النفط يقلق العراقيين

لا حلَّ بغير تفحص إنتاجية المؤسسات الحكومية، وهي اليوم متبطّلة علاوة على تضخمها، ومنع إعاقة عمل القطاع الخاص، الزراعي والصناعي، المنتج بشكل حقيقي، وكذلك القضاء على الفساد المالي وبالأخص في الجمارك الذي أثّر بشكل كبير على الاقتصاد، وعرقل عمل تلك القطاعات الإنتاجية.
2020-04-02

سلام زيدان

صحافي عراقي متخصص بالاقتصاد


شارك
عبد اللّه المحرقي - البحرين

مراقبة أسعار النفط أصبحت الشغل الشاغل للعراقيين حالياً، لأنه محرك الاقتصاد في البلد، ويشكل 92 في المئة من إجمالي إيرادات الموازنة وفقاً لوزارة المالية، وكذلك 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، و99 في المئة من الصادرات العراقية حسب البنك المركزي العراقي. وبانخفاض سعره سيقلل الإنفاق ويصيب البلاد الركود، نتيجة عدم قدرة القطاعات الأخرى على النهوض بالاقتصاد بسبب اعتماد الدولة على الريع، منذ تأسيسها وحتى الآن.

كانت إيرادات العراق السنوية من النفط أكثر من 120 مليار دولار، فلجأت الحكومة إلى زيادة موظفيها لأكثر من 4 ملايين شخص، وزيادة مرتباتهم.. وهناك بالتالي 20 مليون عراقي مصيرهم أصبح مرتبطاً بالنفط.

العراق الأكثر تضرراً

اِنهار اتفاق "أوبك بلس" الذي أبرم في العام 2016 بين منظمة أوبك والبلدان المنتجة للنفط خارج الأوبك، مثل روسيا والمكسيك وسلطنة عُمان وغيرها، بعد الخلاف بين السعودية وروسيا على الكمية المطلوب تخفيضها بدءاً من شهر آذار/ مارس وحتى نهاية العام الحالي. أرادت السعودية زيادة التخفيض بينما اكتفت روسيا بالقول أن السوق لا تحتاج إلى تخفيض جديد، لأن سعر برميل النفط في حينها كان 50 دولاراً، وهو مطمئن للجميع.. مما جعل السعودية تزيد الإنتاج، وتخفض الأسعار معاً لتنهار قيمة النفط.

مقالات ذات صلة

أكثر الدول المتضررة من انخفاض أسعار النفط هو العراق، البلد الذي لم يستطع زيادة إنتاجه كما أمل مؤسس جولات التراخيص النفطية، حسين الشهرستاني، بشكل يتجاوز 10 ملايين برميل يومياً خلال العام الحالي. لم يستطع لأسباب عدة، منها الأوضاع السياسية والأمنية، والفساد المستشري في مؤسسات الدولة وغيرها.. ليبقى إنتاجه في أفضل الحالات 5 ملايين برميل يومياً.

يصدِّر العراق 3.8 مليون برميل يومياً (وهي طاقته التصديرية القصوى)، لأن البنى التحتية للتصدير والخزن ضعيفة جداً. لكن الغريب أن سياسة العراق النفطية غير واضحة. ففي العام 2014، أوقف وزير النفط آنذاك، عادل عبد المهدي، تطوير البنى التحتية في الحقول النفطية، على الرغم من توقيع العراق عقوداً بمليارات الدولارات مع الشركات العالمية. وقال أنه فعل لسببين، الأول انهيار أسعار النفط، والثاني الأزمة المالية التي استطاع العراق تجاوزها بعد اعتماده سياسة تقشف.

مراقبة أسعار النفط أصبحت الشغل الشاغل للعراقيين حالياً، لأنه محرك الاقتصاد في البلد، ويشكل 92 في المئة من إجمالي إيرادات الموازنة وفقاً لوزارة المالية، وكذلك 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، و99 في المئة من الصادرات العراقية حسب البنك المركزي العراقي.

يباع 26 في المئة من النفط العراقي إلى الصين، و25 في المئة إلى الهند، و22 في المئة إلى الدول الأوروبية، و8 في المئة إلى كوريا الجنوبية، و7 في المئة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، و12 في المئة إلى باقي دول العالم. ومعظم هذه الدول أغلقت أبوابها وفرضت الحجر الصحي خوفاً من تفشي فيروس كورونا. وهكذا تتراجع صادرات العراق النفطية حالياً نتيجة قلة الطلب العالمي، وزيادة المعروض الذي ألقى بظلاله على الأسعار.

تتمثل خطة العراق الحالية بالحفاظ على زبائنه، وتحديداً الصين والهند، اللذين قرر بيع نفطه إليهما خلال شهر نيسان/ أبريل بسعر يقل ب 5 دولار عن "نفط الإشارة" الذي يعتمده للسوق الآسيوية، (أي سعر نفط دبي وسلطنة عُمان). وهو يخاف من استحواذ دول الخليج على هذين السوقين باعتبارهما أكثر المستهلكين في العالم بحكم نسبة سكانهما (ثلث سكان الكرة الأرضية)، بالإضافة إلى نسب نمو اقتصادهما العالية خلال السنوات الأخيرة. ولا يركّز العراق على الدول الأوروبية لأنها تهتم بالطاقة النظيفة، وهي تنوي تقليل استهلاك النفط خلال السنوات القادمة خوفاً من التلوث البيئي.

ما هو تأثير هبوط النفط ؟

النفط ملك الشعب، وفقاً للدستور بمادته 111. لكن الواقع يقول أنه وُزّع بشكل خاص على طبقة محددة من العراقيين، وهي فئة الموظفين، بينما يُفترض أن تخصص أموال النفط في مشاريع استراتيجية تخدم مجمل المواطنين، وتوفر لهم حقوقهم الأساسية. وما حصل حوّل دوائر الدولة إلى العطالة عن العمل. فهناك مؤسسات من المفترض أن تجلب إيرادات مالية، مثل وزارة الكهرباء، وامانة بغداد، والاتصالات...وغيرها، وهي تحولت إلى مستهلِكة تأخذ رواتبها من إيرادات النفط. يعني أن أموال النفط لم تتحول لتخلق مشاريعَ جديدة تساهم في تحريك الاقتصاد وتنويعه وتطوير البنى التحتية.

يحتاج العراق في موازنة العام الحالي إلى 66.8 تريليون دينار (55.6 مليار دولار)، بعد توظيف 500 ألف شخص في "حزم الإصلاح" التي طبقها عادل عبد المهدي بعد انطلاق التظاهرات في تشرين الأول/ أكتوبر،المطالبة بتطوير الاقتصاد العراقي، وتنويع مصادره، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتخفيف نسب البطالة، ومحاربة الفساد. إيرادات الدولة (من المصادر النفطية وغير النفطية) عاجزة عن تغطية الرواتب وحدها أصلاً، فإذا استقرت أسعار النفط على حالها، وهو 30 دولاراً لبرميل خام برنت، فإن صافي إيراد النفط العراقي يصل إلى 14.3 دولار للبرميل، بعد اقتطاع مبلغ 10.7 دولار من كلفة استخراجه ونقله إلى البلدان المشترية. بالإضافة إلى أن النفط العراقي يحتوي على كبريت ويحتاج إلى المزج مع نفوط أخرى لكي يُستخدم في المصافي الدولية، ولذا فهو يباع بسعر أقل من خام برنت، مما يعني أن صافي إيراد العراق النفطي سيكون 20 مليار دولار في العام الحالي، مع إيرادات غير نفطية تصل إلى 6.5 مليار دولار. وسيبلغ العجز المالي في الرواتب فقط 29.1 مليار دولار.

كانت إيرادات العراق السنوية من النفط أكثر من 120 مليار دولار، فلجأت الحكومة إلى زيادة موظفيها ليصلوا إلى أكثر من 4 ملايين شخص، وزيادة مرتباتهم.. وهناك بالتالي 20 مليون عراقي - أكثر من نصف السكان البالغ تعدادهم 38 مليوناً - مصيرهم مرتبط بالنفط.

يصدّر العراق 3.8 مليون برميل يومياً، وهي طاقته التصديرية القصوى، لأن البنى التحتية للتصدير والخزن ضعيفة جداً، ولم يجرِ تطويرها. وهكذا فالكلام الرسمي عن خطط لتصدير 10 ملايين برميل يومياً يبدو مجرد سراب.

غير أن هناك، عدا باب الإنفاق هذا، التزاماتٌ تتمثل بتسديد القروض الداخلية والخارجية، وشراء الأدوية ومواد البطاقة التموينية، واستيراد الكهرباء...

استبعد المسؤولون الحكوميون فكرة أي استقطاع من رواتب الموظفين والمتقاعدين خوفاً من انضمام هذه الفئة إلى فئات المجتمع الناقمة على النظام الحالي. لذلك اكتفى السياسيون بالعمل على حلول تتمثل باستخدام الخزين المالي من السنوات الماضية في وزارة المالية، البالغ 4 مليار دولار، بعد أن بدده عبد المهدي خلال الشهرين الأخيرين من العام 2015، إذ كان 16.6 مليار دولار. وينوون كذلك استخدام جزء من الاحتياطي الأجنبي البالغ حالياً 60 مليار دولار، عبر شراء البنك المركزي سندات خزينة مع المصارف الحكومية، وتعويم قيمة الدينار بنسبة 20 أو 30 في المئة، مع تعظيم الموارد الداخلية، عبر زيادة الضرائب على المواطنين، والاقتراض من البنك وصندوق النقد الدوليين، وإيقاف استيراد الكهرباء، بالإضافة إلى فتح قنوات اتصال مكثفة مع السعودية وروسيا من أجل الاتفاق من جديد على رفع أسعار النفط.

حلول فاشلة

تصحيح مسار الاقتصاد لا يمكن أن يُعالَج بهذه الاجراءات. فإن لم نهتم بسائر المعطيات، وإكتفينا بإحداها، وهي نسبة النمو السكاني في العراق التي تبلغ 2.6 في المئة سنوياً، فسيكفي ذلك لتبين حجم المشكلة. ولا سيما أن نسبة النمو الاقتصادي - المعلن و/أو المأمول ما زالت وهمية. فقد أعلنت الحكومة أن الاقتصاد العراقي سينمو بنسبة 4.8 في المئة خلال العام الحالي، وهو تقدير يستند إلى قطاع النفط الذي ما لبث أن اهتز بقوة!

يتطلب الأمر سياسة واضحة تزيد إنتاجية المؤسسات الحكومية، وتمنع إعاقة عمل القطاع الخاص الزراعي والصناعي، المنتج بشكل حقيقي. كما لا بد من القضاء على الفساد المالي في الجمارك، الذي أثّر بشكل كبير على الاقتصاد، وعرقل تلك القطاعات الإنتاجية عن العمل.

إيرادات الدولة (من المصادر النفطية وغير النفطية) عاجزة عن تغطية الرواتب وحدها أصلاً، إذا استقرت أسعار النفط على حالها، وهو 30 دولاراً لخام برنت... مما يعني أن صافي إيرادات العراق النفطية ستكون 20 مليار دولار في العام الحالي، مع إيرادات غير نفطية تصل إلى 6.5 مليار دولار. وسيبلغ العجز المالي في بند الرواتب فقط 29.1 مليار دولار.

وعلاوة على ذلك، وكمثال على الفساد المريع المستشري، يُفترض ألا تقل إيرادات الجمارك السنوية عن 5 مليار دولار، بينما لا يدخل منها وزارة المالية إلا 600 مليون دولار، وذلك على الرغم من أن استيراد العراق من السلع تتجاوز قيمته 35 مليار دولار سنوياً.

إن ذلك يعني أن الحلول الآنية والترقيعية والتسكينية لا طائل منها، وأن وجود خطة اقتصادية فعلية وإرادة سياسية لتطبيقها هي مسألة حيوية.. حتى في بلد نفطي وريعي ومصنف "غنياً"، على الرغم من كل المصائب التي حلت به في نصف القرن الاخير.

مقالات من العراق

تحت ظلال الكارثة

قال شاعرٌ ما مرةً: "الخوف متراس". وافترضَ آخر أننا يجب أن نشعر بالامتنان الدائم لأسلافنا الخائفين، لأن خوفهم كان هو سبيل نجاتهم، فقد حفظ حياتهم وجنبهم الكوارث والحروب، وبعدها تكاثروا...