نسخة كورونا العراقية... السخرية بدلاً من الرعب

إيران والعراق يتبادلان أكثر من 7.5 مليون زائر في العام الواحد.والعراق يقع في المرتبة قبل الأخيرة، أي ال 92 من أصل 93 دولة على مؤشر جودة الرعاية الصحية، تسبقه بنغلادش.
2020-03-16

ليث ناطق

إعلامي من العراق


شارك
احياء ذكرى وفاة الإمام الكاظم - بغداد

تخيّل أنك جالس على كرسي مريح في غُرفة مجهولٌ شكلُها بمدينة، قد لا تكون مدينة، على أرض كوكب المريخ (مثلاً)، بانتظار أكثر الأفلام رعباً وإثارة. ثم يبدأ العرض بمدّ خيوط الاستثارة نحوك بمشاهد للحياة على كوكب اسمه الأرض، ممهداً لقصة فايروس تطوّر فاستفحل فبدأ تدريجياً بإصابة سكان هذا الكوكب انطلاقاً من مدينة إسمها ووهان شرقية. سترى الناس يتلثمون خوفاً من هذا الداء المكروسكوبي، سيركّز مخرج الفيلم على مشاهد آثاره على المصابين به، سيُحزنُك ذلك ثم يُرعبُك، لأن المخرج سيريك كيف يتفشى المرض، الذي سُمّي "كورونا"، في أرجاء الكوكب المكتظ، لكن مشاعرَك ستعلق في وحل الحيرة حين يختار المخرج أن يمتد بأحد خطوط سيناريو فيلمه إلى بلد إسمه العراق.

فشل محاولة فهم ما ستشاهده في هذا البلد هو الأرحج. ستظهر على جوانب الصورة مشاهد أخرى: تظاهرات تطالب بحياة كريمة، قتلى، إغتيالات، إختطاف، طائرات تحلق وتحرّر صواريخها، سلاح، الكثير من السلاح، ثم سلاح... سترى مدناً تكاد تكون متهالكة وبشراً متهالكون، لكن السيد المخرج الذي تورّط بملاحقة الفايروس إلى هذا البلد ذي التأريخ الضارب، سيعيد تركيزك إلى كورونا ولن تغادرك الحيرة.

الوقائع

دخل الفايروس العراق في 24 شباط/ فبرابر 2020. سُجلت أول حالة إصابة لطالب علوم دينية إيراني قدم من بلده، الذي كان قد تفشى فيه المرض، إلى مدينة النجف. وفي 4 آذار/مارس أعلنت أولى حالات الوفاة أثر الإصابة بهذا المرض.

مقالات ذات صلة

في تصريح صحافي، أوضح السفير الإيراني السابق في العراق حسن دانايي فر، أن بلدَه والعراق يتبادلان أكثر من 7.5 مليون زائر في العام الواحد. هذا علاوة على أن بين البلدين تبادل تجاري يتجاوز حجمه 12 مليار دولار سنوياً. وبما أن العراق يعتمد في استهلاكه بشكل شبه كامل على ما يستورده، فيرتفع رقم التبادل التجاري مع الصين عما هو عليه مع إيران إلى نحو 30 مليار (وهو حجم التبادل في عام 2018).صحيح أن الفايروس ينتقل بين البشر بالدرجة الاولى، ولكن المعلومات العلمية عن مدة بقائه حياً وفعالاً على الأسطح تتضارب بين من يقول أنها 4 ساعات ومن يقول (من العلميين) أنها تسعة أيام. ما يثير التساؤل حول العدوى بواسطة البضائع، وخصوصاً تلك الوافدة من إيران القريبة.

كعادتها، السلطات العراقية ذات العلاقة دفعت باتجاه التقليل من شأن المخاطر المحتملة، فأعادت للأذهان مواقف كثيرة قلل خلالها المسؤولون من شأن المصائب الكثيرة التي تكدّست على البلاد. وهكذا صار رواد مواقع التواصل الإجتماعي يصنعون مزاوجات بين تلك المواقف وهذه الحالية بهدف السخرية. وفي سياق السخرية أيضاً، انطلق العراقيون نحو تعداد جدران الصد المتوفرة في العراق أمام فايروس مثل كورونا، فوجدوا أنفسهم يسطّرون أسماء أولياء أو أئمة ظهر ذكرُهم ومراقدُهم بعد 2003. ولم يفُتهم استذكار ما أسموه "خرافات" والتي اشتهر رجال دين بإطلاقها عن طرائق شفاء المرضى، وأبرزها تلك الطريقة القائمة على إزالة المرض ببصاق رجال الدين، أو بتراب مدينة مدفون في أرضها أحد الأولياء.

لم يُطبق غلق المقاهي أو المطاعم إلا على نطاق ضيق ينتهي عند حدود المناطق والأحياء الهادئة والمترفة، بينما استمرت أبواب هذه الأماكن مفتوحة أمام الزبائن في الأحياء الشعبية المكتظة بالسكان.

وهم لم يجدوا في نظام بلدهم الصحي ما يدعو للاحتماء به. فالعراق يقع في المرتبة قبل الأخيرة، ال 92 من أصل 93 دولة على مؤشر جودة الرعاية الصحية، تسبقه بنغلادش. وأما بما يخص مستوى الكفاءة الطبية فيقع في المركز 103 على اللائحة المتكونة من 191 دولة. وليس ذلك بغريب في بلد يعاني فسادا إدارياً كبيراً وأزمات متلاحقة. ومن الطبيعي ألا يكون محترزاً من هكذا ظروف تُظهر نقص الكفاءة والمعدات الأدوية.

علاجات بديلة!

وعلى ذكر الأدوية، بادر العراقيون لخلقها من أجل العلاج من الفايروس مستبقين العلم! فظهر شيخٌ بمقطع مصوّر يدّعي أن نبات "الحرمل" يقتل الفايروس، فهب الناس لشرائه وغزت رائحة احتراقه أحياءاً سكنية، قبل أن ينتشر مقطع مصور لشاب عراقي محجور في مدينة ووهان الصينية ينصح خلاله بأكل البصل والثوم، فتضاعف سعرهما في الأسواق. وفي مرحلة متقدمة من الكوميديا، دعا أحد الإعلاميين الناس لتناول الخمر لكونه، حسب ادعائه، قاتلا للفايروسات.

ومع تزايد أعداد الإصابات والوفيات، وتوجّه الناس لشراء الأقنعة الواقية والمعقمات، فطافت أزمة جديدة تتمثل بشحة هذه المواد وتضاعف أسعارها، لكن ذلك لم يمنع العراقيين من ممارسة حياتهم الطبيعية: مقاهي مكتظة بالناس، ساحات تظاهر تهتف بمطالب طال تجاهلها، شوارع مزدحمة، ومطاعم تعج بزبائنها.

بقي الفضاء العام على ما هو عليه حتى بعد إصدار خلية الأزمة الخاصة بفايروس كورونا تعليمات تحد من مظاهر الزحام: في محافظة النجف التي تضم مرقد الإمام علي بن أبي طالب، توجّه رجل الدين وزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر إلى المرقد لزيارته بعد إعلان إدارته إغلاقه، ففتحت أمامه الأبواب. وفي بغداد ظلت المقاهي تستقبل زبائنها وهذه المرة بأعداد أكبر، وتوجهت الحكومة لتعطيل الدراسة في التعليمين العالي والتربوي، وفتحت هذه الخطوة باباً أخرى على أزمة أخرى تتمثل بضياع السنة الدراسية، خصوصاً على طلبة المناطق والمحافظات التي شهدت إحتجاجات شعبية منذ مطلع تشرين الأول/اكتوبر 2019.

شهدت شوارع العاصمة مسير مجاميع بشرية نحو مرقد الإمام موسى الكاظم في 12 آذار/مارس، وهو موعد الزيارة الخاصة بذكرى وفاته، ضاربة التوجيه الرسمي بمنع التجمعات عرض الحائط.

ظلت الضوابط والتوجيهات التي تُصدرها خلية الأزمة والجهات المسؤولة محل تجاهل، ولم يطبق غلق المقاهي أو المطاعم إلا على نطاق ضيق ينتهي بنهاية حدود المناطق والأحياء الهادئة والمترفة، بينما استمرت أبواب هذه الأماكن مفتوحة أمام الزبائن في الأحياء الشعبية المكتظة بالسكان.

وفي 12 آذار/مارس 2020 أصدرت لجنة الأمر الديواني / خلية الأزمة الخاصة بفايروس كورونا، قرارات يتقدمها منع الزيارات الدينية ذات التجمعات الكبيرة، قبل موعد الزيارة الخاصة بذكرى وفاة الإمام موسى الكاظم. لكن شوارع العاصمة شهدت مسير مجاميع بشرية نحو مرقد الكاظم ضاربة التوجيه عرض الحائط.

مقالات ذات صلة

تختلط بكل ذلك لمسة السخرية التي يبتكرها العراقيون في كل مرة تحاصرهم بها الأزمات، لتكون سلاحهم الأقوى أو ربما الوحيد. ووراء هذه السخرية يختبئ ما تبقى من خوف عند هذا المجتمع، بسبب التجارب المريرة التي مر بها وجعلت أبناءه يحوّلون الموت إلى مادة للتندر. وغير معلوم كيف سيتعامل مخرج الفيلم الذي يروي قصة كوكب مصاب بفايروس مع هذا الخليط المحيّر، غير معلوم كيف سيفكك كل هذه التعقيدات. لكن الشيء المؤكد هو أنه لن يتمكن من نقل كل شيء، ولن يتمكن أيضا من فهم كل شيء..

مقالات من العراق

العراق: عجز "دولة الموظف"

سلام زيدان 2020-07-02

يحتاج العراق شهرياً إلى 4.5 مليار دولار لدفع رواتب الموظفين والمتقاعدين، عدا النفقات الضرورية الأخرى مثل تمويل شراء الأدوية واستيراد الكهرباء والوقود وغيرها، بينما إيرادات النفط خلال الشهر الماضي وصلت...