سلمى: بؤس الصفيح

بهلع وفضول، ظلت أم سلمى تسأل عن تفاصيل ما جرى. كانت سلمى قالت لها أن هناك أخبار تُتداول عبر الواتساب عن قيام مسلحين بغزوة ليلية لمساكن النازحين والمهمشين، أخرجوا فيها الرجال خارج المنازل ثم اغتصبوا أو تحرشوا بمن تبقى في الداخل، بالنساء اللواتي كن في المخيمات.
2020-04-09

ريم مجاهد

كاتبة من اليمن


شارك
محمود صبري - العراق

تحاول سلمى ألا ترد على مكالمات الأب، لأنها لم تعرف بعد من أمها إن كان يجب عليها أن تخبره بالسبب وراء الزيارة المفاجئة لعائلة الأم في أطراف المدينة، أو أنها يجب أن تخترع كذبة ما. لذا فقد تجاهلت المكالمة الأولى والثانية، لكنها لن تستطيع تجاهل الثالثة، فحينها سيجنّ الرجل وسيصبح الوضع أسوأ. تأملت في أمها كيف توسطت قريباتها تحضن هذه وتعانق الأخرى وتقبّل رأس أمها، منتظرة أن يهدأ الحديث قليلا حتى تسألها.

كانت العائلة تسكن في أربعة أبنية منفصلة، يمر بينها طريق ترابي ضيق. المبنى الأخير في التجمع هو الأكبر، حيث تقيم الجدة واثنين من أبناءها مع نسائهم وأحفادهم. ثلاث غرف من الطوب الإسمنتي وغرفة إضافية من الصفيح ينام فيها الأولاد الأكبر سناً، ثم بين الغرفة والأخرى كانت هناك دوماً مساحة صغيرة مفتوحة، تستخدم كمخزن لكل الأشياء من أدوات التنظيف المستعملة في الشوارع وحتى الملابس. وهناك مطبخان بإسطوانة غاز وآلة طهي تتبادلها النساء بجانب مواقد الحطب، وحمام مبني من الطوب بابه ستارة قديمة حمراء، لكن أرضيته إسمنتية، على عكس بقية البيت الترابي. يعد هذا المنزل الرئيسي من أربعة منازل، وتعيش الخالات وخال إضافي بجانب البيت الرئيسي.البيوت الأخرى عبارة غرفة أو غرفتان من طوب إسمنتي بأبواب من خرق مهترئة، وأسطح من صفيح أو من خشب وتراب، تتجمع على كل الأسطح إطارات سيارات مثقوبة. لم تعرف سلمى كيف وصلت إلى السطوح ولا لماذا، وقطع أصغر من صفيح صدئ ربما بقايا غرف اندثرت، وأقمشة ممزقة، وبقايا أدوات معدن ربما يحتاجها أحد ما في يوم ما. وفي الممر الترابي، كان الأطفال القذرين يلهون كالعادة، غير عابئين بما حدث في الليلة الفائتة أو بما لم يعرفوا كنهه. ركزت سلمى في ابنة خالها البالغة من العمر اثنا عشر عاماً، كانت غريبة النظرة وغريبة الملاحظة، قالت الجدة أنها خبأتها لحظة أحست بالرجال يقتربون من المكان، قالت أن حدسها قادها لهذه التصرف، لم يهتم الكبار بإخفاء ما كان يجري عن الفتاة، ولم يلحظ أحد حتى وجودها.

بهلع وفضول ظلت أم سلمى تسأل عن تفاصيل ما جرى، كانت سلمى قالت لها أن هناك أخبار تتداول عبر الواتساب عن قيام مسلحين بغزوة ليلية لمساكن النازحين والمهمشين، أخرجوا فيها الرجال خارج المنازل ثم اغتصبوا أو تحرشوا بمن تبقى في الداخل، بالنساء اللواتي كن في المخيمات. ارتعبت الأم، صارت تهتز وتبكي، بينما بقيت سلمى على هدوئها، فقد أخذت وقتها لتفكر بالموضوع، ثم وصلت للنتيجة: بالطبع سيحدث هذا! ما الذي يمنع هذا من أن يحدث؟ على مر التاريخ، وفي كل مكان في العالم حدث هذا، وعلى مر التاريخ صنع الرجال الحروب ثم دفعت النساء ثمنها، سواء في الإنتصار أو في الهزيمة. وهنا، في هذا المجتمع البغيض، ستكون نساء على شاكلة سلمى وقبلها عائلة أمها هنّ أول من يدفع ثمن الحرب.

شعرت سلمى بالإشمئزاز، وهي تتخيل مقابلات الصحافيين لخالاتها البسيطات، وهم يحاولون بإصرار وقح الوصول لأدق التفاصيل حتى يحصلوا على القصة التي تجذب القراء: وأين لمسك بالضبط يا عزيزتي؟ هل كنتن بملابس النوم حين اقتحم المسلحون منازلكم؟ هل تحرش المسلحون بالفتيات الصغيرات؟

الجميع يتحدث، يعترض، يصرخ، يُكذّب الآخر، يواسي، يدعو، ثم هناك بكاء. زوجا خالتيها وأحد أخوالها كانوا أيضايشاركون قصصهم، يستمعون للنساء قليلاً ودوماً ما يعترضون، ينهونهن عن المواصلة ثم ينفجرون بالسباب و يركلون ما تصادفه أقدامهم، ويعودون لمزيد من التفاصيل. سلمى تجلس في زاوية على صفيحة سمن فارغة، تأكدت من أنها جافة بدون دهون حتى لا تتسخ عباءتها. كانت الغرفة بكل أشياءها مضيئة يعبرها الهواء، لكنها بدت لسلمى الغرفة الأتعس في العالم: البطانيات البالية والمتسخة، إسفنجات مهترئة كانت يوما فرش نوم، أدوات مطبخ، أحذية ممزقة، والكثير من الأشياء التي ما كانت أمها لتحتمل بقاءها في منزلها. لم تشارك سلمى العائلة حديثها وصراخها، تملكتها اللاجدوى من لحظة لقاء علي، وكونها وعدت الله أنها لن تتذمر ولن تشكو طالما نجّاها من تلك الليلة، لبست سلمى رداء الصمت واللاتعليق أيا كان، لكنها جمعت تفاصيل القصة في مخيلتها وتخيلتها بأسلوب علي الركيك والفج:

"سيارات لمسلحي قوات حفظ النظام في المدينة المنكوبة، يقتحمون في الليالي التي بدون كهرباء ولا قمر، مساكن ومخيمات النازحين والمهمشين، شهادات عن اقتياد الرجال بعيداً عن المساكن وإهانتهم وإذلالهم بحجة أن لا بطاقات هوية لديهم، التحرش وحالات إغتصاب للنساء اللائي كنّ مع أطفالهن في البيوت الرثة على حواف المدينة، تقول م. س. وهي امرأة في الثلاثين ( تتخيل سلمى شهادة خالتها الصغرى): لقد طلب مني الرجل بطاقة هويتي، أخبرته أني لا أمتلك واحدة، وأننا منذ الأزل لم نمتلك بطاقات هوية، فقام الرجل بلمسي، وحين صرختُ صفعني وقال لي أنه سيمزق ملابسي إن صرخت مرة أخرة. وتقول تقول ه. م. ( صوت زوجة خالها الأكبر الحاد) : لقد تقاذفني رجلان، كان كل منهم يرمي بي إلى أحضان الآخر. وعند السؤال عن حالات الإغتصاب، قال الشهود أنهن سمعن صراخ النسوة من مساكن مجاورة، وأنهن متأكدات أنهن تعرضن للإغتصاب لكن أحداً لم يتحدث علانية بعد، خوفاً من الفضيحة، وهو المتوقع والطبيعي في مجتمع مثل مجتمعنا".

يا أخوالي وخالاتي الطيبين، كل هؤلاء الحمقى بهواتفهم الذكية لن يتذكرونكم بعد نشر فيديوهاتهم على وسائل التواصل الإجتماعي، أنتم أبعد من أن يهتم أحدهم بكم، أنتم لا قيمة لكم في هذا العالم البائس، حتى لو اغتصبتم كل يوم، فالإغتصاب بالنسبة لهم جريمة شرف، وأنتم في المعيار الوطني بدون شرف ولا كرامة كما أنتم بلا وجود.

شعرت سلمى بالإشمئزاز، وهي تتخيل مقابلات الصحفيين لخالاتها البسيطات، وهم بإصرار وقح يحاولون الوصول لأدق التفاصيل حتى يحصلوا على القصة التي تجذب القراء: وأين لمسك بالضبط يا عزيزتي؟ هل كنتن بملابس النوم حين اقتحم المسلحون منازلكم؟ هل تحرش المسلحون بالفتيات الصغيرات؟ بما أنك يا سيدتي لم تتعرضي للإغتصاب مثل جاراتك، هل تعتقدين أن هناك سبباً جعلك ناجية من هذه المأساة؟ كانت الفيديوهات العابرة للواتساب أكثر ما تكرهه سلمى، وأكثر ما يطلبه الناس ويسعى للحصول عليه. وتعرف سلمى أن خالاتها وأخوالها ما كانوا ليرفضون التحدث إلى أولئك التافهين، لأنهم وهم الذين لا يمتلكون بطاقات هوية مثل أي مواطن في أي بلد في الكون، سيتمكنون أخيراً من إثبات وجودهم –ولو لأمد قصير- في مقابلة مصورة بهاتف ذكي، مع أناس لا يعرفون عنهم شيئاً، وإن كانوا لا يعرفون أين ستنتهي تلك الفيديوهات التي لن تستخدم أبدا لإحقاق أي عدالة. وهذا بالضبط ما كانت تريد سلمى أن تحدثهم بشأنه، لكنها لا تستطيع إذلالهم أكثر: يا أخوالي وخالاتي الطيبين، كل هؤلاء الحمقى بهواتفهم الذكية لن يتذكرونكم بعد نشر فيديوهاتهم على وسائل التواصل الإجتماعي، أنتم أبعد بمدارات من أن يهتم أحدهم بكم، أنتم لا قيمة لكم في هذا العالم البائس، حتى لو اغتصبتم كل يوم، فالإغتصاب بالنسبة لهم جريمة شرف، وأنتم في المعيار الوطني بدون شرف ولا كرامة كما أنتم بلا وجود.

لن تقول سلمى ذلك أبداً، هي فقط تعيه بطريقة مؤلمة جداً.

مقالات ذات صلة

للمرة الثالثة يتصل الأب، قفزت سلمى من مكانها، وشوشت أمها بالسؤال، وكان أن قررت الأم بسرعة على غير عادتها: "أخبريه أن جدتك مريضة". تسللت سلمى خارجة حتى أطراف التجمع على الطريق الترابي، مخافة أن يسمع الأب حوارات العائلة الصاخبة.لا تعرف سلمى لماذا كذبت أمها، لكنها كانت تعرف أنها ستكذب ولذا سألتها. حين أنهتْ المكالمة، كانت الفتاة الصغيرة تقف ورائها، وبدون مقدمات قالت لسلمى مثبتة نظرتها عليها: لقد رأيت كل شيء! أمي وجدتي تكذبان... شعرت نادية بالقشعريرة وتلك الفجوة التي تغرق فيها، كما حدث لحظة اقتحام المسلحين للمقهى، فسألتها: هل ستخبريني ما حدث؟ بدون تردد، إذ يبدو أنها قد قررت ذلك قبل السؤال ذاته، تدفقت الفتاة في قصتها التي تركت سلمى غارقة في الفجوة، تسح دموعاً لا تعرف لأي سبب انهمرت. كانت الفتاة الصغيرة قد شهدت من فتحة صغيرة في سطح البيت الترابي ما لم تعترف به النساء في الداخل. سألتها سلمى إن كان الأمر حدث أيضاً لزوجة الخال الأخرى، أخبرتها الفتاة أن الرجلين الآخرين اضطرا لتهديد العجوز وعزل الأطفال في الغرفة الأخرى.

سؤال أخير: هل ستخبرين أحداً غيري بهذا؟ لا، لا أستطيع..

الحلقة الأولى
الحلقة الثانية
الحلقة الثالثة
الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة
الحلقة السابعة
الحلقة الثامنة
الحلقة التاسعة
الحلقة العاشرة
الحلقة الحادية عشر
الحلقة الثانية عشر
الحلقة الثالثة عشر
الحلقة الرابعة عشر
الحلقة الخامسة عشر

مقالات من اليمن

مطر

ريم مجاهد 2020-05-08

في هذه المدينة، يعرف سكان البيوت الأرضية أنهم عرضة للسيول والرطوبة والبرد القارس، لكن تلك الأمكنة هي الوحيدة التي تتناسب ووضعهم الاقتصادي.