع أمامها أكبر قدر من القتل، شهدت تجسيداً وتكثيفاً لمواجهة الموت بالموت وازدراء الحياة، كما هي معيشة. وهناك حوار تكرّر في عدد من الأماكن والمدن المختلفة: «إنت رايح فين، الناس بتموت قدّام»، فيجاب: «دي مش عيشة إللي احنا عايشنها واحنا خلاص مش حنخاف منهم».
فَهْم الموت واستخدامه كأداة في مواجهة السلطة أخذ في التطور مع المراحل المختلفة من الثورة، ووصل ذروته في ملحمة محمد محمود. فبدلاً من أن يحمل في طياته رفضاً للحياة، بدأ يعكس حباً عميقاً لها، كما تحوّلت فكرة الموت من الغياب إلى الحضور. ويشير الباحث محمد سعيد عز الدين إلى ترداد هتاف «بالروح بالدم نفديك يا شهيد» (المقتبس على الأرجح من طقوس المقاومة الفلسطينية)، وكأن الميت هو من صار حياً ويستوجب التضحية ولو بالموت من أجل بقائه وعزته، ما أدخل إلى المجال العام والنزاع السياسي ما يمكن تسميته بالذوات غير الناطقة. فالمجال العام، كما التأثير على عمليات اتخاذ القرار، لم تعد تتم فقط من خلال الأحياء ولكن أيضاً عبر ذوات غير موجودة بشكل مادي. انقلب مفهوم الحضور والغياب. وفي محمد محمود تمّ تفكيك أهم مكونين للسلطة وهما التهديد بالموت أو الوعد بالحياة. وبهذا سقط جانب كبير من السلطة كسيد، ومن السلطة الحيوية التي تَعِد بتحسين شروط الحياة، ومن السلطة الانضباطية التي تقوم بتنظيم الأجساد في الفضاءات والتوقيتات المختلفة.. ويجب النظر إلى الخطاب الذي دار داخل المعركة وخارجها، فالكثير من الشباب هناك كانوا يرددون أنهم مقْدمون على الموت لأنه، على خطوط المواجهة الأولى، توجد الحياة بمعنى التحقق والإحساس بالوجود وكسر هيبة الموت والسلطة معاً. وامتزج هذا بشعور الغضب والحنق على السلطة إلى الحد الذي ينتفي معه الموت كحاجز بينها وبين الثوار. وهو ما عبر عنه كثيرون بالقول إنه «في هذه اللحظات كان بغضنا للسلطة يجعل حاجز الموت ينكسر كجدار معنوي بيننا وبينها». وقد جَعَل ذلك السلطة تقوم ببناء جدار مادي ملموس من الباطون/ جدار بديل. وفي هذا النسق، تصير الحياة كرقصة على أعتاب الموت، ولا يصير الموت كقيد محاصِر للحياة. وربما تكون هذه العملية هي الفكرة من تواجد الموت بأنساق مختلفة داخل الحياة. ليس بالضرورة أن يكون المقصود هو الموت المادي، إنما موت الأشياء بشكل دائم. فقتل الخوف يعطي معنى أكثر تحرراً للحياة والوجود.
هذه هي الطريقة التي تعامل وفقها قطاع من الشباب في الثورة. وهو استخلاص من مجموعة كبيرة من اللقاءات البحثية والصداقات الحميمة والتعايش في خط المعركة، مع الموت في الثورة. وما أعطى «خطر» الموت قيمة أنه شكل من أشكال الحياة بشروط أخرى، وقد نزعت عنه صفات الانتفاء والنهاية والفناء، محرراً الحياة نفسها من الموت ومن القيود التي تفرضها فكرة الموت عليها، وأعباء الفكرة وثقلها على الإنسان... فالمعركة صارت تحرِّر كلاً من الجسد والوجدان في عملية انعتاق متجددة.

أغاني الالتراس: الشغف بالحياة وقتل مهابة الموت

بمسح سريع لأغاني الألتراس (سواء ألتراس الأهلي أو الزمالك) بعد قيام الثورة، سنجد أن 95 في المئة منها تذكر فكرة الموت، وأن الأمر لم يعُد جللاً، وأن هذا الجيل الثائر سيستخدم الموت كسلاح لمواجهة السلطة وليس العكس. وهذه مقاطع صغيرة على سبيل المثال لا الحصر: «من الموت خلاص مبقيتش أخاف وسط إرهابك قلبي شاف الشمس حتطلع من جديد»، وفي ألتراس الزمالك سنجد: «تضرب في غاز تضرب رصاص جيلنا من الموت مبقاش بيخاف خلاص». المثير في الأمر هو تكوُّن قطاع من الشباب لديه حب شديد للحياة، قادر على التمتع بها بحيوية كبيرة وشغف لا محدود وكثيراً ما ردد الشباب تلك الكلمة: «شغف». تجلى ذلك في رسائل الحب المتنوعة التي كانت تكتب أثناء معركة محمد محمود على مواقع التواصل الاجتماعي، فالعديد منها كان يشير لحب الحياة وليس إلى نزعة انتحارية ويائسة. وتقول إحدى دراسات الجامعة الأميركية في القاهرة، وهي دراسة ميدانية بعنوان «كيف تحرر المصريون من الخوف من الموت»، إلى أن أغلب من تعرضوا لاشـتباكات فيـها مواجهات مباشرة مع الموت صاروا أكثر تحرراً من مشاعر الخوف والرهبة. بل إن من واجهوا الموت صاروا أكثر تمسكاً بتحسين شروط الحياة في مصر.

العبثية؟

المشكلة أن هذا النمط يتسم بالخطورة. فمن ناحية هو نمط انعتاقي وتحرري، ومن ناحية أخرى هو يحمل بداخله مساحات واسعة لقدر من العبثية قائم على تحدي الحياة بمزيد من التماهي مع الخطورة والنزعات الانتحارية. وهو ربما يقود لحالة من افتعال الاشتباكات او الانجرار لمواجهات مع الشرطة لا طائل منها ولا يوجد بها أي مكسب ثوري او سياسي. ويكون المرجو فقط هو الشعور بالانتشاء الذي تسببه المواجهة والمعركة. وهو أمر تكرر كثيراً على مدار سنة 2012 تحديداً، مثل اشتباكات ميدان سيمون بوليفار القريب من ميدان التحرير وكورنيش النيل، واشتباكات الذكرى الثانية لمحمد محمود، ومعارك عدة بالإسكندرية.. يبيح هذا النمط للفرد الإحساس الضخم بالتفوق على السلطة في أقوى مساحاتها وآخر مستوياتها في البطش، وهي مساحة التهديد بالقتل أو القتل نفسه، فيشعر الفرد بتحرر كلي، حيث أقصى درجات فنائه هي أيضاً آخر درجات فشل السلطة.. هكذا يتحرر الإنسان في المساحة الواقعة بين الحياة ومنظومة السلطة والموت.. وهي مساحة لا يتسنى لها الوجود إلا في الخطوط الأمامية للمعركة.
وربما يفسر هذا انخراط العديد من الشباب، بالأخص الشرائح الأصغر عمراً، في بعض المعارك التي قد لا تحمل معنى بالنسبة لهم على المستوى السياسي والفكري. إلا أن المعركة (بذاتها ولذاتها) هي المساحة التي يبحث فيها الفرد عن التحرر الكلي، بالأخص إذا تزامن هذا مع إحساس بالعجز عن مجابهة السلطة ومواجهتها في الحياة اليومية على مستوياتها المختلفة.
جموع كثيرة من الشباب ما زالت تتذكر لحظات تفوقها على عدوها الأول ـ الداخلية ـ وكأنها تخلصت من مستعمِر أجنبي، ما يجعلها أكثر تمسكاً بالمعركة، ولو عبر افتعالها، حتى لا يستقر الشعور بهزيمة الحرية. تلك الحرية التي لُمست من قبل.
كيف يمكن أن تتبلور هذه الطاقة في مشروع أكبر من شأنه تغيير جوهر وطبيعة السلطة في مصر، وجعلها أكثر رحابة؟ لا يبدو حتى اللحظة أن هناك إجابة واضحة على هذا السؤال، ولكن من المؤكد أن هذه الطاقة، ومعها هذا التصور عن الوجود والتحرر، سيجعلان من الصعب تكوين سلطة استبدادية وقمعية مستقرة وراسخة، وبالأخص مع تفكك أوصال «السطوة» بشكل عام: السلطة الأبوية في المدن، وتصدّع أشكال مختلفة من الهيمنة الذكورية على المرأة، والرفض العنيف لانتهاك الحريات الشخصية، وانماط حياة اكثر تحرراً، وسقوط قصص كبرى عدة ذات طابع ميتافزيقي مثل مشروع الدولة العسكرية ومشروع الإسلام السياسي، وهو ما قلّص كثيراً من هيمنة الدِين بالشكل التسلطي على الافراد...

مقالات من مصر

السيسي يخترع في السياسة والاقتصاد

البناء هجين، وهو ليس بالتأكيد قطاعاً عاماً، ولا تحركه مصلحة السكان بل الربحية الرأسمالية القصوى التي تتوفر هنا بشكل قسري، بالمصادرة والاحتكار. وهذا تناقض عجيب غريب، إذ يتم توليد الحالة...

نقابة الصحافيين المصرية: الرواية

منى سليم 2019-07-03

نقيب الصحافيين – المعارض السياسي السابق المعروف - يعلن انه ضد "مدرسة الإدانة"، ثم حين يتفاوض يكتفي بالاعتراف بالصحافيين "النقابيين" فقط، بل ويغفل بعضهم، ويرتضي بإحالتهم جميعاً لقائمة الجنائيين! وقد...

للكاتب نفسه

السيسي وإدارة الموارد في مصر

وضع السيسي الموارد تحت سيطرة الجيش بذريعة ضعف وترهّل هياكل المؤسسات المدنية للدولة، وعدم كفاءتها مقارنة بالجيش وأجهزته المختلفة. ولكن الأمر لا يرتبط فقط بالكفاءة، وإنما بالسيطرة وبالولاء.