الهيئات والأحزاب الإسلامية تسرق العراق

خسر العراق 450 مليار دولار من ميزانياته الانفجارية للأعوام من 2003 ولغاية 2015، حيث بلغت قيمتها الكلية 850 مليار دولار. أي أن الفساد تسبب بإهدار 53 في المئة من تلك الميزانيات. وفي السنوات الخمس الأخيرة، أي منذ 2015 ولغاية الآن، لم تتوقف مجنزرة الفساد عن سحق البلاد. فكيف يجري ذلك؟
2020-06-23

ميزر كمال

كاتب من العراق، مقيم في اسطنبول


شارك
ضياء العزاوي - العراق

عام 2015، وفي ذروة سيطرة تنظيم داعش على ثلث مساحة العراق، وتشكيل مليشيات الحشد الشعبي، وانهيار قوات الأمن البالغ عددها 700 ألف مجند (الجيش والشرطة وجهاز مكافحة الإرهاب)، وتسيَّد حزب الدعوة الإسلامية على كرسي رئاسة الوزراء، في ذلك العام، وبينما ذلك كله يحدث، كان العراق قد خسر 450 مليار دولار من ميزانياته الانفجارية للأعوام من 2003 ولغاية 2015 حيث بلغت قيمتها الكلية 850 مليار دولار. أي أن الفساد تسبب بإهدار 53 في المئة من تلك الميزانيات.

في السنوات الخمس الأخيرة، أي منذ 2015 ولغاية الآن، لم تتوقف مجنزرة الفساد عن سحق البلاد. فكانت الحرب على تنظيم داعش التي كلَّفت البلاد 100 مليار دولار، وموجة الجفاف العنيفة التي ضربت البلاد في أكثر من موسم، وحرائق البساتين والحقول المفتعلة لضرب المنتج الوطني، وتسييد البضائع الإيرانية على السوق العراقية، والهبوط الحاد في أسعار النفط، وغيرها من المشاكل التي لا تنتهي، والتي أوصلت البلاد إلى مرحلة أعلن فيها الرئيس العراقي برهم صالح أن 40 في المئة من الشعب العراقي بات تحت مستوى خط الفقر، والنسبة الباقية تتمرجح على ذلك الخط الممتد والطويل جداً.

أربع مؤسسات هي الوحيدة التي لم تتضرر. بل على العكس من ذلك تماماً، شهدت فترة ازدهار ونماء وتوسع في العدة والعدد ورخاء في الثروة، تلك المؤسسات هي: العتبة الحسينية وميليشيات الحشد الشعبي والوقفان الشيعي والسُنّي.

ازدهار المؤسسات الدينية

الملاحظ في المؤسسات غير المتضررة أنها كلها دينية، وتشكلت على أساس عقائدي وطائفي، وهي أيضاً كلها لا تخضع لسيطرة أو إدارة الدولة المدنية والسلطات الحكومية في البلاد. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ينص قانون إدارة العتبات المقدسة والمزارات الشيعية رقم (19) لسنة 2005 على أنَّ: "إدارة وتسيير شؤون العتبات والمزارات، والعناية بها ورعايتها بما يناسب قدسيتها، وتطويرها وتوسعتها بتشييد عمارات ملحقة بها وبشكل يميّز مكانتها وأثرها الديني والتاريخي مع الحفاظ على الطابع الإسلامي للعمارة، وصرف واردات العتبات والمزارات في مواردها وفق الضوابط الشرعية والقانونية، واستثمار الأموال العائدة للعتبات والمزارات بمختلف الأوجه المتاحة والموافقة لأحكام الشرع الحنيف والقوانين النافذة" . ومن المعروف أن عائدات تلك العتبات والمراقد تذهب مباشرة إلى المرجعية العليا في مدينة النجف التي لها مكاتبها ووكلاؤها في العراق، ولا يدخل دينار واحد إلى خزينة الدولة.

الوقف الشيعي.. دولة داخل الدولة

في ميزانية العراق لعام 2019 بلغت التخصيصات المالية للوقفين الشيعي والسنّي 813 ملیار دينار، ذهبت 585 مليار دينار للوقف الشيعي، و284 مليار دينار للوقف السنّي، بينما كانت التخصيصات المالية لمحافظة نينوى 143 مليار دينار.. ونينوى كانت ولا تزال محافظة منكوبة بقرار البرلمان العراقي، حيث أن نسبة الدمار في البنى التحتية لمدينة الموصل بلغت 80 في المئة على أقل تقدير.

هذه الميزانيات الانفجارية للوقفين، وتحولهما من جهتين دينيتين إلى إمبراطوريتين اقتصاديتين سهَّل استشراء الفساد فيهما. ففي عام 2016 أحالت لجنة النزاهة في البرلمان العراقي أكثر من عشرة ملفات فساد إلى هيئة النزاهة تخص رئيس ديوان الوقف الشيعي علاء الموسوي. وتضمنت تلك الملفات مصروفات بملايين الدنانير لمناسبات دينية لم يقمها الوقف، واختفت الأموال المخصصة لها مثلما حدث في اختفاء 66 مليون دينار خُصصت لإقامة حفل ولادة الإمام الحسن بن علي.

ملف فساد آخر يلاحق الوقف الشيعي، وهو استيراد 63 طناً من الشاي (دُفعت مبالغها من ميزانية الوقف) لتوزيعها على المواكب الحسينية. لكن المواكب لم تتلق أي دفعات من تلك الأطنان الكثيرة! وتعقيباً على الحادثة قال النائب في البرلمان العراقي كاظم الصيادي: إن تلك الأطنان لو ألقيت في نهري دجلة والفرات لتحولا إلى نهرين من الشاي.

أعلن رئيس الجمهورية مؤخراً أن 40 في المئة من الشعب العراقي بات تحت مستوى خط الفقر، والنسبة الباقية تتمرجح على ذلك الخط الممتد والطويل جداً. هناك أربع مؤسسات هي الوحيدة التي لم تتضرر، بل شهدت فترة ازدهار ونماء وتوسع في العدة والعدد ورخاء في الثروة، تلك المؤسسات هي: العتبة الحسينية وميليشيات الحشد الشعبي والوقفان الشيعي والسُنّي.

عام 2015 وعندما بدأ العراق باتباع سياسة التقشف بسبب الأزمة الاقتصادية، أصدر رئيس ديوان الوقف الشيعي أمراً بتعيين خمسة خبراء (هم من أصدقائه) براتب شهري قيمته 5 ملايين دينار للخبير الواحد. وعند احتساب إجمالي رواتب أولئك الخبراء يتبين أنَّهم يكلفون ميزانية الدولة 300 مليون دينار سنوياً.

قبل علاء الموسوي، كان حسين الشامي يشغل منصب رئيس ديوان الوقف الشيعي. وفي عهده اشترى أراضي جامعة البكر للدراسات العسكرية (الحكومية) وجعلها من أملاك الوقف الشيعي بعد قرار الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر بحل المؤسسات العسكرية العراقية عام 2003.

الوقف الشيعي اشترى جامعة البكر من وزارة الدفاع المنحلّة حينها بمليون دولار فقط، بينما تُقدر قيمتها الفعلية بـ 800 مليون دولار. وعلى الرغم من أنَّ محكمة التمييز في بغداد أبطلت بيع جامعة البكر وتحويلها إلى أملاك الوقف الشيعي، إلا أنَّ ذلك لم يمنع من تحويلها إلى جامعة حملت اسم "الإمام جعفر الصادق" ولا تزال الجامعة ضمن أملاك الوقف الشيعي.

في ميزانية العراق لعام 2019 بلغت التخصيصات المالية للوقفين الشيعي والسنّي 813 ملیار دينار، ذهبت 585 مليار دينار للوقف الشيعي، و284 مليار دينار للوقف السنّي، بينما كانت التخصيصات المالية لمحافظة نينوى 143 مليار دينار. وهي كانت ولا تزال "محافظة منكوبة" بقرار البرلمان العراقي، فنسبة الدمار في البنى التحتية لمدينة الموصل بلغت 80 في المئة على أقل تقدير.

في 2019 وافقت رئاسة البرلمان العراقي على استجواب رئيس ديوان الوقف الشيعي لارتكابه "مخالفات مالية وقانونية وإدارية جسيمة"، لكن ضغطاً مارسته بعض الكتل السياسية داخل البرلمان حال دون حدوث استجوابه.

الوقف السُنّي.. إمبراطوريةٌ أخرى للفساد

لا يقل الفساد في ديوان الوقف السُنّي عن نظيره الشيعي، فللسُنَّة أيضاً لصوصهم الواضحون، ولهم طريقتهم في إفراغ خزينة الدولة وهدر أموالها على الولائم والهدايا ووسائل الإعلام من أجل الترويج وتلميع صورة الوقف ورئيسه عبد اللطيف هميم.

مئات الوثائق المسربة من ديوان الوقف السنّي تظهر أرقاماً هائلة لحجم الهدر في ميزانية الوقف على مدى السنوات الماضية. فمثلاً، عام 2016 صرف رئيس الديوان 220 مليون دينار على الهدايا، ومن ضمن تلك الهدايا ساعات رولكس أصلية.

إحدى طرق الفساد في الوقف السنّي هي تخصيص مبالغ كبيرة على ترميم مساجد لا وجود لها. ففي عام 2015، صرف الوقف من ميزانيته مبلغ 14 ملياراً و800 مليون دينار لترميم مساجد وهمية غير مدرجة في سجلات الدولة، وبالطريقة نفسها صرف الوقف مبلغ 500 مليون دينار لترميم بناية مجلس علماء العراق، ليتبين لاحقاً أن المجلس لا يمتلك بناية من الأساس، ولا علم له بصرف ذلك المبلغ.

جامع أم القرى في بغداد واحدٌ من أكثر المواقع التابعة للوقف السنّي استخداماً في سرقة ميزانية الوقف، ففي حين يُصرف مبلغ مقدارهملياران و250 مليون دينار لشراء مواد وترميم الجامع، لا يحدث أيٌّ من ذلك قط، ويعود الوقف ليصرف 600 مليون دينار لشراء وقود المولدات الكهربائية في الجامع، وصرف 750 مليون دينار لشراء مصابيح لجامع أم القرى...

منذ 2015 تعاقد الوقف السنّي مع عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية، والقنوات الفضائية بمبلغ إجمالي قدره 4 مليار دينار، من أجل الترويج لنشاطات الوقف ورئيسه. وإحدى تلك القنوات هي قناة "الحدث" التي يملكها محمد الهميم نجل رئيس الديوان. هذه التعاقدات كانت جانباً آخر من الفساد الذي فضحته الوثائق، ولاسيما وأن الديوان يملك قناة تغطي نشاطاته، فضلاً عن أن هذه التعاقدات مخالفة للقانون وتعليمات الحكومة وتعليمات ديوان الوقف السنّي نفسه.

إحدى طرق الفساد في الوقف السنّي هي تخصيص مبالغ كبيرة لترميم مساجد لا وجود لها. ففي عام 2015، صرف الوقف 14 ملياراً و800 مليون دينار لترميم مساجد وهمية غير مدرجة في سجلات الدولة، وبالطريقة نفسها صرف 500 مليون دينار لترميم بناية "مجلس علماء العراق"، ليتبين أن المجلس لا يمتلك بناية من الأساس، ولا علم له بصرف ذلك المبلغ.

أحد أهم المصادر التي فضحت الفساد الكبير في ديوان الوقف السنّي هو المجمع الفقهي العراقي التابع للوقف نفسه، وكان ذلك عندما اختلس الوقف الأموال المخصصة للمجمع، حيث إن ميزانية هذا الأخير بلغت ملياري دينار، ولم يتسلم منها سوى 900 مليون دينار فقط عام 2015، و400 مليون دينار فقط عام 2016، وهذا ما دفع رئيس المجمع الفقهي عام 2017 إلى اتهام الوقف السنّي بإهدار المال العام، والتأكيد على وجود مئات الوثائق التي تثبت الفساد في الديوان.

عام 2017 أصدرت محكمة الجنح المختصة بقضايا النزاهة والجريمة الاقتصادية وغسيل الأموال حكماً بالسجن لمدة سنة واحدة بحق رئيس ديوان الوقف السنّي، بتهم تتعلق بالفساد وإهدار المال العام، لكن المحكمة أوقفت تنفيذ الحكم لمدة ثلاث سنوات لأن الهميم "رجل كبير في السن وموظف مستمر بالخدمة ولم يسبق الحكم عليه".

"مجهول المالك": الاستيلاء على أموال الدولة

الفاسد وفق قوانين الدولة المدنية ودستورها ليس كذلك بمنظور الفتاوى الدينية التي أباحت المال العام للدولة باعتبار أنها لا تخضع لسلطة "الولي الشرعي" المُنصَّب من قبل النبي أو الإمام أو الفقيه "الجامع للشرائط"، وهو المرجع الديني الأعلى بالنسبة للشيعة.

فتوى مجهول المالك هي الدافع الديني الأخطر لتبرير الفساد المتفشي في العراق، فهي تعتبر الدولة جهة اعتبارية غير قابلة للتملك، ولا يمكن التداول معها بالمعاملات الاقتصادية، والحكومة فيها غير شرعية، وليست لها سلطة على المال العام الذي يكون في هذه الحالة "مجهول المالك"، لا يُعرف صاحبه، وهو بذلك مباح للنهب والأخذ للتداول شريطة أن يدفع المستحوذ عليه قيمة الخمس منه للمراجع العظام.

تندرج تحت هذا التصنيف كل مؤسسات الدولة: مصارف ووزارات وأراضٍ، فالموظف في الدولة غير الشرعية هو شخص يأخذ مرتبه من جهة ليست ذات حق في إعطائه إياه كونها لا تخضع للولي الشرعي، وبذلك فحتى راتب الموظف هو مال مجهول المالك إن وصلتَ إليه قبله جاز أخذه مع دفع الخمس.

إسحاق الفياض، المرجع الشيعي الذي يطمح للحصول على لقب المرجع الأعلى عند الشيعة بعد علي السيستاني، يقول: إنَّ الحكومة إذا كان لها وليٌ شرعي فهي حكومة شرعية، وقائمة على أساس الدين، وبذلك تكون مالكة. وإذا لم يكن لها وليٌّ شرعي، منصَّب من قبل الشارع بنصبٍ خاص في زمن الحضور، أو بنصبٍ عام في زمن الغيبة فهي حكومة غير شرعية، وغير مالكة، ولا تملك الأموال الموجودة عندها في البنوك والمصارف، والعاملون في هذه الحكومة من رئيس جمهورية إلى أدنى موظف ليست لهم ولاية على هذه الحكومة حتى يكون تصرفهم في هذا المال من باب تصرف ولي الأمر.

الفياض ينتقد بشدة القائلين بملكية الدولة، وبالوقت نفسه يعتبرالأموال التي في بنوك الدولة ومصارفها مجهولة المالك ومباحة للاستيلاء عليها، فهو يعتقد أنَّ الدولة إذا كانت تملك فهي تملك هذه الأموال الموجودة في البنوك والمصارف أيضاً باعتبارها قرضاً في ذمّتها، وإذا كانت لا تملك، فهي لا تملك هذه الأموال الموجودة في البنوك والمصارف أيضاً، أما الجمع بين القول بملكيّة الدولة والقول بأنّ ما في مصارفها وبنوكها مجهول المالك فهو جمع بين النقيضين.

الغريب في الأمر أن إسحاق الفياض يعترف بالحكومة التي لا يعترف بها في فتواه. ففي تسجيل مصور يعود إلى عام 2014 (بثَّته قناة العهد التابعة لميليشيا "عصائب أهل الحق") يظهر فيه الفياض ومن حوله أتباعه وطلبته، وهو يدعو إلى حث الشعب على مطالبة الأحزاب بتشكيل الحكومة على أساس صحيح، ويقول إن الحكومة (حكومة حيدر العبادي آنذاك) لا يمكن إصلاحها، وبذلك وقع هو الآخر في النقيضين.

البنوك: أموالها مجهولة المالك

لم يكن الفياض وحده من أفتى بسقوط الدولة وإباحة أموالها وتحليل الاستيلاء عليها، فالمرجع الأعلى لدى الشيعة آية الله علي السيستاني، وفي جميع مؤلفاته يأتي على ذكر جواز أخذ المال من البنوك.

كتبٌ مثل: المستحدثات من المسائل الشرعية (منشورات مؤسسة الإمام علي/ لندن) ومنهاج الصالحين/ الرسالة العلمية) والفقه للمغتربين، وبقية كتب آية الله علي السيستاني تنص إحدى الفتاوى المصرفية على جواز أخذ المال من البنك الذي تموله الحكومة والأهالي غير المسلمين بقصد الاستنقاذ لا الاقتراض.

فتوى "مجهول المالك" تَعتبر الدولة جهة اعتبارية غير قابلة للتملك، ولا يمكن التداول معها بالمعاملات الاقتصادية، والحكومة فيها غير شرعية، وليست لها سلطة على المال العام الذي يكون في هذه الحالة "مجهول المالك"، لا يُعرف صاحبه، وهو بذلك مباح للنهب، والأخذ للتداول شريطة أن يدفع المستحوذ عليه قيمة الخمس منه للمراجع العظام.

على الطريقة ذاتها يُفتي محمد باقر الصدر بجواز أخذ مال البنوك استيلاءً وحيازة لا اقتراضاً، وفي كتابه "السيرة والمسيرة" تنص إحدى فتاواه على أنه إذا كان البنك حكوميّاً فحكم المال حكم مجهول المالك، وإن كان صاحب البنك كافراً جرت على المال أحكام الغنيمة، أمّا تسديد المال إليه والربا الحاصل فمن قبيل الضرائب الإجباريّة.

في كاتبه ذاك تذكر إحدى الوثائق أن أحد مقلديه في دولة الإمارات العربية المتحدة بعث له برسالة يدعوه فيها إلى منحه إجازة في التصرف بالأموال مجهولة المالك، فكان جواب الصدر: "قد أرسلنا إليكم إجازة عامّة قبل شهرين تقريباً، ولكنّ المؤسف أنّها لم تصلكم، وسوف نرسل نصّها مرّة أخرى. تجدون في جوف هذه الرسالة إجازة بالنحو المطلوب".

السرقات الكبيرة

بالإضافة إلى الفساد الإداري وهدر المال العام الذي أسست له تلك الفتاوى، فهي شجعت على السطو المسلح، وسرقة البنوك والمصارف العراقية أو غطتها على الأقل برداء ديني. ومنذ عام 2003 شهد العراق سرقات كبرى للمصارف الحكومية.

عام 2009، وفي منطقة الكرادة شديدة التحصين، والتي تسيطر عليها أحزاب لها مليشياتها المسلحة كمنظمة بدر وحزب الدعوة الإسلامية والمجلس الأعلى، وقعت جريمة سطو مسلح على مصرف الرافدين (الفرع الذي يعرف بمصرف الزوّية) وأدت الجريمة إلى قتل 8 من حراس المصرف وسرقة 7 ملايين دولار أمريكي. وبعد عام واحد فقط، وقعت حادثة سطو أخرى على مصرف الرافدين في مدينة النجف (مقر المرجعية العليا)، وأعلن حينها رئيس اللجنة الأمنية في المحافظة (المحافظ الحالي) أنَّ عصابة متخصصة سرقت المصرف في منطقة المشخاب، جنوب النجف، واستولت على ستة مليارات ونصف المليار دينار عراقي (5,5 ملايين دولار).

الفساد المقدس

في عراق ما بعد 2003، وفي ظل هيمنة الأحزاب الإسلامية على الدولة واستحواذها على مؤسساتها، صار لكل حزب فقيه يُستفتى فيفتي لأتباع الحزب بما يجوز لهم من الإباحة والتصرف بما استحوذوا عليه من أملاك الدولة. لذا كان من السهل أن يحدث الخراب وتتسع خرائطه في كل البلاد.

يعترف بهاء الأعرجي نائب رئيس الوزراء الأسبق بوجود فقيه لكل حزب إسلامي "شيعي" يبيح له أخذ أموال الدولة والتصرف بها على أساس أنها مجهولة المالك، ويقول الأعرجي: إن الأحزاب الإسلامية من السهل جداً عليها تحليل الحرام وتحريم الحلال، ولديها فتوى جاهزة بجواز الاستيلاء على أموال الدولة لغرض التوسع.

هكذا تبنت تلك الأحزاب إفلاس خزينة الدولة. وقد وصلت البلاد إلى مرحلة الانهيار الاقتصادي، والعجز عن تسديد رواتب الموظفين، وكل ذلك بمباركة "دينية" لتلك الأحزاب التي تتقاتل على حصصها في التمثيل الوزاري لأي حكومة، وتنصّب الوزير لكي يستولي على مال الدولة السائب. ولعل الحادثة التي ذكرها القاضي رحيم العكيلي، الذي شغل منصب رئيس هيئة النزاهة سابقاً، مثالاً واضحاً على الانتهاك المستمر للدولة، فهو يروي عن المفتش العام في وزارة المالية قوله أنه حين حقق بملفات فساد في إحدى الوزارات التي لم يسمها، ردَّ عليه الوزير بنفسه قائلاً: "لا تقل لي إنَّ هذا فساد. أنا لدي فتوى من مرجعي يجيز لي أخذ هذا المال، فلا تحدثني عن الفساد، والفساد بمفهومك أنا لا أعترف به".

مقالات من العراق

"ثورة تشرين" في العراق... مرّ عام!

ديمة ياسين 2020-10-08

أمسك بهاتفي طوال الليل والنهار، ألتهم صور ساحات الاحتجاج بعيني، أنظر إلى وجوه الشابات والشبان يعلوها الحماس، وأصواتهم تصدح بالأغاني. تضيء الشاشة وجهي في ظلام غرفتي البعيدة في هذا الشمال...

للكاتب نفسه

العراق لمن؟

ميزر كمال 2020-09-17

الصراع على العراق لم يعد يدور حول النفط بل على الجغرافيا. فلسوء حظه، العراق هو العمود الفقري للطريق بين الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط، ويمتلك "ميناء الفاو الكبير"، الأساسي في...