البكاءات العالية.. عن أحزان المرأة العراقية

كلُّ ذكرى جميلة هي لحظة غروب. هذا ما صرتُ أفهمه الآن من تلك النظرة المنكسرة لجدتي، وما صرتُ أعرفه عن العراق.. عن الحزن وأهله.
2020-05-15

ميزر كمال

كاتب من العراق، مقيم في اسطنبول


شارك
ليلى العطار - العراق

كنتُ صغيراً حينها، عندما كانت جدتي تحاول إلهائي، واللعب معي في باحة البيت، تغني لي عن الربيع والحقول، ومواسم القمح والليالي المقمرة. أستطيع الآن سرد كل تلك الأغاني. لكنها حين يذبل النهار، وتهرب الشمس إلى جهة الغروب، كانت تأخذ مكانها في ركن بيتنا القديم، وتمارس طقوسها في البكاء حتى يدخل الليل.

لم أنس ذلك المشهد الذي تكرر كثيراً في طفولتي، وحتى عندما كبرت ولم أعد بحاجة إلى أغاني الجدات. أتذكر مرةً، جرَّني فضولي نحو حزنها، وأغواني بكاؤها في السؤال، فردَّت وهي تمسح دمعها عن وجهها القديم: هي عبرةٌ في صدري.

- عبرةٌ على من يا جدتي؟

لم تجب، واكتفت بنظرة قصيرة فيها انكسار سنواتها الثمانين. مذاك وفضولي يجرُّ خيط الأسئلة: لماذا الحزن مرتبط بالأُفول؟ لماذا حزن جدتي الشخصي يتجلى عند الغروب؟ لم أفهم حتى جاءت الحرب، ومات الكثير من أصدقائي، وخسرتُ بيتنا، ومكتبتي، ونزحتُ لا أحملُ معي غير ذكرياتي عن الطفولة والجدة والبيت.

كلُّ ذكرى جميلة هي لحظة غروب. هذا ما صرتُ أفهمه الآن من تلك النظرة المنكسرة، وما صرتُ أعرفه عن العراق.. عن الحزن وأهله.

أم البكاء

في العراق القديم، كان للبكاء أمَّهاته من النساء، أمهاتٌ يعرفن مداخل الحزن ومكامنه في الصدور، كنَّ يُطلقُ عليهنَّ في اللغة السومرية "أما - أيرا" وفي اللغة الأكدية "أمو-بكتيتي" وتعني في اللغتين "أم البكاء". وكانت المرأة منهنَّ متخصصة بالغناء الحزين، وأداء الألحان الباكية في المآتم وذكرى الأموات.

كانت أم البكاء في العراق القديم يُقام لها مجلس العزاء في البيوت الحزينة، وتكون لها ردادات من النساء، يرددن بكاءاتها وألحانها التي تفطر القلب، وكانت تجلس على منبر عالٍ بينما تظلُّ النسوة الردادات واقفات يلطمن الصدور على الميتين، وكلما كان الميت أكثر قرابة كانت الصدور تفتح أكثر، واللطم يكون أشدّ وأقوى.

في العراق القديم، كان للبكاء أمَّهاته من النساء، أمهاتٌ يعرفن مداخل الحزن ومكامنه في الصدور، كنَّ يُطلقُ عليهنَّ في اللغة السومرية "أما - أيرا" وفي اللغة الأكدية "أمو-بكتيتي" وتعني في اللغتين "أم البكاء". وكانت المرأة منهنَّ متخصصة بالغناء الحزين، وأداء الألحان الباكية في المآتم وذكرى الأموات.

في العراق الحديث هنالك "العدّادة"، وهي المعادل البكائي لكلٍّ من "أما-أيرا" و "أمو-بكتيتي" في اللغتين السومرية والأكدية، حيث توجد في كلِّ حيٍّ "عدّادة". وفي القرى أيضاً، عندما يقع الموت في أيٍّ بيت هناك، تتوشح بالسواد وترتدي عباءتها الطويلة التي تشبه الليل، وتحث الخطى إلى البيت المنكوب، ثم يُقام لها مجلسها وتتحلق من حولها النسوة الباكيات، تردد بصوتها الجميل والحزين أغاني المراثي، فتشق النسوة عن صدورهنَّ ويلطمن الوجوه، ويتصاعد البكاء عالياً، فيتحول البيت إلى مسرحٍ للندب والنواح.

يحدث هذا دائماً في البيوت العراقية، ويكثر في أوقات الحروب والكوارث. أتذكر ذلك اليوم الذي ماتت فيه "حميدة" إحدى عجائز الحي، كانت النسوة يتقاطرنَ كأنهنَّ أسراب من الغربان إلى البيت المفجوع. كان الشارع يهدر بالبكاء والأنين، وحين يدخلن إلى البيت يخلعن العباءات السوداء، ويسردن الوجوه ويلطمن على الصدور، ثم تبدأ حفلة الحزن الطويلة التي تستمر لثلاثة أيام متتاليات.

أتذكر جيداً "عَفْرة" التي كانت تقود حفلة البكاء تلك، صوتها الحزين يشق القلب ويذيب الروح، تغني شعراً شعبياً عراقياً عن الفقد والموت، فتردد النسوة الباكيات وراءها لازمة معينة من ذلك الشعر، يتبعنها بصوت أنين طويل، ثم ينفجرن بالبكاء والنواح.

كنت أتابع المشهد بذهول، الكثير منهنَّ لا يعرفن "حميدة" فلماذا كلّ هذا الحزن! إنها الأحزان الشخصية، كل واحدة تبكي لنفسها وعلى نفسها، تبكي فقدها ووجعها وحياتها القاسية، بخاصة نسوة شارعنا الطويل، الذي كان يُعرف بشارع الأرامل، حيث في كلَّ بيت من البيوت السبعة المتجاورة أرملة. عدا أنَّه في كل بيت بالحيِّ هنالكَ فقدٌ وموتٌ قد حدث بسبب الحرب الطويلة مع إيران (1980-1988)ثم الحصار (1991-2003)، أو بسبب الحرب التي وقعت في 2003 وما تلا ذلك من حروب طائفية وضيم وفقر.

طقوس البكاء الجماعي

في الموروث الديني العراقي (الشيعي) هنالك "المُلاّية" وهي المعادل النسوي لـ "الملا" أو الرادود الحسيني الذي يقرأ ما يُعرف بالعراق بـ "اللطميات" حزناً واستذكاراً للحسين بن علي وآل بيته الذين قُتِلوا في كربلاء (680 م) وسُبيت نساؤهم من قبل جيش يزيد بن معاوية.

طقوس البكاء التي تقودها "الملاية" تشبه الطقوس التي تقودها "العدّادة"، لكن في الأولى يكون واعز الحزن والبكاء دينياً، من أجل الثواب والمغفرة، حيث تجتمع النسوة خلال شهر محرم وخلال أربعينية مقتل الحسين، ويكون التجمع عادةً في أحد البيوت، وغالباً ما يكون بيت أحد الوجهاء أو رجال الدين الشيعة، وتستمر تراجيديا البكاء لمدة عشرة أيام متتالية في كل مناسبة.

الحزن الجماعي قديم مثل العراق. ففي الألواح الطينية التي عُثر عليها وتعود إلى الحضارات السومرية والأكدية والبابلية، هنالك أساطير عن نزول الإله "تموز" (إله الخصب والنماء) أسيراً إلى العالم السفلي، ولا يحرره من أسره غير بكاء "عشتار" (آلهة الحب والجمال)، حيث بعد أيام من النحيب والبكاء وترتيل المراثي يتحرر "تموز" أخيراً.

تقرأ "الملاية" بصوتها الجنائزي الفخم "المقتل" أي قصة مقتل الحسين بن علي، وتعدد مآثره ومناقبه هو وآل بيته، وتسرد قصة مجيئه إلى كربلاء ومواجهة جيش يزيد مع القلة القليلة التي معه، بينما تتحلق النسوة في دائرة كبيرة أو عدة دوائر يندبن ويلطمن الصدور ويرددن خلف "الملاية" كلمات من مثل "أحوه" أو "يا حسين". وعند الوصول إلى ذروة الحدث، ولحظة قطع رأس الحسين وحرق الخيام، يصل البكاء إلى ذروته وتتسارع وتيرة اللطم والبكاء وضرب الصدور.

الحزن الجماعي هذا قديم مثل العراق، ففي الألواح الطينية التي عُثر عليها وتعود إلى الحضارات السومرية والأكدية والبابلية، هنالك أساطير عن نزول الإله "تموز" (إله الخصب والنماء) أسيراً إلى العالم السفلي، ولا يحرره من أسره غير بكاء "عشتار" (آلهة الحب والجمال)، حيث بعد أيام (كل عام) من النحيب والبكاء وترتيل المراثي يتحرر "تموز" أخيراً: "من أجل تموز، حبيب الصبا، قضيت بالبكاء والنحيب سنة بعد أخرى..".

أحزان الآلهة عشتار صارت تقليداً دينياً، وطقوساً جماعية في المدن البابلية (3200 ق.م). ففي كل سنة تخرج المواكب الدينية لرثاء الإله تموز والبكاء عليه أسوة ببكاء وحزن عشتار. وكانت تلك المواكب يشارك فيها الملك ويمرُّ الموكب الكبير من خلال بوابة عشتار في مدينة بابل، وتستمر طقوس البكاء لمدة 12 يوماً من كل سنة.

مراثي الفقد والفجيعة

في مرثية قديمة تعود إلى العصر الآشوري الحديث (911-612 ق.م) عُثر عليها في نينوى، شمالي العراق، وبلغة مسمارية حُفرت على رقيم طيني، تصف إحدى القصائد حزن امرأة ماتت في مخاض الولادة، وتركت زوجها: "كنتُ سعيدةً يوم حملتُ فاكهةً، سعيدةً كنتُ، سعيداً كان زوجي. يوم مخاضي، اكفهرّ وجهي، يوم ولادتي غشيت عيناي. مفتوحة اليدين، صلّيتُ إلى بيلت-إيلي (سيدة الآلهة): أمُّ الوالدات أنتِ، أنقذي حياتي، وحينما سمعتني بيلت-إيلي، سترت وجهها قائلة: لم أنتِ مواظبةٌ على الصلاة إلي؟ زوجي الذي صرخ: لا تتركيني يا زوجتي الفاتنة! عبْرَ السنين، اعتدتَ الذهاب إلى قلب المدينة، صرختَ مفجوعاً. منذ تلك الأيام، حين كنتُ مع زوجي، مقيمة وإياه، حبيبي، تسلل الموتُ خلسةً إلى غرفة نومي، أخرجني من بيتي، باعدني عن زوجي، حطَّ قَدمَي في أرضٍ لا عودة لي منها". (ترجمة: حكمت درباس/ شاعر وأكاديمي فلسطيني).

شاعرةٌ عراقية أخرى، فتحت نوافذها على الحزن وأسست لأدب النعي والفجيعة في الأدب الشعبي العراقي الحديث، إنها "فَدْعة" المرأة الجنوبية التي عاشت في القرن الثامن عشر الميلادي، وفُجِعت بمقتل أخيها "حسين" وكرست نصوصها وحكمتها للاحتفاء بهذا الفقد حد أنْ صارت أقوالها أمثالاً متداولة لغاية الآن، ومنها عبارتها التي تحولت مثلاً يضرب عن فجيعة فقد الأخ: "الرجل موجود، والولد مولود، والأخو مفقود" أي أن الزوج والولد يمكن تعويضهما لكن الأخ لا يجيء مثله ولا يُعوَّض.

من قصائدها الخالدة في رثاء شقيقها حسين، قولها: "يا حسين أنت عتبة الباب، ويا طرّادتي (زورقي) والماي خنياب (فائض) ويا عكّازتي والگاع (الأرض) چبچاب (رخوة)، ويا سترتي من يطرگ (يمر) اشهاب، ويا حلّتي بسنين الاصعاب، ويا لهلهيتي (عزيزي) حسين يا ياب، حسين امسى بالتراب، ثجيل (ثقيل) اللحد واظلم السرداب".

لا يُعرف على وجه الدقة متى وُلدت فدعة أو متى ماتت، لكنَّ المؤكد أنها كانت إحدى النساء العراقيات اللواتي أرّخن أحزان المرأة العراقية، وأسسن السمات الثابتة التي رسمت ملامح الأدب الشعبي العراقي بكل تجاعيده وحزنه العالي.

حزن النساء العراقيات يتجلى بأوضح صوره في الغناء والترانيم، وإن لم يكن الغناء موهبة كل امرأة عراقية فإنَّ كلَّ أم في ذلك البلد الحزين تغني. ونحن أبناء العراقيات، نقوم من أحضان أمهاتنا نحفظ ترنيمتهن الخالدة: "دللول (اسكن) يا الولد يا ابني دللول.. عدوك عليل وساكن الچول (العراء)..". يا كم غفوت على صوت أمي وهي تهدهدني في حضنها وتربت على صدري مترنمةً بها حتى تسلمني لنومي، وتستسلم هي لحزنها ودموعها وذكرياتها.

"يلولي" فعلٌ باللهجة العراقية، يعني تَرَنُّم الأم بتهويدة للطفل حتى ينام، تقول إحداهن للأم التي تحمل طفلها الباكي: لوليله حتى ينام. فتبدأ الأم تربت على صدر ابنها مترنمةً بأشهر تنويمة طفل عراقية: "دللول يا الولد يا ابني، عدوك عليل وساكن الچول، انا من اقول يمه (أمي) يموت قلبي يا يمه، يمه يحقلي لاصير دلي، ترى أطلّق الدنيا وولي، يمه على ظليمتي (مظلوميتي) من دون حلي (أهلي) يمه هب الهوى واصطكت (أُغلقت بقوة) الباب، ترى حسبالي (ظننت) يا يمه خشَّت (دخول) احباب، يمه اثاري الهوى والباب كذاب.."حتى آخر البكاء.

مقالات من العراق

العراق لمن؟

ميزر كمال 2020-09-17

الصراع على العراق لم يعد يدور حول النفط بل على الجغرافيا. فلسوء حظه، العراق هو العمود الفقري للطريق بين الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط، ويمتلك "ميناء الفاو الكبير"، الأساسي في...

للكاتب نفسه

العراق لمن؟

ميزر كمال 2020-09-17

الصراع على العراق لم يعد يدور حول النفط بل على الجغرافيا. فلسوء حظه، العراق هو العمود الفقري للطريق بين الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط، ويمتلك "ميناء الفاو الكبير"، الأساسي في...