نوافذ الإله.. دعوة لأخذ فسحةٍ صغيرة من هذا العالم

قد تكون العزلة القسرية التي فرضتها علينا جائحة كورونا فرصةً نادرة للقاء الذات مجدداً، وإسكات العالم الخارجيّ الذي يضجّ بالمشتتات.
2020-04-30

عفاف الحاجي

صحافية من سوريا مقيمة في اسطمبول


شارك
عبد عابدي - فلسطين

تتدفق عشرات الوجوه أمامك وأنت تدلفُ إلى بوابة المترو في الصباح. الآلاف يهبطون ويصعدون باتجاه أعمالهم اليومية. تصدحُ موسيقى صاخبة من سمّاعات الجالس بجوارك، فتقرر أن تضع سماعاتك بدورك وتتصفح المنشورات المحفوظة في جوّالك التي كتبها أشخاصٌ آخرون، تعرفهم أولم ترهم في حياتك قطّ. لا يمكن لصباحِك أن يكون أشدّ اختلافاً من صباح رجلٍ عاش في مدينة "أوروك" مثلاً. كانت "أوروك" الرافدينيّة المدينة الأكبر في القرن الرابع قبل الميلاد، لكنها ضمت بضعة آلافٍ لا غير (يُقدّر عدد سكانها آنذاك بـ4000 نسمة)... ولك أن تتخيل إيقاع الحياة الذي كان يخوضه الشخص السومري منذ الصباح حتى المساء. ربما ترى في اليوم العادي أشخاصاً غرباء أكثر مما رآه أحد أسلافنا في عامٍ كامل.

تمددت المدن مع الزمن على جسد البسيطة ومعها تطورت أدوات قاطنيها، وتضاعفت أعداد سكان الأرض من 1.6 مليار عام 1900 حتى أكثر من 6 مليار في عام 2000، إلى أكثر من 7.75 مليار نسمة في العام الجاري.

الوفرة: كلمةٌ مفتاحية كبيرة تنشر ظلالها على حياة الإنسان المعاصر. مذ تفتح عينيك في الصباح، تُحيط بك الأصوات الخارجية مثل فقاعة ضوضاء يردفها صخب العالم الذي يقرع أبواب حواسك كلها. يصرخ العالم الخارجي ليستحوذ على قسط من انتباهك، عيناك وأذناك دائماً مشدودتان نحو شيءٍ ما. وفيما تحاول أن تجد موقعَ قدمٍ لك في هذا العالم، مواضيع كثيرة عليك البتّ بشأنها: الاحتباس الحراري، الانتفاضات الشعبية، إعادة تدوير النفايات، القادة الجدد، الجندر، اختراق الخصوصية، رقابة الحكومات، فقدان الموارد المائية، المناهج التربوية، حماية الحيوانات المهددة بالانقراض، العنف المنزلي، الصوابية السياسية، البيتكوين، حيادية الذكاء الاصطناعي، تنشئة الأطفال، انتهاك حقوق الإنسان في البلد الفلاني. عدّد إلى ما شئت.. قائمة المواضيع التي يُتوقع منك الانخراط فيها لا تبدو لها نهاية، وإن أبديت أو لم تُبد رأيك أو دعمك لهذا أو ذاك، فالتنمّر السيبراني من مجاهيل بعيدين حاضرٌ دائماً للتدخل.

مقالات ذات صلة

"ينبغي أن يتمكن الإنسان من تغيير حفاضات الأطفال، التخطيط للغزو، ذبح خنزير، بناء سفينة، تصميم مبنى، كتابة سوناتة، موازنة الحسابات، إقامة جدار، تجبير العظام، مواساة الموتى، أخذ قرارات، إعطاء قرارات، التعاون، التصرف باستقلالية، حلّ المعادلات، تحليل مشكلة جديدة، برمجة حاسوب، طهو وجبة لذيذة، القتال بكفاءة، الموت بشجاعة... التخصص هو للحشرات" (1).

السينما أنموذجاً

من الشاشة الفضية الكبيرة حتى الشاشة الرابعة والشاشات الصغيرة الأخرى «Netflix and chill» وغيرها من بوّابات العوالم المرئية المتكاملة التي تُبثّ إلينا على مدار الساعة، مُقدّمة نفسها بمثابة تمثيلٍ للعالم ونافذة له في الآن ذاته، مُنتجةً ما أسماه الكاتب ستيفن غرينينغ بـ"العزلة المتصلة". تفرض تقنيات الوسائط الجديدة مكانتها في وجدان الإنسان الحديث، إذ تُعيد تشكيل المساحات الاجتماعية على طريقتها. وفيما تأتي أخبار العالم والرفاق من تلك الشاشة المضيئة، يجد الفرد المعاصر نفسه يلجأ للعزلةِ حتى يتصل بالعالم، ويستعيض بفرزِ عواطف أكبر داخل الواقع الافتراضي الحديث ليخلق طابعاً إنسانياً في هذه العوالم الرقمية الممتدة.

تحاول الأفلام باستمرار أن ترقى من مجرّد موضوعٍ للمشاهدة إلى تجربةٍ كاملة يخضع لها الجمهور، وتتضافر من أجل تحقيق ذلك الموسيقى البصرية والمشاهد والحوار معاً لجذب انتباه الرائي لحظةً بلحظة، واستخراجِ مشاعرٍ محددة يُبنى لها بإحكام عبر تطور الفِيلم. تعمل السينما على فكرةِ اللعب بالعواطف وتوجيه أحاسيس المشاهد لزوايا معينة. ومع تطور التقنيات الفائق لا يبقى أيّ مكانٍ للتدخّل للخيال الشخصي أو الصوت الداخلي. في دراسةٍ أجراها باحثان من كلية كيلوج لإدارة الأعمال بجامعة نورث وسترن عام 2017 بهدفِ قياس مدى إمكانية نجاح الأفلام في شبّاك التذاكر وفقاً لتفاعلات أدمغة المشاهدين، اختبرت 122 شخصاً من روّاد السينما عبر مراقبة أدمغتهم أثناء مشاهدتهم للمقاطع الترويجية للأفلام بتقنية تخطيط أمواج الدماغ (EEG)، توصلت الدراسة إلى أن تفاعل المشاهدين مع فيلمٍ ما يؤدي إلى تشابه أنشطة أدمغتهم ما يعني قدرة الفيلم المعروض على جذب شريحةٍ واسعة من المشاهدين ونجاحه بإحداث التأثير العاطفي المطلوب: "تبيّن أنه عندما نتفاعل مع المحتوى الذي نشاهده حقاً، تبدو أدمغتنا مثل بعضها البعض"، بحسب الباحث في مجال علم الأعصاب سام بارنيت، وهو أحد القائمين على الدراسة.

هناك أمرٌ ما يحصل دائماً، خبرُ مروّع ما، ظاهرةٌ جدلية، تجربة فوق حسيّة، مشاعر المفاجأة والهلع والتقزز والانتشاء معاً في آن واحد.. كلّ شيء وأيّ شيء في سبيل تفادي لحظة ملل. يرقص العالم الخارجي كالبهلوان الهائج أمام حوّاسك حتى لا يُفسح لك مجالاً للقاء الذات.

يتوائم ما سبق مع دراسة بحثية رائدة في مجال علم أعصاب السينما "Neurocinema"أجراها علماء أعصاب وباحثون من معهد برينستون للعلوم العصبية (PNI)عام 2008. قارنوا فيها أنماط النشاط في أدمغة المشاركين المستدلّ عليها بتقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)أثناء مشاهدة أفلامٍ وبرامج تلفزيونية وفيديوهات عادية معيّنة. وتبين أن فيلماً من إخراج ألفريد هيتشكوك مثلا استطاع تحقيق نشاط دماغي متماثل في أكثر من 65 في المئة من قشرة دماغ المشاركين، ما يوحي بقدرة هيتشكوك على اختراق آليات دفاع الدماغ لتحفيزِ مشاعر معينة والتحكم بحركة الأعين المتتبعة للشاشة على نحوٍ يبدو فيها وكأنه ينسّق استجابة مناطق الدماغ بالسرعة المدروسة لتحقيق نتائج محددة. لا تعبّر هذه الاستجابة عن جماليات الفيلم أو جودة محتواه، ولكنها تعطي دليلاً عن التغييب الذي تحققه متابعة فيلم ما لدى المشاهد الحديث. تُولّد الأفلام المرئية المصنوعة بإحكام المشاعر التي يُراد تحفيزها، ولكنها بدوارِ الأحاسيس الذي تُقدّمه، لا تُترك للدماغ مساحةً حقيقية ليختار بها الاستجابة العاطفية التي يريد.

التزلج فوق العالم

يفرّق عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل لاكروا في كتابة "عبادة المشاعر" ما بين المشاعر الهادئة ذات الطابع التأمّليوالمشاعر الانفعاليّة، أو كما أسماها مشاعر الأحاسيس/ العواطف ومشاعر الصدمة والإثارة. يؤسَّس النوع الأول في حياة الإنسان ويبقى، يرتبط الإنسان بالعواطف التي يخضع لها، يحسّها، يهِبُ نفسَه لها بشكلٍ ما. فيما تظهر المشاعر الانفعالية بغتة، تستحوذ علينا بصورةٍ مؤقتة، وتنطفئ تاركة المكان خالياً تماماً لمشاعر انفعالية جديدة. تَحدثُ المشاعر الانفعالية بإرادتنا عادةً ويستهدفها العصر الحديث بالتحفيز المستمر، ولا تؤثث وراءها إلا الخواء. يختزل الكاتب الفارق بجملةٍ بسيطة: "العواطف تَستهلِك، المشاعر تُستَهلك".

تطغى المشاعر الانفعالية على ثيمة عصرنا الراهن وفقاً للكاتب،لا يريد الإنسان الحديث أن يرتبط بشيء طويلاً، يسود المؤقّت ويعلو. لا يعود الفنّ يصبو للجمال والتعبير الشعري عن العالمبل للصدمة. قد يحضُر للذهن هنا مثال الموزة المعلّقة على الحائط التي سعّرها الفنان الإيطالي موريتزيو كاتلان بـ 120 ألف دولار في أواخر شهر كانون الاول/ ديسمبر عام 2019، لكن هذه الظاهرة ليست إلا قشّة صغيرة في سيل ظاهرة "التريند" التي نعيش. تتحول الأرض التي يمشي فوقها الإنسان إلى وسطٍ سائل، وهو أمرٌ يلائم السيكيولوجيا المتوطّنة على هذه الشاكلة لعقود.

تطغى المشاعر الانفعالية على ثيمة عصرنا الراهن. لا يريد الإنسان الحديث أن يرتبط بشيء طويلاً، يسود المؤقّت ويعلو. لا يعود الفنّ يصبو للجمال والتعبير الشعري عن العالم بل للصدمة.

هناك أمرٌ ما يحصل دائماً، خبرُ مروّع ما، ظاهرةٌ جدلية، تجربة فوق حسيّة، مشاعر المفاجأة والهلع والتقزز والانتشاء معاً في آن واحد.. كلّ شيء وأيّ شيء في سبيل تفادي لحظة ملل. يرقص العالم الخارجي كالبهلوان الهائج أمام حوّاسك حتى لا يُفسح لك مجالاً للقاء الذات.. "ثمة وشيجة سرية بين البطء والذاكرة، كما بين السرعة والنسيان.. السرعة هي شكل النشوة التي منحتها الثورة التقنية للإنسان. خلافاً لسائق الدراجة النارية، فإن العدّاء حاضرٌدائماً في جسده، مُرغماً باستمرار على التفكير في مَجِاله، ولهاثه. عندما يركض يشعر بثقل جسده وعمره، واعياًأكثر من أي وقت مضى بذاته وزمن حياته. كل هذا يتغير عندما يفوّض الإنسان كليّة السرعة إلى آلة" (2).

مقالات ذات صلة

يقترح لاكروا مبدأ "السماح بكينونة الكائن"، أي بترك المجال للحياة لتحدث بوتيرتها الخاصة والملائمة. "دع الوقت يذهب بمجاريه الأصلية، أصغِ ولا تستعجله، لا تستقبل العالم بروح المُستعمِر المُفترِس بل بروح الابن المنتمي". ويضرب لاكروا مثالاً على ذلك قصة شرقية مُقتبسة: سافر راهبٌ ولصّ ورسام وحكيم مجتمعين، وعند حلول الليل وجدوا ملجأً داخل كهف. أبدى اللصّ اهتمامه: "يا له من مخبأ جيدٍ للخارجين عن القانون"، فيما تنهد الرسام: "أوّاه! يا له منظر غنيّ بالألوان والظلال على الجدران. ملائمٌ جداً لعملِ لوحة فنية". اقترح الراهب: "المكان ملائمٌ للتأمل، يمكن الاعتكاف فيه"، فيما اكتفى الحكيم بالقول: "يا له من كهف جميل".

يقول لاكروا إن الحكيم هو الوحيد من بينهم من رأى الكهف فعلاً. لا غرابة في أن اللصّ اهتمّ بمنفعته الماديّة، لكن الراهب والرسام أيضاً ممن يسعيان وراء فكرة التأمل واستشعار الجمال الكوني أدخلا الكهف في مشروعِهما الموضوع مسبقاً. وحده الحكيم من استطاع الانفتاح على العالم وتذوّق الجمال كما هو دون منفعة شخصية.

وعلى الرغم من أن المشاعر المُستهلكة هي مشاعر غير مؤثرة، مؤقتة وعرضة للنسيان السريع، إلا أن الارتباط بالأحاسيس/التعامل المتأنّي مع المواضيع المُختارة هو ما يحقق كينونتنا ووجودنا في العالم. أما المشاعر الآنيّة التي تبدو وسيلةً جيدة لتزجية الأيام، فهي في الحقيقة –إن تجاوزت حدّها- تغدو هي المُستهلِكُ الفعليّ للشيء الوحيد الذي بين أيدينا: الوقت. وقد تكون العزلة القسرية التي فرضتها علينا جائحة كورونا فرصةً نادرة للقاء الذات مجدداً وإسكات العالم الخارجيّ الذي يضجّ بالمشتتات، على منوالِ ما حنّ إليه كونديرا يوماً: "لماذا اختفت لذة البطء؟ أين هم متسكعو الزمن الغابر؟ أين أبطال الأغاني الشعبية الكُسالى، أولئك المتسكعون الذين يجرّون أقدامهم بتثاقل من طاحونة إلى أخرى، وينامون في العراء، هل اختفوا باختفاء الدروب الريفية والواحات وفجاج الغابات، وباختفاء الطبيعة؟ ثمة مثل تشيكي يحدد خمولهم الوديع بالاستعارة الآتية: إنهم يتأملون نوافذ الإله، ومن يتأمل نوافذ الإله لا يسأم بل يكون دوماً سعيداً، لقد تحول الخمول في عالمنا إلى البطالة، التي هي شيء آخر تماماً، العاطل خلافاً للخامل محروم ومستاء، هو في بحث دائم عن الحركة التي يفتقدها".

______________

1-اقتباس من إحدى روايات كاتب الخيال العلمي "روبرت أ. هاينلاين".
2- ميلان كونديرا، رواية "البطء".

مقالات من العالم

للكاتب نفسه