خيارات الأطراف السياسية الفاعلة في مصر

من يسعى إلى الوقوف على ما يجري في مصر حاليا، بدقة ورسوخ، وكذلك التنبؤ بما يمكن أن تكون عليه مسارات المستقبل السياسي في البلاد، لا بد له أن يذهب مباشرة إلى فحص ودراسة خيارات وانحيازات أربعة أطراف متشابكة ومشتبكة في المشهد العام وهي: السلطة السياسية، والقوى الثورية والحزبية المدنية، وجماعة الإخوان وأتباعها، وموقف القاعدة الشعبية العريضة. وهذه الاخيرة، إن حضرت غيرت موازين القوى، وحققت اختراقا
2013-09-10

عمار علي حسن

روائي وباحث في علم الاجتماع السياسي من مصر


شارك
بانتظار الزبائن في سوق الخليلي (أ ب)

من يسعى إلى الوقوف على ما يجري في مصر حاليا، بدقة ورسوخ، وكذلك التنبؤ بما يمكن أن تكون عليه مسارات المستقبل السياسي في البلاد، لا بد له أن يذهب مباشرة إلى فحص ودراسة خيارات وانحيازات أربعة أطراف متشابكة ومشتبكة في المشهد العام وهي: السلطة السياسية، والقوى الثورية والحزبية المدنية، وجماعة الإخوان وأتباعها، وموقف القاعدة الشعبية العريضة. وهذه الاخيرة، إن حضرت غيرت موازين القوى، وحققت اختراقا استراتيجيا واضحا، لاسيما إن انضمت إلى الطليعة الثورية.

الخيارات: تقاطع وتنابذ
والسلطة مخيرة الآن بين الحفاظ على النظام من خلال الجهد الأمني الفائق تحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت مكافحة الإرهاب"، وبين الانتصار للثورة بترجمة شعاراتها ومبادئها في سياسات عامة واضحة المعالم.
وأما القوى الثورية فأمامها ثلاثة طرق: 1ـ إما أن تتحالف مع السلطة المؤقتة في المرحلة الانتقالية أو التأسيسية، أو تصمت على سياساتها حتى ولو لم ترق لها خوفا على الدولة المعرضة لخطر الإرهاب، وإدراكا منها أن السلطة المؤقتة المنبثقة عن "ثورة 30 يونيو" في حاجة دائمة إلى غطاء سياسي قوي، 2ـ أو تعود إلى الميادين في مظاهرات احتجاجية جديدة قد تستغلها جماعة الإخوان في الضغط على أهل الحكم، 3ـ وإما أن تؤمن بأن الطريق الآمن لإثبات وجودها وتحقيق أهدافها هو التجهيز للمنافسة القوية في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة، باختيار قائمة موحدة للأولى، ومرشح واحد للثانية. ويكون عليها في هذه الحالة أن تطرح بدائل راسخة في كافة المجالات، وتقنع القطاع الأكبر من الرأي العام بأنها تشكل حلا أو وعدا جديدا لجموع المصريين.
وأمام الإخوان ثلاثة خيارات، الأول إلى الأمام، ويعني قيام الجماعة بمراجعة أفكارها وأدوارها وإبداء الاعتذار للمصريين عما بدر منها من فشل في الحكم وعنف ضد المجتمع واستهداف لمؤسسات الدولة. والثاني إلى الخلف وهو الاستمرار في المواجهة العنيفة، المفتوحة والسافرة، ضد الدولة وضد المجتمع، وهو خيار انتحاري من دون شك بالنسبة للإخوان الذين لا قِبل لهم ولا طاقة بإمكانات دولة قديمة، لاسيما أن الأغلبية الكاسحة من الشعب ستقف مع السلطة في مثل هذه المواجهة. والثالث هو الوقوف في المكان، وهو خيار تحايلي تقوم الجماعة بمقتضاه بتعويم جزء صغير منها في الحياة السياسية والاجتماعية، محاولة أن تحافظ على المشروعية والشرعية التي اكتسبتها بعد ثورة يناير مع بقاء الجزء الأكبر منها غاطسا، يتعاون مع الجماعات التكفيرية والتنظيمات الإرهابية لإنهاك أي نظام حكم قادم. وهذا هو الطريق المرجح أن يسلكه الإخوان في نهاية المطاف.
وأخيرا تأتي القاعدة الشعبية العريضة، وهي الرقم الأهم في المعادلة السياسية برمتها، لتتخير بين الاستقرار والرضا بما هو قائم أيا كان، أو الإصرار على استكمال الثورة التي لا تزال ناقصة حتى الآن، سواء كان هذا الاستكمال بالاحتجاج المباشر في الشوارع أو بالوقوف ساعات أمام طوابير الانتخابات، لانتخاب وجوه أو برامج ثورية، حال تبلورها واكتمالها.
وحاصل تفاعل هذه الخيارات التي تتلاقى في بعض النقاط وتتجافى في بعضها هو الذي سيشكل أبعاد المستقبل القريب، وربما المتوسط، في مصر، مع الأخذ في الاعتبار دور القوى الإقليمية والدولية التي ثبت أنها تؤثر، إيجابيا وسلبيا، على الوضع الداخلي المصري، لاسيما في الأزمات العاصفة التي تواجه الدولة، وتخلق ذرائع أمام التدخل الدولي أو تدفع بعض الأطراف للاستعانة بطرف خارجي مثلما يفعل الإخوان.

مسلك القوى الثورية
وقد يكون من المفيد في هذا المقام أن نفصل في شرح خيارات القوى الثورية والحزبية باعتبارها الأكثر تفاعلا مع الخيارات الأخرى، والتي من الممكن أن تحسم أمورا كثيرة. وتتوزع خيارات هذا الطرف على الاحتمالات الثلاثة الآتية:
1 ـ التحالف مع السلطة أو الصمت حيال أفعالها، والصبر عليها، خوفا على الدولة التي دخلت في مواجهة حاسمة مع الإرهاب. فكثير من هذه القوى يرى أن الوقت غير مناسب لممارسة ضغوط شديدة على سلطة مؤقتة تقع على كتفيها مهمة ثقيلة وهي إعادة الأمن إلى الشارع ومواجهة التآمر الدولي على البلاد، فضلا بالقطع عن مكافحة العنف المفرط والإرهاب الذي تمارسه جماعة الإخوان وحلفاؤها. ويعتقد هؤلاء أن الدفاع عن السلطة الحالية بوصفها نتاجا لثورة 30 يونيو، والجسر الواصل بين مرحلتين في تاريخ البلاد، عمل لا بد منه، لأن العكس يعني رفع الغطاء السياسي عنها، وتعريتها أمام خصمها الأول وهو الإخوان، بما يصب في صالح هذه الجماعة في النهاية.
2 ـ العودة إلى الميادين: وذلك للاحتجاج على السياسات القائمة باعتبارها لا تترجم مبادئ الثورة (عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية.. كرامة إنسانية) في الواقع المعيش، ومن منطلق الإيمان بأن ابتعاد السلطة الحالية أو القادمة عن "الخط الثوري" سيؤدي في النهاية إلى شحن رصيد غضب جديد في نفوس الناس وقلوبهم، لاسيما أن الثورة قامت أصلا نظرا لأن شروطها كانت قائمة بقوة في عهد حكم حسني مبارك، حيث تزوير الانتخابات، واستشراء الفساد، واحتكار القرار السياسي، وسطوة الأمن الغاشمة، والفجوة الطبقية الهائلة، والتجبر البيروقراطي الظاهر، وتراجع مكانة مصر إقليميا ودوليا.
والاحتجاج المباشر قد يؤدي إلى نتائج عدة أولاها إمكانية تنبيه السلطة إلى تأخر الاستجابة للثورة ودفعها إلى اتخاذ ما يلزم حيال هذا الاستحقاق المنتظر. وهذا بالقطع أكثر الاحتمالات أمنا وسلاما وعدلا أيضا. وثانيتها: عناد السلطة ومن ثم استمرار التظاهر بما يعرض مصر لتكون دولة فاشلة بعد أن نزفت كثيرا وطويلا نتيجة استمرار الاضطراب السياسي. وثالثتها، قيام جماعة الإخوان، إن كانت لا تزال في حالة مواجهة مع النظام الحاكم، باستغلال هذه الاحتجاجات من جديد لصالحها، وتحويلها كقوة دفع في الضغط على السلطة من أجل إجبارها على تقديم تنازلات لحساب الجماعة. وهنا يكون الثوار محل تلاعب جديد من قبل الإخوان، بعد أن تحولوا في النهاية إلى دفقة نقية من دم جديد تنساب في شرايين الجماعة فتقويها. والجماعة نفسها تراهن على هذا الخيار، فتطرح نفسها باعتبارها راعية ثورة يناير أو حارستها، حتى تخدع شباب الثورة الذين أزعجهم خروج بعض الوجوه لتشكك في ثورة يناير وتصفها بأنها كانت مؤامرة خارجية.
3 ـ مسار الانتخابات: أي إمكانية أن تكمل هذه القوى بالصندوق ما سبق أن بدأته بحناجرها الهادرة، وأياديها التي كانت تدق الهواء، أو بالسواعد التي واجهت قوات الأمن في ثورة يناير. لكن ما يجعل الثوار مترددين من المضي قدما في هذا الخيار أن إمكانياتهم المادية لا تزال محدودة، كما أنهم لم يتوحدوا بعد بالقدر الذي يتيح لهم منافسة أصحاب المال أو المستندين إلى ظهور قبلية وعشائرية وعائلية. كما يعرقل هذا الخيار حالة الضعف التي عليها الأحزاب السياسية المصرية في الوقت الراهن، وهي مشكلة مزمنة بدأت بعد عودة الحياة الحزبية عقب ثورة يوليو في مصر. لكن هذا العيب يمكن تفاديه إن توحد التيار المدني المرتبط بالثورة في هذه اللحظة الفارقة ليملأ الفراغ السياسي الكبير الذي تعيشه مصر في الوقت الراهن.

مقالات من مصر

الخوف!

يمكن للأمل معالجة الخوف. وأما تجسيد المخارج من الحال المدقع فيحتاج الى "خيال سياسي"، وهذا ليس شعراً بل أداة في العمل النضالي. وغياب الخيال السياسي (الذي تقع على المثقفين مهمة...

عاصمة أخرى لمصر، تتلافى "25 يناير" أخرى

أمنية خليل 2018-09-06

كان مشروع جمال مبارك و"لجنة السياسات" التخلص من المجتمع وهمومه والمسؤولية عنه، والاكتفاء بما قُدّر وقتها بـ5 ملايين مصري "نافع". وهنا فلن يتمكن الناس من الوصول الى العاصمة الجديدة، ولا...

للكاتب نفسه

أسباب فقر الخيال عند جماعة الإخوان

لا تمتلك جماعة الإخوان المسلمين قدرة على «التخيل». وهي تجري مدفوعة كعربة طائشة نحو نهاية فكرتها، وتحولها إلى سلطة غاشمة متجبرة وغبية. لم تقدم الجماعة للحياة على مدار تاريخها مفكراً...