تونس: مثقفون هاربون من السياسة

لم تكن النخب الثقافية في تونس تتوقع أن يحدث تغيير جذري يطيح بالنظام، بل أن يُحْدِث النظام إصلاحات سياسية تتعلق بحرية التعبير والتعددية السياسية. تهاوي النظام كان الصفعة القاسية لغالبيتها، والجامعية منها بشكل خاص، فهي لم تنتبه لما يعتمل داخل المجتمع من تغييرات كبرى، بعد أن تخلت عن مسؤولية التفكير، وتحولت إلى مجرد راعية لبيروقراطية الدولة.
2020-07-11

فؤاد غربالي

باحث في علم الاجتماع، من تونس


شارك
رشوان عبد الباقي - سوريا

"المفكر الذي لا يطابق بين فكره وبين العمل التحرري، يجعل من صداقته المعلنة للبشر عقيمة"،
بول نيزان.

بعد سنة على سقوط نظام بن علي، صرح حمّادي الجبالي رئيس الوزراء الأسبق، وأحد قياديّي "حزب النهضة" البارزين حينها، بخصوص الوضع في تونس قائلاً " نكبتنا في نخبتنا". مقولة الجبالي هذه صارت بمثابة التيمة، والشعار الذي تستخدمه القوى الشعبوية المحافِظة في صراعها مع النخب الثقافية التي تعتبرها ذات خلفية علمانية ومعادية للهوية العربية الإسلامية للبلاد. لكن هذه المعاداة سرعان ما تحولت إلى تبخيس "للمثقفين النقديين"، حين يحاولون إحداث أي قطيعة في الوعي الجماعي، على المستويين الثقافي والسياسي. وهو تبخيس غالباً ما تصمت عنه السلطات الرسمية القائمة وتتجنب الخوض فيه، وذلك كخيار تكتيكي تخفي من خلاله تواطؤها مع القوى المحافظة.

تواري المثقف النقدي

يجد المثقفون النقديون في تونس أنفسهم معزولين، على الرغم من انفتاح المجال العام وتحرر الكلمة، ويكاد تأثيرهم أن يكون غير مرئي في الجدل السياسي القائم في البلاد، بعد مرور عشر سنوات على سقوط نظام بن علي. فهل تلائم مناخات "الديمقراطية المحلية" المثقف التونسي، وربما العربي، ليفكر بجرأة، خاصة إذا ما اعتبرنا أن "لا تفكير خارج الجرأة" (1) . فالنخب التونسية تبدو أكثر جرأة، وانخراطاً في "الشأن العام" في زمن نظام بورقيبة، حيث عرفت زخماً فكرياً تشكلت في خضمّه "طبقة من المثقفين" المعارِضة للتسلط السياسي من منطلق فكري وفلسفي يتسم بالعمق والجدية النقدية. وهو حاول التصدي للخطابات اللاتاريخية التي تريد التعمية على تنوعات الواقع. وعلى الرغم من أن الطبقة المثقفة التي تشكلت في السياق التونسي (كما في العالم العربي أيضاً) هي صنيعة "دولة البرجوازية الصغيرة" (2)، إلا أنها مع ذلك استطاعت، وإن نسبياً، أن تتجاوز أفق مصالحها المباشرة الضيقة، ومصالح النخبة التي في السلطة، من أجل الدعوة إلى تعزيز مبادئ الحرية والعدالة. زُجَّ بالكثير من المثقفين النقديين في السجون في سبعينيات وثمانينيات القرن الفائت، إلا أن ذلك لم يحل دون تشكّل إرث سياسي وثقافي نقدي ساهمت فيه بكل فاعلية أجيال من المثقفين النقديين الذين عرفتهم تونس، وهو إرث كان لاستمراريته، على نحو ما، المساهمة بالإطاحة بنظام بن علي، ومقاومة محاولات الإسلاميين تجسيد نزعتهم التسلطية إبّان وصولهم للسلطة سنة 2011.

إلا أن هذا الإرث النقدي، والانخراط السياسي للمثقفين التونسيين في الشأن العام، صار خافتاً ودونما تأثير على الرأي العام والخيارات العمومية، على نحو يؤكد فرضية مفارِقة مفادها أن الديمقراطية التونسية الوليدة تجد صعوبة جمة في خلق دينامياتها الفكرية والمعرفية، ولعل علتها وخللها الرئيسي هو أساساً من طبيعة فكرية ونظرية.

يمكن اعتبار هذا الخلل مهدّداً للتجربة الديمقراطية نفسها. فقد كانت نتيجة هذا الفراغ المعرفي الذي خلقه تواري المثقفين النقديين، تقلُّدَ الديماغوجيين والتكنوقراطيين حديثي العهد بالسياسة، ومعهم "المثقفين المغالطين" (3) واجهات الإعلام والنقاش. مهمة هؤلاء هي خلق رأي عام متلاعَب به، وترويج مغالطات عدة، وهي مهدت الطريق لتنامي الشعبوية وتأسيس نظام التفاهة.

تواري المثقف النقدي من التجربة الديمقراطية التونسية يحيل إلى أسئلة عديدة، ترتبط أساساً بالسياق الذي تجري فيه صيرورة الانتقال الديمقراطي نفسها، وبطبيعة الفاعلين المهيمنين في تشكيل هذه الصيرورة. علاوة على أنها تدفع للتساؤل حول مسؤولية المثقفين أنفسهم، ليس من حيث هم طبقة متجانسة، بل من حيث هم فاعلون فكريون يمتلكون حرية الكلام بشجاعة، وفضح التعميمات المتحيزة التي تغرقنا بها وسائل الإعلام. هم أيضاً هؤلاء الذين يرفضون السير مع القطيع. هذا الانسحاب المثير للاستغراب من قلب معركة التحول الديمقراطي جعل من البعض منهم مجرد موظفين حكوميين غير معنيين بإنتاج المعنى، والتفكّر النقدي بما يجري في البلاد من تحولات على المستويين الميكرو والماكرو سوسيولوجي.

يجد المثقفون النقديون في تونس أنفسهم معزولين، على الرغم من انفتاح المجال العام وتحرر الكلمة، ويكاد تأثيرهم أن يكون غير مرئي في الجدل السياسي القائم في البلاد، بعد مرور عشر سنوات على سقوط نظام بن علي.

تبدو النخب التونسية أكثر جرأة وانخراطاً في الشأن العام في زمن نظام بورقيبة، حيث عرفت زخماً فكرياً تشكلت في خضمّه طبقة من المثقفين المعارضين للتسلط السياسي من منطلق فكري وفلسفي يتسم بالعمق والجدية النقدية.

البعض الآخر، بعد سقوط نظام بن علي، اختار النأي بنفسه بعيداً عن معارك البلاد، عبر الهجرة إلى البلدان التي تحكمها الأنظمة الملكية والريع النفطي. الهدف هو تحسين أوضاعهم المادية المتردية. وإن كان هذا حقيقي، إلا أنه لا يبرر تخلي الكثير من هؤلاء "المهاجرين النفطيين" عن حسهم النقدي، وتموقعهم ضمن خيارات تحافظ على الوضع الراهن، وتعطي المشروعية للقوى المحافظة التي تقف حائلاً دون رغبة مجتمعات المنطقة في التخلص من ربق الاستبداد الديني والسياسي.

المثقف في زمن السرديات الكبرى

ثمة تحول في ما حدث في تونس، وفي المنطقة العربية أيضاً، منذ منتصف ثمانينيات القرن الفائت، أعاد تشكيل صورة المثقفين النقديين، أي هؤلاء الذين يرون (4) في المهنة الفكرية يقظة متواصلة، ورغبة مستمرة في عدم السماح لأنصاف الحقائق والأفكار التقليدية بأن تقود الجموع. بعبارة أخرى، المثقفون النقديون هم هؤلاء الذي يرفضون اتّباع مصالحهم، وينخرطون بشكل نقدي في الجدل الذي يخوضه المجتمع. التحولات الحاصلة، تحت وطأة العولمة، رسمت معالم جديدة لصور المثقف. التحول الأساسي الذي أحدثته المرحلة التي بدأت منتصف الثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي هي أنها أطاحت بالمشاريع الأيديولوجية الكبرى التي ميزت العقود الأولى لمرحلة الاستقلال، سواء من ناحية النخب الحاكمة، أو من ناحية حركات المعارضة التي عرفتها البلاد ضد نظامي بورقيبة وبن علي.

مقالات ذات صلة

فمن ناحية النخب الحاكمة إبّان الاستقلال، كانت الأيديولوجيا البورقيبية هي المهيمنة، وهي أيديولوجيا بَنت مسلماتها على مقولة "الأمة التونسية" كمتخيل سياسي تعبوي يجسد "الروح التونسية" التي تجد جذورها من ناحية الممارسة السياسية في التجربة الإصلاحية للوزير خير الدين باشا خلال القرن التاسع عشر، وفي تجذّرها في الثقافة المتوسطية من ناحية الانغراس التاريخي. وهو ما شكّل المرتكز النظري للمشروع الوطني الذي بنته نخب الاستقلال على وعد تحقيق التنمية، والخروج من التخلف، وإحداث قطيعة (وإن لم تكن راديكالية) مع البنى التقليدية من أجل إنتاج مجتمع جديد، مبني على عقد اجتماعي بين الدولة والمجتمع، مضمونه تحقيق الأمان الاجتماعي عبر ما توفره الدولة من خدمات اجتماعية مجانية مثل الصحة والتعليم، وضمان الترقّي الاجتماعي عبر الدخول إلى الوظيفة العمومية.

من أجل مأسسة هذا "العرض"، وإدماجه في البنية الذهنية للأجيال الجديدة، وضمان استمراريته، جرت تعبئة كل النخب الثقافية الحديثة، تلك التي أتمّت دراستها في فرنسا، وبعض النخب التقليدية من الزيتونيين (نسبة لجامع ومدرسة الزيتونة) المتحمسين للمشروع البورقيبي، بقصد إحداث تغييرات مجتمعية في المجتمع التونسي الخارج لتوه من أتون الاستعمار. لم يكن خيار الديمقراطية مطروحاً، على الأقل في بدايات العقد الأول للاستقلال، لهذا انخرطت النخب بحماسة في المشروع الوطني. محمود المسعدي، صاحب العمل الأدبي الخالد "السد"، كان أحد قادة المشروع الوطني فيما يتعلق بالتعليم الذي كان أداة لصناعة "الفرد التونسي الجديد". وعلاوة على المسعدي، نجد الشاذلي القليبي، والحبيب بولعراس، وآخرين من المثقفين الذين انخرطوافي المشروع السياسي والأيديولوجي لدولة الاستقلال، من حيث التنظير والممارسة.

صار الإرث النقدي، والانخراط السياسي للمثقفين التونسيين في الشأن العام، خافتين ودونما تأثير على الرأي العام والخيارات العمومية، على نحو يدعم فرضية مفارِقة مفادها أن الديمقراطية التونسية الوليدة تجد صعوبة جمة في خلق دينامياتها الفكرية والمعرفية. ولعل علتها وخللها الرئيسي هو أساساً من طبيعة فكرية ونظرية.

إلا أن هذا المشروع الوطني، عبر المدرسة العمومية والبعثات الطلابية للخارج، صنع - للمفارقة - أجيالاً جديدة من المتعلمين، والنخبويين غير المتحمسين للمشروع الوطني في صيغته البورقيبية، خاصة مع بداية تآكل الخطاب الرسمي كأيديولوجيا مهيمنة، وشروعه في فقدان مشروعيته بداية من منتصف سبعينيات القرن الماضي. خلال تلك الفترة، أعلن بورقيبة نفسه رئيساً مدى الحياة، مختزلاً كل الحياة السياسية في شخصه، علاوة على عدم تحقق جزء هام من وعد دولة الاستقلال المتعلق بإدماج الفئات الأكثر تهميشاً في الحياة الاقتصادية.

بعد فشل "التجربة الاشتراكية"، دخل نظام بورقيبة في نهاية السبعينيات في مواجهة عنيفة مع الاتحاد العام التونسي للشغل، الشريك الاجتماعي للنظام، وحليفه ضد صالح بن يوسف الغريم السياسي لبورقيبة. كانت المواجهة تحت عنوان "المسألة الاجتماعية"، وكردة فعل مباشرة على آثار التجربة الليبرالية الأولى التي بدأت تدفع بالقطاع الخاص نحو الواجهة على حساب القطاع العمومي. كان ذلك بمثابة الإعلان عن بداية تآكل العقد الاجتماعي بين الدولة والكثير من الفئات الاجتماعية التي عقدت آمالها على تحقيق الاندماجالاجتماعي عبر مصعد الدولة الراعية.

وبالتوازي مع المعارضات النقابية للأيديولوجيا الرسمية التي فقدت مصداقيتها، كانت هناك معارضات النخب المثقفة ذات النزوع اليساري. كثير من الطلاب وأساتذة الجامعات والمحامين وحتى جزء كبير من القطاعات العمالية والتلمذية، سيتبنون بقوة الطرح الماركسي. يشكّل كل هؤلاء جزءاً من الطبقة المتوسطة الحضَرية التي صعدت السلم الاجتماعي عبر المدرسة العمومية، ولكنها بدأت تشعر أن هناك تراجعاً عن مكاسبها. إضافة إلى نخب البرجوازية الصغرى، وجد الطلاب الآتون لتوهم من أرياف البلاد المحرومة من ثمار التنمية، للدراسة بجامعات العاصمة ومدن الساحل، في الماركسية اللينينية، وفي الفكر القومي الناصري، سردية بديلة عن سردية النظام، تعطي مشروعية أيديولوجية لغضبهم ضد السلطة والبرجوازية الحليفة لها.

قبل ذلك، وعلى إثر قمع المعارضة اليوسفية، كان الحزب الشيوعي التونسي هو البديل الذي يهرب إليه المثقفون لمعارضة نظام بورقيبة.

صنعت الحركة اليسارية في تونس دينامية ثقافية نوعية ساهمت في خلق جيل من المثقفين الماركسيين الذين طرحوا قراءة جديدة للمجتمع التونسي من منطلق الصراع الطبقي، كبديل عن القراءة البورقيبية القائمة على "الوحدة الوطنية". ساهم الكثير من المثقفين اليساريين المناوئين للنظام في "أدلجة الغضب"، وفي خلق أطر مشاركة سياسية، من خارج الأطر الرسمية، لمقارعة السلطة، وإجبارها على الاعتراف بالتعددية السياسية. العرض الأيديولوجي اليساري والعلماني عموماً، وإن لم يكن متجذراً اجتماعياً على نحو واسع - بخلاف العرض الأيديولوجي الرسمي - استطاع أن يضع الخيارات الرسمية موضع تساؤل، ويُحرج النظام الذي زج بكثير من المثقفين اليساريين في السجون. في سبعينيات القرن الماضي اعتبر الهادي نويرة، الوزير الأول حينها، أن كليات الآداب والعلوم الإنسانية هي بمثابة "عش دبابير" لأنها تعج بأفكار يسارية مناوئة للسلطة ولخياراتها.

كانت "حركة آفاق" هي الفصيل الأبرز منذ بداية السبعينات حتى منتصف ثمانينات القرن الماضي. انتمى إليها العديد من المثقفين، وساهمت في تكوين جيل من السياسيين ذوي الخلفية المعرفية والفكرية الصلبة. البعض منهم سيكون جزءاً من الحركة الحقوقية التونسية التي لعبت دوراً كبيراً في مقاومة ديكتاتورية بن علي، والجزء الآخر ساهم في تكوين جيل من الشباب المثقفين، والملتزمين سياسياً في المعاهد الثانوية والجامعات، ولعب دوراً هاماً داخل الحركة الطلابية خلال مرحلتي الثمانينات وبداية التسعينات.

لكن العرض اليساري، كسردية تعبوية، أخذ بدوره في الخفوت على المستوى الفكري والسياسي، خاصة مع صعود الحركة الإسلامية بداية الثمانينات الفائتة، التي استقطبت الكثير من الشبان الحضريين من طلاب الجامعات والمعاهد الثانوية، وجزء صغير من البرجوازية الصغرى. صعود التيار الإسلامي وضع الكثير من المثقفين النقديين أما حقيقة أنهم يجب أن يخوضوا التزاماً سياسياً على واجهتين: واجهة مقاومة تسلطية نظام بورقيبة وبن علي من بعده، وواجهة مقاومة الطرح الإسلاموي كطرح مناقض للفكرة الديمقراطية، وللتصور الحديث للمجتمع. الحرب على جبهتين خلقت استقطاباً أيديولوجياً حاداً لا تزال امتداداته مستمرة في المشهد السياسي الحالي، حيث يستعاد في كل مرة من أجل المناكفات السياسية.

ظهور الإسلاميين جعل البعض من المثقفين اليساريين يختارون التحالف مع سلطة بن علي في بداية سنوات التسعينيات الفائتة من أجل شن الحرب على التيار الإسلامي. قاد محمد الشرفي، أستاذ القانون الآتي من حركة آفاق اليسارية، مشروع الإصلاح التربوي في تلك التسعينات، وهو مشروع رأى فيه الكثير من الإسلاميين أنه بمثابة عملية تطهير ثقافي، شنها النظام لتجفيف منابع الفكر الإخواني في البلاد. في الوقت ذاته، اعتبر الكثير من المثقفين أن تحالفهم مع النظام هو تكتيك لتغييره من الداخل ومحاولة دمقرطته. لم يفلح هؤلاء في الحد من قوة التيار الإسلاموي الذي أثبت بعد سقوط نظام بن علي أن قدرته التنظيمية مازالت قادرة على التعبئة.

بعد فشل "التجربة الاشتراكية"، دخل نظام بورقيبة في نهاية السبعينيات في مواجهة عنيفة مع الاتحاد العام التونسي للشغل، الشريك الاجتماعي للنظام، حول "المسألة الاجتماعية"، وكردة فعل مباشرة على آثار التجربة الليبرالية الأولى التي بدأت تدفع بالقطاع الخاص نحو الواجهة على حساب القطاع العمومي. كان ذلك بداية تآكل العقد الاجتماعي بين الدولة والكثير من الفئات الاجتماعية.

الاستقطاب الأيديولوجي الحاد كان ضحيته المثقف النقدي الذي وجد نفسه بين كماشة السلطة وكماشة الإسلام السياسي. في بداية التسعينيات الفائتة، استطاع المفكر هشام جعيط التغريد خارج السرب، وإعلان تحذير كان بمثابة "مانيفستو" ضد دكتاتورية بن علي. وهو ما حدا بالنظام إلى عزله عن الحياة الفكرية والثقافية في البلاد. عرفت البلاد بداية من ذلك التاريخ حالة من التصحر الفكري والثقافي، فلم يبقَ للمثقفين النقديين أي دور يُذكر، وكل شيء صار خاضعاً للرقابة. كان للنظام لجانه التي تحدد ما يجوز أن يقال وما لا يقال. المساحات صارت ضيقة جداً. الأفكار النقدية والتحليل المعرفي لِما يحدث في البلاد كان ينجزه في الغالب باحثون في جامعات أجنبية خارج البلاد. أغلق نظام بن علي كل شيء، وفتح الباب واسعاً أمام الارتزاق الثقافي الذي انخرط فيه البعض من المثقفين.

جزء منهم تحولوا إلى "حكّام تفتيش" و"كتّاب تقارير بوليسية". البعض الآخر اختارالصمت والانزواء والتكلم بتقية. في الجامعة كان البعض يتجنب ذكر عبارة "الدولة" في الفصل خوفاً من أن يعتبرها الطلاب معارضة للنظام. قلة هم من استطاعوا المقاومة، سواء عبر الانضمام لمنظمات حقوقية مثل "الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان"، أو الاحتماء بالاتحاد التونسي للشغل من خلال العمل النقابي القاعدي. كل هذا كان يتم على حساب إنتاج فكر نقدي ومساءلة معرفية مستقلة للخيارات الاجتماعية والاقتصادية في البلاد. كان خيار نظام بن علي هو السيطرة الكلية على فضاءات النقاش العام، مما خلق "صحراء فكرية" شاسعة في البلاد، تبدو نتائجها اليوم بيّنة على الحياة السياسية في تونس وتجربة الانتقال الديمقراطي، خصوصاً حين تخاض هذه التجربة دونما أي منظور فلسفي وفكري.

الإنتقال الديمقراطي: خواء فكري

لم تكن النخب الثقافية في تونس قبيل سقوط نظام بن علي تتوقع أن يحدث تغيير جذري يطيح بالنظام، بل كان أقصى مطامحها هو أن يُحْدِث النظام إصلاحات سياسية تتعلق بحرية التعبير والتعددية السياسية. كان الهاجس الإصلاحي هو المسيطر على غالبية النخب، ذلك أن النظام عمل على مدى ثلاث وعشرين سنة على محاولة إدماج تلك النخب في ماكينة المجتمع الاستهلاكي، وحوّل اهتماماتها إلى الجوانب المعيشية. وكان ذلك جزءاً من عملية الإدارة السياسية للطبقة المتوسطة التي تنتمي إليها غالبية تلك النخب، التي لم تكن تطلب من النظام سوى ما يتطابق مع مصالحها. إلا أن انفكاك العقد بينها وبين النظام كان كفيلاً بتسريع سقوطه.

تهاوي نظام بن علي كان بمثابة " المفاجأة" غير المتوقعة، والصفعة القاسية لغالبية النخب الثقافية (الجامعية منها بشكل خاص)، كونها لم تنتبه لما يعتمل داخل المجتمع من تغييرات وتحولات كبرى بعد أن تخلت عن مسؤولية التفكير، وتحولت إلى مجرد راعية لبيروقراطية الدولة. القطيعة والهوة بين الكثير من النخب والمجتمع كانت كبيرة وعميقة. فغالبيتها اختارت الصمت والحديث في النطاقات الضيقة، ولم تكن تريد التجاسر على الحدود التي رسمها النظام.

لا أحد من النخب الثقافية في البلاد كان يريد التحالف مع الفئات المتضررة من الخيارات الاقتصادية التي اعتمدها النظام. في سنة 2008 تمّ قمع الحركة الاحتجاجية في الحوض المنجمي التي لم تجد مساندة سوى من هيئات مهنية مثل المحامين، وبعض النقابات المتمردة على مركزية الاتحاد العام التونسي للشغل، وبعض الناشطين، لكن بقية الأصوات كانت خافتة، ومن بينها أصوات النخب الفكرية والثقافية والجامعية. صمتها لا يفسره فقط الخوف من النظام، بل لأن الكثيرين مستفيدون من "الريع" الذي تمنحه لهم السلطة. لقد كانوا مدجنين على نحو يمنعهم من المجاهرة بالحقيقة. الحياة الجامعية، وعلى الرغم من مساحة الحرية النسبية المتوفرة فيها، لم تستطع أن تنتج خطاباً نقدياً متماسكاً ضد السلطات السياسية والاجتماعية، بل بقيت في حدود إنتاج دراسات علمية عديمة الجدوى تتسم بالمراوغات الخطابية.

ولم يكن ثمة ما يثير أي اعتراض من النظام، سوى بعض المنشورات القليلة جداً لأساتذة متمردين على المنظومة الجامعية المبنية على ديناميات السلطة، والذي يعمل (ولا يزال) وفق منطق تكريس الولاءات وإعادة إنتاج التسلطية. النظام الجامعي نفسه هو من عزل المثقفين النقديين، وجعل الأغلبية تخوض حروباً صغيرة خالية من المعنى. في غياب المثقف النقدي، كانت مهمة نظام بن علي سهلة، في ممارسة القمع وفي تصحير الحياة الفكرية التي كان من نتائجها خلق جيل فاقد للحس النقدي. وقد استطاعت الحركات العنيفة، وجزء من الحركات الشعبوية الصاعدة بعد الثورة التلاعب بهذا الجيل، وتحويله لأداة في أتون صراع ما-بعد اجتماعي وما-بعد سياسي مضاد للديمقراطية.

لكن مقابل هذا، أجبرت الثورة في 2011 الكثير من النخب على النزول إلى الأرض، والبحث عن تحالفات ممكنة مع القوى الاجتماعية التي أطاحت ببن علي. حدث نوع من التحالف في الأيام الأولى لسقوط هذا الأخير بين جزء من النخب الثقافية، وبين ما يعتبر في الأدبيات الماركسية "البروليتاريا الرثة" أو ''المهمشون'' في أدبيات العلوم الاجتماعية.

لا أحد من النخب الثقافية في البلاد كان يريد التحالف مع الفئات المتضررة من الخيارات الاقتصادية التي اعتمدها النظام. في سنة 2008 تمّ قمع الحركة الاحتجاجية في الحوض المنجمي التي لم تجد مساندة سوى من بعض المحامين، وبعض النقابات المتمردة على مركزية الاتحاد العام التونسي للشغل، وبعض الناشطين. بقية الأصوات كانت خافتة، ومن بينها أصوات النخب الفكرية والثقافية والجامعية.

كانت نتيجة الفراغ المعرفي الذي خلقه تواري المثقفين النقديين، تقلُّدَ الديماغوجيين والتكنوقراطيين حديثي العهد بالسياسة، ومعهم "المثقفين المغالطين" واجهات الإعلام والنقاش. مهمة هؤلاء هي خلق رأي عام متلاعَب به وترويج مغالطات عدة. وهذا مهد الطريق لتنامي الشعبوية وتأسيس نظام التفاهة.

كانت بعض النخب تريد أن تجد لها مكاناً في المشهد السياسي والاجتماعي لما بعد بن علي، فكان لزاماً عليها تبني "خطاب ثوري" سيثبت زيفه بعد فك الارتباط السريع بينها وبين الفئات المطالِبة بالاندماج في الحياة الاقتصادية. تصرفت تلك النخب بمنطق تغْلب عليه الانتهازية التي لم تستطع تجاوز أفق مصالحها الضيقة من أجل طرح مشروع مجتمعي بديل. تموقع البعض في صف "حركة النهضة" الإسلامية الصاعدة للحكم خلال مرحلة الترويكا، وانخرط البعض بلا هوادة في الحرب الأيديولوجية التي وسمت خمس السنوات الأولى لوصول الإسلاميين للحكم. عمقت هذه الحرب سياسة الأكاذيب والقفز على تعقيدات الواقع، ما دام الأمر متعلقاً بمعركة "الخير" ضد "الشر"، وهي سياسة دعمها أيضاً خيار التوافق بين حزب "نداء تونس" الليبرالي وحركة النهضة الإسلامية.

البعض من المثقفين ذهبوا في اتجاه دعم هذا التوافق من منطلق "تحقيق الاستقرار السياسي"، ليجدوا أنفسهم بوعي أو دونه "كلاب حراسة" لمجموعة من المصالح المهيمنة. البعض الآخر استطاع أن يجد له مكاناً في وسائل الإعلام الخاصة ليتحول إلى "معلق على ما يحدث"، لكن على نحو متسرع ومغالط، ويفتقد في الغالب للحس المعرفي والنقدي، بل يذهب إلى قراءات تبسيطية لأحداث سياسية واجتماعية في غاية التعقيد.

أدى ذلك إلى إفراغ النقاش العام من محتواه المعرفي والاحتجاجي. ومثّل ضربة قاصمة للديمقراطية في تونس التي بقيت حتى الآن غير قادرة على إنتاج "طبقة من المثقفين النقديين" تتعاطى بشكل أعمق مع ما يحدث بهدف إحداث قطيعة نوعية مع الوعي الاجتماعي والسياسي السائد. كل الذي أتت به مرحلة ما بعد سقوط نظام بن علي هو تشكل طبقة من "المثقفين المزيفين" تفتقد للمنهج، وتنشط بكثافة في وسائل الإعلام وعلى صفحات الفايسبوك، وتتجنب الانخراط في التأسيس لنقاش عام تواصلي وموضوعي. بل أن كل ما تفعله هو إعادة إنتاج الواقع بصيغة أكثر رداءة.

في الحاجة لاحتجاج المثقفين

أمام تنامي " الزيف '' في الفضاء العمومي، اختارت نخب ثقافية كثيرة الهروب من السياسة ومن النقاش العام، وعملت على أن تجعل من نفسها "ذواتاً مندثرة"، لا مبالية بالظلم الحاصل وبمأساة الناس وبقضايا المجتمع، حتى أن إنتاجها الفكري بات معدوماً وباهتاً. لا وجهة نظر مغايرة وبديلة، ولا يوجد إلا وجهات النظر التي تروجها وسائل الإعلام، وهي في الغالب مجتزأة ومتحيزة وتفتقد للرصانة. لا أحد في تونس يغرد خارج السرب المهيمن والسائد. الصمت وعدم الالتزام صار سمة الكثير من النخب المثقفة في البلاد (والنخب الجامعية خاصة)، وهو أمر يكشف عن مفارقة أن الانتقال الديمقراطي لا ينتج بالضرورة انتقالاً فكرياً ومعرفياً وقطيعة كبرى.

______________

1- وفق عبارة عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم.
2-وفق المفكر المغربي عبد الله العروي.
3- أو المثقفين المزيفين" مثلما يسميهم باسكال بونيفاس.
4- مثلما يشير المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد.

مقالات من تونس

كوفيد-19 في تونس: انطلق الشوط الثاني..

ما الذي حدث في الصيف الماضي؟ خلال شهري تموز/يوليو، وآب/أغسطس، "يتخدر" أغلب التونسيين، ويهجرون الشأن العام، لينغمسوا في موسم الأعراس وحفلات الناجحين في البكالوريا، وعودة المهاجرين من الخارج، والاصطياف والتمتع...

للكاتب نفسه