الانهيار المالي في لبنان يخنق حركة أموال البنوك اليمنية

أطلق لبنانيون يتظاهرون أمام بنك لبنان المركزي في كانون الثاني/ يناير من هذا العام، شعارات منددة ضد وفد من المصرفيين إثر مغادرته البنك. لم يكن مشهداً مفاجئاً على الإطلاق، إذ شهد لبنان موجة من الاحتجاجات استهدفت النخبة السياسية والمالية منذ تشرين الأول/ اكتوبر 2019، ولكن الملفت هنا أن الوفد لم يكن لبنانياً بل يمني -وهذا ما لم يعرفه المتظاهرون -حضر إلى بيروت للاستفسار عن مصير الودائع العالقة في المصارف اللبنانية والمقدرة بمئات الملايين من الدولارات.
2020-05-18

شارك
| en

برز لبنان كمركز حيوي لتمويل الواردات إلى اليمن الممزق بالحرب خلال السنوات الماضية، ولكن لبنان يمر حالياً بانهيار مالي بطيء، ما يضع الاقتصاد اليمني، الذي يعاني أصلاً من ضائقة شديدة، تحت المزيد من الضغط. وبوقت طويل قبل ظهور دبي على المشهد، كان لبنان معروفاً بأنه مركز مصرفي في المنطقة ولطالما فتحت الشركات اليمنية حساباتها في البنوك اللبنانية لإيداع وتحويل الأموال. وعلى الرغم من أن القطاع المصرفي في لبنان لم يعد بنفس القدر من النشاط الذي اتصف به في خمسينيات القرن الماضي حين كان ملاذاً لأموال النفط الخليجية، إلا أنه حتى وقت قريب ظل وجهة جذابة للأموال الإقليمية. قدم لبنان، حيث الاقتصاد قائم على الدولار، أسعار فائدة مرتفعة واتسم بسمعة جيدة على مستوى الاستقرار المالي إذ أن البنوك ازدهرت حتى خلال الحرب الأهلية -استمرت 15 عامًا وانتهت عام 1990 -وخلال الجمود السياسي المزمن والمستمر منذ عام 2005.

تزايدت أهمية لبنان كمركز مالي للشركات والبنوك اليمنية عام 2015 بعد أن رفعت مجموعة العمل المالي (FATF) -وهي هيئة حكومية دولية مكلفة بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب –تصنيف المخاطر في اليمن إلى “مرتفع”[1]. وحتى قبل ذلك، كان العمل مع البنوك والشركات اليمنية يُعد أمر محفوف بالمخاطر بعد الإجراءات التي فُرضت عليهم خلال السنوات التي تلت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2011 الإرهابية على نيويورك وواشنطن. أغلقت العديد من البنوك في أوروبا الغربية وكندا حسابات المراسلة للبنوك اليمنية وأنهت علاقاتها مع شركات يمنية رئيسية بعد رفع مجموعة العمل المالي تصنيف مستوى المخاطر. وفي حين سعت البنوك في جميع أنحاء العالم إلى تجنب أي مخاطر مالية مرتبطة باليمن، ظلت البنوك اللبنانية -وأبرزها بنك بيروت -مستعدة للعمل كوسيط وتمويل التجارة الدولية إلى اليمن، وذلك بالطبع مقابل عمولة كبيرة.

تملك العديد من البنوك اليمنية حسابات مراسلة في البنوك اللبنانية منذ قبل الحرب، وازداد عدد هذه الحسابات طوال فترة الصراع. تعمل البنوك اللبنانية باستخدام حسابات بالدولار الأمريكي؛ ما شكل عامل جذب للبنوك والعملاء اليمنيين -تحديداً التجار ورجال الأعمال -حيث لم يكن عليهم دفع رسوم إضافية مقابل تحويل وصرف العملات عند الدفع أو تحويل العملات الأجنبية (يتعامل المستوردون اليمنيون وغيرهم من مقدمي الخدمات التجارية الأساسية مثل وكلاء الشحن والوسطاء بالدولار بشكل عام). بالتالي كانت هناك هجرة واسعة النطاق للبنوك اليمنية ورؤوس الأموال التجارية، وبشكل رئيسي للدولار الأمريكي والريال السعودي، إلى البنوك اللبنانية. فحتى أكتوبر/تشرين الأول 2019، بلغت قيمة النقد الأجنبي التي أودعتها البنوك اليمنية في لبنان ما يعادل 240 مليون دولار أمريكي، وهو ما يمثل حوالي 20% من إجمالي ودائع النقد الأجنبي خارج اليمن آنذاك [2].

غياب المال يؤدي إلى ازدياد المشاكل

أصبح تعرض البنوك اليمنية التي لديها حسابات في البنوك اللبنانية لمخاطر واضحًا في أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2019 عندما كشفت الاحتجاجات الشعبية ضد الوضع الاقتصادي المتدهور في لبنان هشاشة القطاع المالي في البلاد. جاء هذا الانهيار نتيجة عدد من العوامل؛ تشمل عجز دائم في ميزان المدفوعات، ومستويات عالية من الاقتراض الحكومي الناتج عن سوء الإدارة والفساد المستشري بشكل عام، وسنوات من انخفاض تدفقات النقد الأجنبي، وتبني آلية “هندسة مالية” مبهمة منذ عام 2015 يقدم بموجبها البنك المركزي اللبناني أسعار فائدة عالية جداً للبنوك المحلية لإيداعها المزيد من الدولارات لديه.

وفي نهاية المطاف، لم تعد البنوك قادرة على الوفاء بمسؤوليتها تجاه المودعين الذين تبلغ قيمة ودائعهم 170 مليار دولار من المفترض أن تكون موجودة لدى هذه البنوك [3]. لم تعد الأرقام في الحسابات المصرفية تتوافق مع الواقع، وهو عامل أدى إلى وصف النظام المصرفي اللبناني بأكمله بأنه هرمبونزي [4]. وبالتالي كان لبنان دولة مفلسة بكل معنى الكلمة. وفي ظل هذه الأزمة السياسية والمصرفية وأزمة الديون والعملة، فرضت البنوك اللبنانية قيود ضعيفة على رأس المال في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، ما حدّ بشدة من عمليات سحب الودائع وحظر التحويلات إلى الخارج. وفي مارس/آذار 2020، تخلّف لبنان عن سداد ديونه السيادية لأول مرة في تاريخه[5]. وفي هذه الأثناء، فقدت العملة المحلية أكثر من 50% من قيمتها في سوق الصرف الموازي [6]. وجدت البنوك اليمنية نفسها غير قادرة على سحب أو تحويل أموالها، كحال المواطنين اللبنانيين أنفسهم.

أدى عجز البنوك اليمنية على التصرف بأموالها من النقد الأجنبي في لبنان؛ إلى تقليص دورها الأساسي في تسهيل استيراد السلع الأساسية لليمن، وهو تطور خطير إذ تعتمد البلاد التي تعاني من وضع إنساني متردي، على الواردات. أسفر ذلك عن فقدان الثقة في البنوك والتجار اليمنيين الذين تم تجميد أموالهم فجأة وكان له تداعيات فورية على الشحنات التي كانت قيد الاستيراد وألقت بظلال من الشك على الصفقات التجارية المستقبلية. احتجز المصدرون الصادرات المخطط إرسالها إلى اليمن حتى يقوم المستوردون بالإيفاء بديونهم غير المسددة. وقال مسؤول مصرفي يمني كبير لمركز صنعاء شريطة عدم الكشف عن هويته عن أن ما يقرب من 30 رجل أعمال يمني قوبل طلبهم لتسهيل المدفوعات عن طريق التحويلات المالية بالرفض من البنوك اللبنانية. انعكس هذا سلباً على إتمام الصفقات التجارية التي تم الاتفاق عليها سابقاً أو التي كان سيُتفق عليها.

الثقة لا تقدر بثمن، فهي أساسية في عمل المؤسسات والمعاملات المالية، وفي غيابها، تظهر المشاكل بسرعة وتنتشر بسرعة أكبر في حالة الاقتصاد اليمني. ترتبط قيمة الريال اليمني ارتباطًا وثيقًا بقدرة النظام المصرفي الرسمي على توفير النقد الأجنبي لتلبية طلب المستوردين. وبالتالي تجميد أي مبلغ من النقد الأجنبي فجأة أمر خطير قد يكون له عواقب فورية إذ من الممكن أن يؤدي إلى انخفاض قيمة الريال في أسواق الصرف المحلية وانخفاض القوة الشرائية للمواطنين.

قد يقول النقاد أن البنوك اليمنية وعملائها “كانوا على علم بمخاطر” إيداع النقد الأجنبي في لبنان الذي يقدم نظامه المصرفي أسعار فائدة مرتفعة جداً مقارنة بالمتوسط العالمي، ولكن هذا الرأي يتجاهل حقيقة أن البنوك اليمنية ورجال الأعمال اليمنيين يعملون في ظل قيود مالية شديدة، وهو ما جعل البنوك اللبنانية بمثابة شريان حياة حيوي يضمن استمرار تواصلهم مع الشبكات المصرفية الإقليمية والدولية الرسمية.

أجرى وفد المسؤولين المصرفيين اليمنيين الذي زار لبنان في بداية عام 2020 مفاوضات شبه يومية مع مسؤولي بنك بيروت في محاولة لإيجاد حل للمأزق الحالي. وخلال فترة وجوده في بيروت، عرض الوفد قضيته على محافظ البنك المركزي اللبناني رياض سلامة. كانت المحادثات ودية ولكن لم يكن هناك أي مؤشرات قوية توحي أنه سيتم في أي وقت قريب. وفي الأسبوع الثالث من فبراير/شباط، غادر الوفد خالي الوفاض. قدم محلل اقتصادي لبناني تقييماً قاتماً للمأزق الذي يواجه البنوك اليمنية ورجال الأعمال اليمنيين ولفرصهم في كسر الجمود إذ قال لمركز صنعاء إن المال قد لا يمكن الحصول عليه أبداً، على الأقل ليس من دون اقتطاع جزء كبير منه، ما يعني انخفاضًا في القيمة الإجمالية للودائع.

معركة اليمن للحفاظ على الواردات خلال الحرب

بعض البنوك اليمنية تأثرت أكثر من غيرها بسبب التطورات في لبنان التي تمثل عقبة أخرى أمام النظام المصرفي اليمني والمستوردين والبلد ككل. غالبية اليمنيين لا يستخدمون النظام المصرفي الرسمي، فالعملاء الرئيسيون هم من التجار ورجال الأعمال وخاصة المستوردين. وفي بلد يستورد ما يصل إلى 90% من السلع الغذائية الأساسية، يعاني الجميع من التأخيرات في الشحن وارتفاع الأسعار.

اضطرت البنوك اليمنية خلال الصراع إلى إيجاد طرق بديلة لتأمين ما يكفي من النقد الأجنبي لتلبية طلب المستوردين. واجه البنك المركزي اليمني ضغوطات كبيرة لتسهيل استيراد السلع الأساسية بعد تعليق صادرات النفط والغاز عام 2015، المصدر الرئيسي للنقد الأجنبي في البلاد. لم يكن أمام البنك المركزي خيارات فاضطر إلى الإنفاق من احتياطيات النقد الأجنبي للحفاظ على نظام خطابات الاعتماد الذي تم تقليص نطاقه فيما بعد لتغطية واردات غذائية معينة (بعد إلغاء تغطية الوقود والسكر). كما حد البنك المركزي أيضًا من قدرة أصحاب حسابات النقد الأجنبي على سحب الأموال ومن قدرة البنوك اليمنية على بيع العملات الأجنبية إلى مستوردي الوقود. وعلى الرغم من بذل محمد بن همام، محافظ البنك المركزي آنذاك، وموظفو البنك المركزي أقصى جهودهم، أصبح نظام خطاب الاعتماد غير مستداماً بشكل متزايد مع تضاؤل احتياطيات النقد الأجنبي – من 4.7 مليار دولار في ديسمبر/كانون الأول 2014 إلى أقل من مليار دولار في سبتمبر/أيلول 2016.

وفي الوقت الذي عانى فيه البنك المركزي من أجل الحفاظ على قيمة الريال اليمني وتأمين النقد الأجنبي، اكتسبت التحويلات أهمية إضافية على مستوى تسهيل الواردات. بدأ عدد من المستوردين اليمنيين في الاستفادة من الشبكات المالية غير الرسمية، بما في ذلك شبكات التحويل الواسعة التي تربط المواطنين اليمنيين في دول المنطقة، وتحديداً في السعودية، بالمستفيدين في اليمن. تمر تدفقات الحوالات المالية إلى اليمن عبر شركات الصرافة وشبكات الحوالة غير الرسمية بمعدل أعلى من النظام المصرفي الرسمي أو شركات تحويل الأموال الدولية مثل ويسترن يونيون. وتتيح شبكات التحويل غير الرسمية للمستوردين اليمنيين الوصول إلى النقد الأجنبي وإرسال المدفوعات للمصدرين ووكلاء الشحن.

في نهاية المطاف كان على السعودية، التي تقود التحالف العسكري في اليمن والداعم الرئيسي للحكومة اليمنية، التدخل لدعم النظام المصرفي اليمني ودعم قيمة الريال اليمني، في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، نفذ البنك المركزي في العاصمة المؤقتة عدن نظامًا معدلاً لخطابات الاعتماد المضمونة بمبلغ ملياري دولار قدمتها السعودية في مارس/آذار 2018 لتسهيل استيراد خمس سلع غذائية أساسية -الأرز والسكر والقمح والحليب وزيت الطهي. كما قدمت السعودية مبلغ 200 مليون دولار نقداً في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 لمساعدة الحكومة على استقرار قيمة الريال اليمني الذي انخفضت قيمته بشكل غير مسبوق من 215 ريال يمني مقابل الدولار الأمريكي في يناير/كانون الثاني 2015 إلى 800 ريال يمني لكل دولار أمريكي في أكتوبر/تشرين الأول عام 2018. قدمت الرياض أيضًا مشتقات نفطية بقيمة 180 مليون دولار (ديزل ومازوت) لتوليد الطاقة الكهربائية في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة خلال الفترة الممتدة من أكتوبر/تشرين الأول 2018 إلى مارس/آذار 2019.

وحتى تاريخ كتابة هذا التقرير، قدّر مركز صنعاء أنه لم يتبقَ سوى أقل من 200 مليون دولار من الوديعة السعودية. ومع اقتراب نفاد الوديعة، لا يمكن الافتراض أن الرياض ستقدم نفس الدعم المالي الذي قدمته خلال السنوات الأخيرة، وذلك لعدة أسباب مثل انخفاض أسعار النفط العالمية والتداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا [7]. ونتيجة لذلك تتضاعف أهمية الأموال المجمدة في لبنان وخطورة فقدان الثقة في البنوك والمستوردين اليمنيين.

يؤثر عجز البنوك اليمنية على التصرف بالنقد الأجنبي المودع في لبنان على قدرتها على تسهيل شراء السلع الأساسية التي تساهم بشكل مباشر في التخفيف من الوضع الإنساني السيء والمجاعة في البلاد. هذه فضيحة يجب أن تحصل على اهتمام الدول والمؤسسات المانحة التي قدمت حوالي 3.6 مليار دولار لخطة الاستجابة الإنسانية في اليمن عام 2019. المخاطر مرتفعة للغاية إذ يحتاج 24 مليون يمني (80% من السكان) إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية. وحتى مع استمرار تأمين الواردات، فإن الأسعار قد ترتفع للمستهلكين نتيجة تأثر سلسلة التوريد بسبب حاجة المستوردين إلى الحصول على العملات الأجنبية عبر الشبكات المالية غير الرسمية بسعر صرف أعلى من البنوك.

تشكل أي مدفوعات فائتة ومتأخرة للواردات نتيجة الأزمة المصرفية اللبنانية -ولا سيما مشاكل السيولة لدى بنك بيروت وعدم رغبته في الإفراج عن الأموال -تهديدًا طويل الأمد لسمعة المصارف والشركات اليمنية على المستوى الدولي. وقد أعرب مصرفيون وتجار يمنيون عن قلقهم بشأن فقدان الثقة في قدرة البنوك والشركات اليمنية على الوفاء بشروط الاتفاقيات لأسباب خارجة عن إرادتهم. تجلى هذا بالفعل في إحجام المُصدّرين ومقدمي الخدمات الرئيسيين الآخرين، مثل وكالات الشحن، عن قبول المدفوعات التي تتم عن طريق خطابات الاعتماد، وإصرارهم على أن تُدفع الأموال المستحقة قبل موافقتهم على أي صفقات تجارية مستقبلية وعلى سداد المبالغ المدفوعة سلفاً بالكامل لإتمام أي معاملات تجارية مستقبلية.

في أسوأ السيناريوهات، وإن كان غير محتمل، قد ترفض الجهات الفاعلة الدولية إجراء معاملات مصرفية مستقبلية مع الكيانات اليمنية، مما سيضيف المزيد من الأعباء على الاقتصاد اليمني الذي يعاني أصلاً ويكلّف أكثر بكثير من حجم الودائع اليمنية من العملة الأجنبية في البنوك اللبنانية والمقدرة بـ 240 مليون دولار.

التفاوض أو التقاضي

على البنوك اليمنية إعطاء الأولوية الفورية لاستكشاف سبل الإفراج عن الودائع في البنوك اللبنانية. لن تكون هذه المهمة سهلة نظراً لفشل المحادثات بين مسؤولي البنوك اليمنيين ونظرائهم اللبنانيين في وقت سابق من هذا العام. كما أنه من المحتمل أن يكون الرأي العام في لبنان ضد تقديم أي تنازلات للمودعين الأجانب في الوقت الذي لا يستطيع فيه المواطنون اللبنانيون الوصول إلى مدخراتهم وينحدرون أكثر نحو الفقر. ولكن في نفس الوقت ليس من المنطقي أن يعاني المواطنون اليمنيون بسبب سنوات من سوء الإدارة والفساد في لبنان. وبالتالي، يبدو أنه هناك ثلاثة خيارات محتملة أمام البنوك اليمنية: التفاوض أو الإقناع أو التقاضي.

كخطوة أولى، وقبل اتخاذ أي إجراءات تصعيدية، يجب القيام بمحاولة أخرى لعقد مفاوضات بشكل مباشر بين الأطراف اليمنية من جهة والمصارف اللبنانية المعنية والبنك المركزي اللبناني من جهة أخرى، على أمل استكشاف حلول وسط من شأنها أن تفرج ولو عن جزء من الأموال المجمدة. ومع أن هذا يبدو غير عادل للجانب اليمني، فإن القدرة على الحصول على “شيء” بدلاً من “لا شيء” تعكس واقع لبنان القاتم حالياً. لبنان في خضم ركود عميق [8] حيث لجأ فيه بعض المودعين إلى سحب أموالهم العالقة في حسابات الدولار بالليرة اللبنانية بسعر الصرف الثابت وتحويلها إلى دولارات في السوق الموازية بأقل من 50% من “القيمة الرسمية”.

وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق، فمن المرجح أن الضغط الدولي سيتمكن من التأثير على بنك بيروت والبنك المركزي اللبناني والحكومة اللبنانية لتحقيق انفراجة في الأزمة. يشمل الحلفاء المحتملين للجانب اليمني البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والأمم المتحدة. وما قد يساعد هنا هو طلب الحكومة اللبنانية في 1 مايو/ايار رسمياً مليارات الدولارات من صندوق النقد الدولي كجزء من حزمة إنقاذ للبلاد [9]. وبالتالي من الممكن ربط تقديم تنازلات متعلقة بالأموال اليمنية بأي صفقة مع صندوق النقد الدولي. ويمكن للدول الرئيسية المانحة لليمن أن تبذل جهوداً عبر قنواتها الدبلوماسية والتحدث مع السلطات اللبنانية للدفاع عن قضية البنوك اليمنية. كل هذه الجهات الفاعلة لها مصلحة في تحقيق نتيجة تمكّن اليمنيين من استخدام أموالهم الخاصة لاستيراد المواد الغذائية والسلع الأساسية وتعزيز استخدام النظام المالي الرسمي في اليمن. كما أن من شأن أي سيناريو يشمل إتمام المزيد من التجارة عبر الشبكات غير الرسمية -بدلاً من النظام المصرفي الرسمي -من أجل الوصول إلى النقد الأجنبي اللازم لإتمام الصفقات أن يزيد من مخاطر غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، وهما مبدآن أثرا على القرار برفع تصنيف المخاطر في اليمن وبالتالي إلى هجرة الودائع اليمنية إلى النظام المصرفي اللبناني.

بعد استنفاد جميع السبل الأخرى، يمكن للبنوك اليمنية أن تقرر اتخاذ إجراءات قانونية في محاولة للحصول على ودائعها. وهناك سابقة لمثل هذا النهج، فقد رفعت شركة “آي إم إم إس” لتجارة النفط (IMMS) دعوى قضائية في محكمة بنيويورك في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 ضد بنك البحر المتوسط للحصول على أكثر من مليار دولار من الودائع المجمدة، وتوصل الجانبان إلى تسوية في أبريل/نيسان لم يتم الكشف عن تفاصيلها [10][11]. تخضع البنوك اللبنانية للقانون الأمريكي لأنها تستخدم البنوك الأمريكية الكبرى لتسهيل معاملاتها بالدولار. وحتى لو قررت البنوك اليمنية سلك هذا الطريق، فإن التكاليف المرتفعة للتقاضي وعدم اليقين بشأن مقدار المال الذي قد تكسبه بعد عملية قانونية طويلة -إن كسبته -يجعل اتباع نهج أقل مواجهة لحل الأمر محبذاً أكثر.

والآن وبعد أن لبنان لم يعد خياراً، يجب على البنوك اليمنية استكشاف وجهات بديلة للحسابات المراسلة. تشمل البدائل المحتملة الإمارات وتركيا، ما قد يستلزم دفع رسوم تحويل العملات (سواء من الدرهم الإماراتي أو الليرة التركية إلى الدولار الأمريكي أو العكس) لكل معاملة. وللأسف لا مفر من هذه التكلفة المتزايدة لإتمام الأعمال التجارية والتي سيتحمل عبئها المستهلكون اليمنيون وتؤدي في نهاية المطاف إلى انخفاض متزايد في القدرة الشرائية وتفاقم انعدام الأمن الغذائي.

*نشر هذا التقرير على موقع "مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية" في 16 أيار/مايو 2020. وهو من اعداد ريان بايلي، المحرر والباحث في مركز صنعاء، وأنثوني بيسويل المحلل الاقتصادي في مركز صنعاء.

______________

[1] “السلطات القضائية الخاصة بالمخاطر الكبيرة وغيرها”،مجموعة العمل المالي.
[2]معلومات حصل عليها مركز صنعاء في نوفمبر/تشرين الثاني 2019.
[3]جاكوب بوسول، “ما القادم في الاقتصاد اللبناني المتأثر بالأزمة؟”، العربية، 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2019.
[4]دان قزي، “ما الذي يجب عمله”، النهار، 28 أكتوبر/تشرين الأول 2019.
[5] “لبنان يتخلف عن سداد الديون لأول مرة وسط الأزمة المالية”، وكالة الأنباء الفرنسية، 7 مارس/آذار 2019.
[6]يمكن الاطلاع على تفاصيل التقلبات اليومية في سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأمريكي منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2019 هنا:lebaneselira.org
[7]أنثوني بيسويل، “لماذا تبقى العوامل الاقتصادية في قلب الصراع اليمني”، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 6 أبريل/نيسان 2020.
[8]تيمور أزهري، “أسوأ من الحرب: الجوع يتنامى مع الغضب في لبنان”، الجزيرة، 19 أبريل/نيسان 2020.
[9]إريك كنيكت وتوم أرنولد، “بنوك لبنان ترفض خطة إنقاذ مع طلب الحكومة مساعدة صندوق النقد”، رويترز، 1 مايو/أيار 2020.
[10]ديمتري جدانيكوف وإريك كنيكت، “وثيقة محكمة: شركة لتجارة النفط تقاضي بنكا لبنانيا للمطالبة بمليار دولار”، رويترز، 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2019.
[11]ماثيو أملوت، “بنك البحر المتوسط اللبناني وشركة IMMS النفطية يسويان دعوى قضائية” العربية، 12 أبريل/نيسان 2020.

مقالات من اليمن

مطر

ريم مجاهد 2020-05-08

في هذه المدينة، يعرف سكان البيوت الأرضية أنهم عرضة للسيول والرطوبة والبرد القارس، لكن تلك الأمكنة هي الوحيدة التي تتناسب ووضعهم الاقتصادي.