اغتصاب الأطفال جنحة؟

المغتصَبة طفلة في السادسة، والمغتصِب جار أهلها الأربعيني، والأب تنازل عن دعواه، والمحكمة أطلقت سراح المجرم على أن يحاكَم وهو حرّ، والبلاد كلها استنكرت.. فأعيد إلى السجن.
2020-06-15

خولة الجعيفري

صحافية من المغرب


شارك
فائق حسن - العراق

أثارت قضية اغتصاب طفلة في عامها السادس على يد جارها الأربعيني، احتقاناً كبيراً بدوار إيمي في أكادير، فم الحصن إقليم طاطا (جنوب المغرب)، موطن الواقعة، قبل أن يتحول هذا الملف إلى قضية رأي عام وطني ودولي، بعدما أذيع خبر قرار محكمة الاستئناف متابعة المتورط في حالة سراح، مقابل كفالة مالية، بعد تنازل والد الضحية.

خرق للحجر الصحي تضامناً مع إكرام

وتسبب خبر متابعة المتورط الأربعيني في اغتصاب الطفلة إكرام، وهو في حالة سراح، بخرق عشرات من السكان بمنطقة فم الحصن بإقليم طاطا لإجراءات الحجر الصحي المفروض، فخرجوا في مسيرة احتجاجية تنديداً بهذا القرار "الظالم" الذي أسفر عن متابعة الجاني في حالة سراح في قضية تتعلق باعتداء جنسي على طفلة قاصر، وهو الفعل المجرّم قانونياً وشرعاً، بشعارات من قبيل "فيروس كورونا فتّاك لكن اغتصاب الطفولة أكثر فتكاً منه"، و"حتى لو تنازل الشيطان، يبقى حق الطفولة أسمى"..

وطالب النشطاء وسكان المنطقة الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للقضاء ورئاسة النيابة العامة، بضرورة التدخل وإعادة النظر في الحكم وتصحيح هذا القرار الذي سيؤجج الوضع أكثر، وهو المطلب الذي رفعه أيضاً نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي.

.. ثم الزج بالمغتصِب في السجن

وتحت هاشتاغ " كلنا_إكرام" تداول عدد من نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، وعشرات الحقوقيين والسياسيين والإعلاميين المغاربة، قضية الطفلة سعياً منهم للتعريف بها على نطاق واسع وبكل اللغات، حتى تعدى صداها حدود المغرب، معتبرين القرار "فضيحة"، تستدعي المساءلة القانونية وفتح تحقيق في الموضوع، على اعتبار أنه يسيء إلى القضاء المغربي، ويزعزع الثقة به لدى المواطنين، كما يضع المملكة في وضعية المساءلة بخصوص التطبيق الصارم والمبدئي لالتزامات المغرب الدولية فيما يتعلق بحقوق الإنسان، والاتفاقيات الدولية المرتبطة بحقوق الطفل التي صادق عليها، ويفتح جروحاً أخرى لم تندمل مرتبطة بالموضوع نفسه، لعل أشهرها قضية الإسباني دانيال كالفان الذي اغتصب 11 طفلاً مغربياً تتراوح أعمارهم بين السنتين و15 سنة وحكم عليه بـ 30 سنة حبساً نافذاً سنة 2008، ثم تمكن من الحصول على عفو ملكي سنة 2013 ورحل سراً إلى إسبانيا، ما أثار استياءً في المغرب وتظاهرات في عدة مدن، فقرر الملك محمد السادس إثرها إلغاء العفو.. لكن المغتصب لم يرجع إلى المغرب إلى حدود اليوم.

تعدى صدى قرار ملاحقة المجرم وهو في حالة سراح حدود المغرب، فاعتُبر "فضيحة" تستدعي المساءلة القانونية وفتح تحقيق في الموضوع، على اعتبار أنه يسيء إلى القضاء المغربي، ويزعزع الثقة به لدى المواطنين، كما يضع المملكة في وضعية المساءلة بخصوص التطبيق الصارم والمبدئي لالتزامات المغرب الدولية فيما يتعلق بحقوق الإنسان، والاتفاقيات الدولية المرتبطة بحقوق الطفل التي صادق عليها.

وأمام هذا الاستنكار الواسع لقرار المحكمة، الذي تفاعلت معه منظمات دولية ووطنية، عقدت الغرفة الجنحية جلسة من أجل النظر في الطعن الذي تقدمت به النيابة العامة، ما أسفر عن إعادة مغتصب الطفلة إلى السجن، وإلغاء قرار متابعته في حالة سراح مؤقت تصحيحاً للوضع السابق.

محامي إكرام: والد الطفلة تعرض للضغط

قرار اعتبره محامي الطفلة "عين الصواب"، وأوضح في تصريح لنا أن القرار الأول بالإفراج عن المتهم جاء بعدما استعمل قاضي التحقيق في إطار مبدأ الملاءمة، سلطته التقديرية "وبالتالي تحصّل على السراح المؤقت بموجب كفالة مالية، إلا أن طعن النيابة العامة بموجب اختصاصاتها ألغى تنازل والد الطفلة عن متابعة المتهم، لكون الدعوى العمومية وهي لا تسقط، والنيابة العامة تحفظ الحق العام".

مقالات ذات صلة

وردّاً على سؤال بخصوص مدى صحة تنازل الأب عن قضية ابنته مقابل مبلغ مالي، يقول المحامي وهو منتدب من طرف "منتدى إفوس للديمقراطية وحقوق الإنسان" للدفاع عن إكرام: "هذا غير صحيح ومجرد ادعاءات وإشاعات. الأب تعرض لضغط وإكراه وقتها، ما دفعه إلى التنازل عن حق ابنته الصغيرة"، مضيفاً: " اليوم تراجع أب الضحية عن تنازله، وغيّر أيضا محل سكنه إلى مكان آخر حماية لفلذة كبده، ويعي جيداً أنه لا يجب أن يفلت الجاني من القضاء".

إعادة النظر في الترسانة القانونية

فتحت قضية اغتصاب إكرام مجدداً النقاش حول النظام العقابي المغربي، ودور القضاء في حماية ضحايا الانتهاكات الجسدية والنفسية وخصوصاً في صفوف القاصرين، وضرورة إعادة النظر في القانون الجنائي المغربي، بالأخص بعد توالي الأحكام المتساهلة مع المتورطين في هذه الجرائم الشنعاء.

وثمّنت نائبة رئيس منتدى إفوس للديمقراطية وحقوق الإنسان الذي تبنّى القضية، قرار محكمة الاستئناف بأكادير القاضي بمتابعة الجاني في حالة اعتقال، مشيرة إلى أن "حوادث الاغتصاب وهتك عرض القاصرين ببلدنا، والتي تأتي متفرقة ومتتالية، تساهم في تجديد النقاش العمومي حول مدى حماية القانون الجنائي المغربي لحقوق ضحايا الاغتصاب".

وشددت على أن قضية إكرام" ليست استثناءً، وليس همنا هو إنصافها فقط، بل يجب إعادة النظر في الترسانة القانونية ككل لحماية ضحايا آخرين من الاستغلال الجسدي والمعنوي، وأيضاً مستغلي الفراغات القانونية ما يترك مجالاً للعابثين في أجساد الأطفال في الاستمرار بجرمهم، وأن لا ينالوا عقوبات قاسية كما يفترض أن يستوجب ذلك القانون والاتفاقيات الدولية بهذا الخصوص". وأوردت أن المطلوب اليوم هو "ضغط المجتمع المدني لإخراج القانون المتعلق بما هو جنائي إلى الوجود لتوفير الحماية القانونية للضحايا، بحيث لا يزال المجتمع يعتبر التبليغ عن الاغتصاب هو من "التابوهات". وهو ما يستوجب أيضاً تحفيز الجانب المرتبط بمراكز الاستماع لتحقق الدعم النفسي والقانوني لتمكين الضحية من البوح والتبليغ، وتمكين الأهل من التغلب على حاجز الخوف". ونبهت المتحدثة إلى أن ولوج الطفلة أو الطفل أو القاصر ضحية الاغتصاب إلى القضاء يستوجب "توفر إطار قانوني ينصفه ويأخذ حقه. أما عندما نرى أحكاماً مخففة فأكيد بهذه الطريقة نكرس لنوع من التصالح مع الاغتصاب، وتقبّل البيدوفيليا واعتبارها مجرد جرائم عادية".

العمل بقانون جنائي قديم، وإقبار القانون الجديد في البرلمان

وينص القانون الجنائي على معاقبة المغتصب بالسجن من 5 إلى 10 سنوات، وتشدد العقوبة لتصل إلى 20 سنة في حالة افتضاض الضحية، أما إذا كانت الضحية قاصراً، فيعاقب الجاني بالسجن من 10 إلى 20 سنة. وتشدد العقوبة في حالة الافتضاض لتصل إلى السجن 30 سنة.

ويميز القانون الجنائي المغربي في عقوبة هتك عرض القاصر الذي يقل عمره عن 18 سنة أو العاجز أو المعاق أو الشخص المعروف بضعف قواه، بين الحالة التي يرتكب فيها هذا الفعل بواسطة العنف، حيث تصل العقوبة الأقصى إلى عشرين سنة وتُكيّف على أنها جناية، وبين الحالة التي تكون بدون عنف حيث تحدد العقوبة ما بين سنتين وخمس سنوات وتُكيّف على أنها جنحة.

"ولوج الطفلة أو الطفل أو القاصر ضحية الاغتصاب إلى القضاء يستوجب توفر إطار قانوني ينصفه ويأخد حقه. أما عندما نرى أحكاماً مخففة، فبالتأكيد نكرس لنوع من التصالح مع الاغتصاب، وتقبّل البيدوفيليا واعتبارها مجرد جرائم عادية".

يسجّل على الحكومة المغربية تساهلها في القضايا المرتبطة باستغلال الأطفال من أجل "الدعارة"، على الرغم من علمها بارتباط سمعة بعض المدن في المملكة بدعارة القاصرين، وهي تعرف وفوداً من الأجانب "البيدوفيليين".

وفي هذا السياق، استنكرت النائبة البرلمانية آمنة ماء العينين، ما أسمته "جريمة عرقلة إخراج القانون الجنائي إلى حيز الوجود". والمقصود هو مشروع القانون 16.10 المتعلق بتغيير مجموعة القانون الجنائي الذي أحيل على مجلس النواب في في 24 حزيران/ يونيو 2016، لملاءمة مقتضياته مع دستور 2011 عوض القانون المعمول به حالياً والذي يعود لسنة 1962، لكن تم "إقباره" إلى أجل غير مسمى، على الرغم من كونه يضم عقوبات صارمة ومشددة في التعامل مع مغتصبي الأطفال. وزادت النائبة البرلمانية وعضو لجنة العدل والتشريع أن هذا النقاش بتفاصيله "من حيث إعادة تعريف الجرائم وتوصيفها وتصنيفها في الجنايات والقطع مع اعتبار بعضها مجرد جنح، والأخذ بعين الاعتبار تعرض الذكور كما الإناث للاغتصاب والاعتداء، ومراجعة سلم العقوبات في اتجاه التشدد للردع، وهو نقاش شهدته لجنة العدل والتشريع أثناء مناقشة مشروع القانون الجنائي، كما عقدنا بخصوصه جلسات عمل مفيدة مع جمعيات المجتمع المدني ومديرية الشؤون الجنائية والعفو". وتضيف: لكن مصالح ضيقة ومواقف جبانة تمنع خروجه وتعرقله على امتداد ولايتين برلمانيتين، حيث تَحُول "بلقنة" المشهد البرلماني، وهشاشة تحالف الأغلبية، وغموض موقع وأدوار المعارضة، دون خروجه بضغط من لوبيات تتخوف من مادتين في قانون"الإثراء غير المشروع"، فتسعى إلى إقباره كلية.

ارتفاع عدد جرائم اغتصاب الأطفال

يسجل المغرب ارتفاعاً في مستوى وتيرة اغتصاب الأطفال خلال السنوات الأخيرة بنسبة 50 في المئة، 70 في المئة منهم تعرضوا للاغتصاب من قبل أقاربهم، وهذا على الرغم من التعديلات التي أدخلتها وزارة العدل والحريات على الفصول المتعلقة بحماية الأطفال ضحايا الاغتصاب في القانون الجنائي المعمول به، فيما تُظهر الأرقام غير الرسمية واقعاً خطيراً عن ظاهرة اغتصاب الأطفال في المغرب. فنحو 38 في المئة من حالات العنف الممارس ضد الأطفال هي حالات عنف جنسي ونفسي، كما تظهر التقارير الحقوقية أن الذكور هم أكثر عرضة للاعتداء الجنسي من الإناث، وأن حالات الاعتداء الجنسي تتوزع حسب طبيعة العلاقة بالمعتدي، حيث يحتل الأقارب والجيران صدارة لائحة المعتدين، يليهم المعتدون الغرباء والأجانب، ثم الآباء وأطر المؤسسات التعليمية والخيرية والاجتماعية.

مقالات ذات صلة

وفي السنوات الأخيرة سجل المغرب حالات متفرقة لعشرات القاصرين الذين تعرضوا للاغتصاب أو هتك العرض، من بينها تعرض أربع طفلات تتراوح أعمارهن بين 10 و13 عاماً لاعتداء جنسي داخل مشغل للخياطة بمدينة فاس سنة 2018، على يد رجل فرنسي في الثامنة والخمسين من العمر، وحادثة محاولة اغتصاب فتاة داخل حافلة للنقل العمومي في الدار البيضاء، ففي آب/ أغسطس 2017 انتشر مقطع فيديو يظهر مجموع من الشباب المراهقين يحاولون نزع ملابس فتاة مراهقة من ذوي الاحتياجات الخاصة ولمسها، بينما هي تصرخ وتبكي. وهناك واقعة اغتصاب طفل معاق بجامع في مدينة تارودانت في السنة نفسها...وغيرها من القضايا التي خرجت إلى العلن، فيما الأحكام التي تقضي بها المحكمة وفق القانون الجنائي المعمول به تبقى "مخففة" ولا تتجاوز 20 سنة كأبعد تقدير، مع حق الاستفادة من ظروف التخفيف، وذلك وفقاً للقانون الجنائي المعمول به حالياً.

هناك قانون جديد، لكن "مصالح ضيقة ومواقف جبانة تمنع خروجه وتعرقله على امتداد ولايتين برلمانيتين، حيث تَحُول "بلقنة" المشهد البرلماني، وهشاشة تحالف الأغلبية، وغموض موقع وأدوار المعارضة، دون خروجه بضغط من لوبيات تتخوف من مادتين في قانون"الإثراء غير المشروع"، فتسعى إلى إقباره كلية".

تُظهر التقارير الحقوقية أن هناك ارتفاعاً بنسبة 50 في المئة في هذه الجرائم خلال السنوات القليلة الماضية، وأن الذكور هم أكثر عرضة للاعتداء الجنسي من الإناث، وأن حالات الاعتداء الجنسي تتوزع حسب طبيعة العلاقة بالمعتدي، حيث يحتل الأقارب والجيران صدارة لائحة المعتدين، يليهم المعتدون الغرباء والأجانب، ثم الآباء وأطر المؤسسات التعليمية والخيرية والاجتماعية.

ويوجه الحقوقيون والنشطاء المغاربة أصابع الاتهام إلى الحكومة في التسامح مع المتورطين الأجانب عن طريق تخفيف الأحكام الصادرة بحقهم أو تمكينهم من الفرار من المغرب دون معاقبتهم، "ما يشجعهم وغيرهم على القدوم إلى المغرب، لأنهم يعلمون مسبقًا أنهم يستطيعون الإفلات من العقاب على الأرجح".

بياضات في القانون

وعلى الرغم من إلغاء الفصل 475 من القانون الجنائي الذي كان يبيح تزويج القاصر من مغتصبها، إلا أنه لا يزال القانون المغربي وأحكامه التي تصدر في حق مرتكبيها موضع انتقاد، ويعتبرها الحقوقيون مخففة، وفيما يقوم الجاني باغتصاب طفل أو طفلة ويخرج بعدها من السجن، غالباً ما يعود إلى اقتراف جريمة مماثلة. كما يرجع الحقوقيون المغاربة سبب تساهل القضاء مع اغتصاب الأطفال من طرف البيدوفيليين الأجانب إلى "هيمنة الدول الأجنبية على المغرب، وعدم استقلالية القضاء". وبخصوص المغتصبين المحليين يرجعون ذلك إلى "ضعف الترسانة القانونية وغياب الوعي، وتفشي الأمراض النفسية في المجتمع".

من جهة أخرى، يسجّل على الحكومة المغربية تساهلها في القضايا المرتبطة باستغلال الأطفال من أجل "الدعارة"، على الرغم من علمها بارتباط سمعة بعض المدن في المملكة بدعارة القاصرين، وتعرف وفوداً من الأجانب "البيدوفيليين"، ما يعتبره الحقوقيون المغاربة "وصمة عار لم تتفاعل معها الحكومة بعد للقطع مع الظاهرة من جذورها". ويبدأ الأمر بحسب الحقوقيين من القانون الجنائي المغربي، الذي لا يسمي الظواهر المتعلقة بالاعتداءات الجنسية على الأطفال بمسمياتها، فهو لا يتحدث عن السياحة الجنسية، وعن دعارة القاصرين بين دفتيه، لذلك ينص في الفصل 475 على أن "من اختطف أو غرر بقاصر يقل سنّه عن 18 سنة بدون استعمال عنف ولا تهديد ولا تدليس، أو حاول ذلك، يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من 200 إلى 500 درهم"، وذلك بالرغم من كون المغرب، وهو طرف في اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989 وبروتوكلاتها الاختيارية، وملزم بالحفاظ على حقوق القاصرين وحمايتهم.

مقالات من المغرب