المرأة الريفية في تونس: العمل غير المهيكل ومعضلة التأنيث

هناك تطابقٌ ما بين اللاهيكليّة والهامشيّة والفقر في أوضاع النساء الفلاحات في تونس.. والأرجح أن ذلك هو الوضع في كل مكان!
2020-02-16

فاتن مبارك

استاذة علم الاجتماع، من تونس


شارك
فرات شهال الركابي - لبنان

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المقال أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

يعاني المشهد الاقتصادي في تونس اليوم، بعد الحراك الذي أطاح بسلطة بن علي ونظامه،من كثير من المشكلات البنيوية والهيكلية المتمثلة خاصة في إخفاقات في سياسة التنمية والنهوض بالوضع الاقتصادي لمناطق البلاد المختلفة (يشار اليها ب"الجهات" في تونس)، ممّا أبقى على التفاوت الكبير في مستويات المعيشة في البلاد، وارتفاع نسب البطالة والفقر. وبالعودة إلى مؤشرات الفقر في تونس التي تقدر حالياً بنسبة 15.2 في المئة، نلاحظ تلك الفروقات بين المناطق، حيث بلغت نسبة الفقر في الريف التونسي 26 في المئة (1) ، وهي أعلى بكثير من المعدل الوطني العام، ومما يسجل في المناطق الساحلية خاصة. وهذا ساهم في ظهور تصدعات اجتماعية، ووسع من قاعدة الفئات المتضررة، التي شملت مختلف الشرائح المتوسطة والدنيا من عمال القطاع الخاص والقطاع غير المهيكل، وعمال المناولة والتعاقد الدوري...

التداعيات الاقتصادية والاجتماعية وتفاقم المشكلات

لم يتغير الوضع الاقتصادي كثيراً بعد سنوات من اندلاع الحراك الثوري في تونس. ارتفع معدل البطالة بشكل ملحوظ، إذ أفرزت نتائج المسح الوطني حول السكان والتشغيل للفصل الأول من سنة 2019 إلى تقدير عدد العاطلين عن العمل ب 637.7 ألف من مجموع السكان النشيطين، مقابل644.9 ألف في الفصل الرابع من العام السابق عليه. وتقدّر نسبة البطالة خلال الربع الأول لسنة 2019 لدى الذكور ب 12.4 في المئة و 22.6 في المئة لدى الإناث (2).

كما تعاني القطاعات الاقتصادية الحيوية من الكثير من المشكلات التي منعتها من التطور. فمثلاً لم تتطور القيمة المضافة لقطاع الفلاحة والصيد البحري في الاقتصاد التونسي منذ 2010 سوى بنسبة 9 في المئة، الأمر نفسه ينطبق على الصناعات التحويلية التي سجّلت نسبة 17 في المئة، والصناعات غير التحويلية نسبة 10 في المئة، وقطاع الخدمات نسبة 47 في المئة. ويُلاحظ أن تطور قطاع الخدمات هو الأعلى منذ 2010، بينما لم تتجاوز نسبة تطور المجالات الصناعيةال4 في المئة. كان لهذه الأوضاع تأثيرات مباشرة على التشغيل والإنتاج، ولعلّ ما زاد في تعميق الانكماش، هو الأزمة الليبية والمشاكل الحدوديّة. هذا بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف المعيشة، وخاصة أسعار المواد الاستهلاكية التي ساهمت في تشتيت الطبقات الاجتماعية، وأظهرت فئاتٍ اجتماعية كثيرة في تونس تعيش تحت خط الفقر.

النساء الريفيات الأكثر تضرراً

تعتبر النساء الريفيات في تونس الفئة الأكثر تضرراً في المجتمع التونسي، فهنّ يعملن بشكل رئيسي كمعيناتٍ بدون أجر في الفلاحة الأسرية، أو كعاملاتٍ موسميات بأجور متدنية وفي إطار غير مهيكل، ودون تغطية ضمان اجتماعي. حيث تظهر الإحصائيات أنّ 33.3 في المئة فقط من النساء الريفيات منخرطاتٌ في منظومة الضمان الاجتماعي (3). وهذه النسبة ضئيلة جداً مقارنة بعدد الريفيات العاملات في القطاع الفلاحي الذي يعتبر أحد ركائز الاقتصاد التونسي، حيث يمثل 9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر 16 في المئة من فرص الشغل، وهو يقوم بدرجة أولى على قوّة العمل النسائية، حيث يستوعب حوالي نصف مليون امرأة، أي ما يقدر بحوالي 43 في المئة من النساء الناشطات في الوسط الريفي، من بينهن 32.5 في المئة أجيراتٌ في إطار العمل غير المهيكل داخل المقاطع الفلاحية، والمزارع الكبرى.

العمل الفلاحي غير المهيكل: فضاء مؤنّث بامتياز

أصبح مفهوم "العمل غير المهيكل" جزءًا لا يتجزأ من مفردات القطاع الفلاحي من جهة، وركيزة معيش المرأة الريفية في دواخل تونس من جهة ثانية. وتوضح لنا هذه المعطيات المعيشية طبيعة التناقضات الاجتماعية الجديدة التي انضمت للتناقضات الطبقية القديمة، وظهور فئاتٍ وشرائح اجتماعية أخرى أكثر تضرراً. مما جعل من ظواهر التهميش والإقصاء برهاناً آخر على التجارب التنموية المعوّقة التي كانت تحاول الدولة تصريفها منذ سنوات، والتي فشلت في استيعاب الحياة اليومية لمجموع الفاعلين عموماً، والمرأة الريفية خاصة (4).

ساهم معيش المرأة الريفية الغارق في التهميش، والذي ظهر بشكل واضح على سطح الحياة الاجتماعية بسبب حوادث الموت الجماعي التي تتعرض لها النساء العاملات في المقاطع الريفية اللاتي يركبن ما سُميَّ في تونس "بشاحنات الموت". "فهن يجتزن مسافات طويلة تصل إلى 20 كلم، للوصول إلى موقع العمل بشاحنات أو جرارات فلاحية، تنقلهن لمقار أعمالهن دون حماية من حوادث الطريق الوعرة التي تسلكها تلك الشاحنات. ولقد بينت الإحصائيات أنّ 10.3 في المئة من العاملات في الأرياف هنّ ضحايا حوادث الشغل، منهن 21.4 في المئة معرضات لمخاطر حوادث العمل، و62.2 بالمئة يعملن في ظروف صعبة، و18 في المئة يعملن في ظروف صعبة جداً (5). ولكنهن يتواطأن رغم ذلك مع ظروف النقل الخطيرة والمزرية، بقبولهن لهذا الأمر من أجل ضمان استمرارية عملهن، ويعتمدن على "وسيط" ينقلهن، ويصبح الفاعلَ الرئيسي في تحديد مصيرهن في سوق العمالة الفلاحية. هذا السوق يرتكز أساساً على شبكة علاقات بين المرأة العاملة من جهة، وهذا الوسيط من جهة ثانية، الذي ينقلهن يتقاسم معهن الأجر الذي يتلقينه، وأخيراً ومن جهة ثالثة، صاحب الأرض الفلاحية.

تعمل النساء الريفيات في تونس كمعيناتٍ بدون أجر في الفلاحة الأسرية، أو كعاملاتٍ موسميات بأجور متدنية، وفي إطار غير مهيكل ودون تغطية ضمان اجتماعي. هناك 33.3 في المئة فقط من النساء الريفيات منخرطات في منظومة الضمان الاجتماعي، بينما يستوعب القطاع الفلاحي (الذي يوفر 9 في المئة من الناتج المحلي) حوالي نصف مليون امرأة عاملة.

ولذلك، وعلى الرغم مما يحيط بهذا الحقل العلائقي من ضعف مستوى التنظيم، وضعف الفصل ما بين العمل (أي العمل المأجور)، ورأس المال (أي صاحب الأرض الذي يكون في الأغلب قريباً مباشراً أو أحد أفراد العائلة الموسعة، أو أحد الفلاحين الكبار الذي يمتلك وسطاء أغلبهم أصحاب شاحنات تنقل هؤلاء النسوة)، إلا أنه يستمد مجال استمراره وقوته، من تقاطع علاقات العمل والعلاقات الفرديّة والاجتماعيّة السّائدة لدى العاملات ومنها خاصة علاقات القرابة، الأمر الذي يجعله يستمر في تشغيل النساء اللاتي لا يتلقين أجراً على الأعمال التي يقمن بها لأنهن يشتغلن في "أراضي العائلة". واللواتي لا يتلقين أجراً يمثلن 57.9 في المئة من العاملات في القطاع الفلاحي، على الرغم من أنّهن المعيلاتُ الرئيسيات لأسرهن فهنّ يتلقين مقابل أعمالهن في مقاطع العائلة إما نصيباً من الإنتاج، أو مساعداتٍ تنتهي بانتهاء الموسم الفلاحي.

ومن هنا يمكن أن نفسر ذلك التماثل ما بين اللاهيكليّة، والهامشيّة والفقر. حيث تعي النساء الريفيات حالة التهميش والدونية المُشَكِلة لحياتهن اليومية. فنظراً لقلة الفرص المتاحة تتجه النساء الريفيات للعمل في قطاع غير مهيكل ويمكن أن يُعرّض حياتهن للخطر، ولكنه يدخلهن في نمط من العلاقات يجعلهن يصنعن نظاماً من التبريرات السلوكية، التي تفسر من خلالها قبولهن لهذا النوع من العمل الذي يزيد من حالة التهميش التي تعيشها، والذي يجعلهن ضمن قائمة الفقراء الجدد بصيغة المؤنث (6) .

الفقر المؤنث

تعتبر المرأة الريفية في تونس أحد الفئات الهشّة داخل المجتمع التونسي، نظراً للوضع الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه. فهي مازلت رهينة ثقافة ذكورية تتغذى من استراتيجيات التربية التقليدية التي تحصر المرأة في الدور الإنجابي وفي شؤون الأسرة، دون الاعتراف بها كمعيلٍ رئيسي داخل العائلة، ومشاركٍ مهم في الناتج الداخلي الخام.

85 في المئة من عقود الملكية في الريف تعود للرجال. فعلى الرغم من اشتغال النساء في الممتلكات العائلية، وممارستهن للنشاط الفلاحي إمّا كأجيرات أو كمُعينات، ومساهمتهن الأساسية في تحقيق الأمن الغذائي، وتوفير الغذاء على المستوى الأسري والوطني، فإن نحو 60 في المئة من النساء الريفيات يواجهن الجوع وسوء التغذية.

ونظراً لغياب استراتيجية واضحة لإخراجها من دائرة التهميش واستغلال أصحاب الأراضي الفلاحية لها، فهي تدخل في دائرة الفقر الذي تتعدد مستوياته عندما يتعلق الأمر بالعاملات الريفيات في تونس اللواتي ليس لديهن قدرة على الحصول على الحاجيات الأساسية التي تتكون من الغذاء والملابس والسكن، حيث نجد أنّ 85 في المئة من عقود الملكية في الريف تعود للرجال (7) . فعلى الرغم من اشتغال النساءفي الممتلكات العائلية، وممارستهن للنشاط الفلاحي إمّا كأجيراتٍ أو مُعينات، ومساهمتهن الأساسية في تحقيق الأمن الغذائي وتوفير الغذاء على المستوى الأسري والوطني، فإن نحو 60 في المئة من النساء الريفيات يواجهن الجوع وسوء التغذية.

الفقر السوسيو-ثقافي

تعاني النساء الرّيفيات من الحرمان من الرعاية الصحية والتعليم حيث سجلت تونس نسبة 25 في المئة أمية في صفوف النساء الريفيات، مقابل 15 في المئة عند الرجال الريفيين. من جهة أخرى تعاني النساء الريفيات من الحرمان الاجتماعي، والذي يندرج ضمن أبعاد الفقر التي قد تطال الفئات الاجتماعية، وهو مرتبط بالتباينات الهيكلية المختلفة كالبنى التحية، والإطار التشريعي، والاستفادة من الخدمات الوطنية، حيث نجد أن 73.5 في المئة من العاملات في هذا القطاع غير مؤمنات ضد الأخطار المهنية. هذا إضافة لغياب الإطار القانوني الذي يقنن العمل الفلاحي الموسمي، باعتبار أن المرجع الوحيد هو قانون الشغل التونسي الذي يحدد فقط طبيعة العقد (لمدة محددة أو غير محددة)، وبالتالي لا يتكيف مع طبيعة العمل الموسمي، إذ تبلغ نسبة الأجيرات الثابتات 8.3 في المئة مقابل 38 في المئة من الأجيرات غير الثابتات، وهذا ما يزيد من هشاشة وضعهن ويعرضهن أكثر للاستغلال الاقتصادي.

انعدام الأمن الاقتصادي للمرأة

تعتبر الفجوة في الأجور بين الجنسين، من أهم أسباب انعدام الأمن الاقتصادي للمرأة الريفية التي تتلقى مقابل عملها في القطاع الفلاحي – حين تكون أجيرة بثمن - 11 ديناراً، في حين يتلقى الرجل 20 ديناراً مقابل العمل نفسه دون احتساب الساعات الإضافية (8) . هذا الدخل المنخفض في صفوف النساء الريفيات زاد من تفاقم دورة الفقر الذي تعددت أبعاده، وتداخلت فيه العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يمكن أن نفسر من خلالها هذا الفقر المؤنث الذي يُظهر انعدام العدالة الاقتصادية تجاه النساء الريفيات، الأمرُ الذي يصبح في النهاية حلقة لإضعاف قدرة المرأة المُعيلة خاصة على كسب دخل أعلى. فينتقل الحرمان بذلك من جيل إلى آخر من النساء ، مما يؤدي إلى تأنيث دائم للفقر وإلى عنف اقتصادي متعدد الأبعاد.

ناضلت الحركة النسوية في تونس للوصول إلى المساواة بين الجنسين في جميع الفضاءات العامة، وخاصة في فضاءات العمل. ولكن واقع التشغيل في البلاد، وحياة اليد العاملة النسوية في مجال قطاع الفلاحة غير المهيكل أثبتا أن تأنيث هذه الأعمال لا يكفي لتحقيق المساواة، والاكتفاء الاقتصادي للنساء، بل صار التأنيث مدخلاً لمزيد من الاضطهاد.

يبدو لنا أنّ ظاهرة تأنيث الفقر ليست فقط نتيجة لنقص الدخل، ولكن أيضاً ناتجاً عن الحرمان القائم على فقر الخيارات والفرص. فبسبب تفشي الأمية بينهن الذي ساهم في إفقار الخيارات المعيشية عندهن، يلجأن للعمل غير المهيكل لضمان العيش ليس لهن فقط، وإنما للعائلة التي ترأسنها، حيث تسجل تونس 52,5 في المئة من العائلات المعوزة (المنتفعة من البرنامج الوطني لمساعدة العائلات المعوزة) تعيش في ظل امرأة كرئيسة عائلة (9).

عنف اقتصادي متعدد الأبعاد

تحيلنا هذه الوضعية الهشة لقطاع العمل الفلاحي في تونس إلى تساؤلاتٍ حول مسألة المساواة التي طالما ناضلت من أجلها الحركة النسوية. فمسألة المساواة بين الجنسين في جميع الفضاءات العامة، وخاصة فضاءات العمل. اعتبِرت مسألة التأنيث أحد أهم ديناميّات العدالة الاجتماعية والاقتصادية للمرأة، وأنه من الواجب النضال من أجل أن يتم تأنيث بعض فضاءات العمل التي كانت ذكورية محضة. ولكن واقع التشغيل في تونس ومعيش اليد العاملة النسوية في مجال قطاع الفلاحة غير المهيكل أثبتا أن تأنيث هذه الأعمال لا يكفي، وإنما زاد من تعميق هشاشة النساء كفئة اجتماعية، وساهم في جعل تأنيث العمل الفلاحي وسيلة لأصحاب المزارع ليستغلوا الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية لليد العاملة النسوية، وتصبح مقيدة بعنف اقتصادي متعدد الأبعاد، والذي يتمثل أساساً في تضييقمجال الإمكانيات التي يمكن أن تساعدها لتوفير وضع اقتصادي مريح من جهة، والتصدي لعملية المصادرة لحرياتها الشخصية من جهة ثانية، بسبب تفشي هذا النوع من العنف المسلط عليها الذي يدخلها في حقل "الحريات السلبية" التي تمنعها من استغلال الفرص المتاحة أو الفرص الممكن أن تتاح لها، بسبب:

1) عدد ساعات العمل الطويلة، والأعمال الشاقة الموكلة لها:
تُظهر الإحصائيات أنّ هناك ما يزيد عن 70 في المئة من النساء الريفيات يشتغلن بين تسع وثلاث عشرة ساعة يومياً، وهو ما يخالف "مجلة الشغل التونسية" (قانون العمل). كما توكل للمرأة مهام الجني في 64.5 في المئة من الحالات، وبنسبة 78 في المئة في مقاومة الأعشاب الضارة والبذر في الضيعات الخاصة من جهة أخرى، وتصنف هذه الأعمال ضمن خانة الأعمال الشاقة.

2) التبعية الاقتصادية:
تعاني المرأة الريفية من تبعية اقتصادية لفائدة الرجل، وهذه التبعية تدخل في خانة العنف الاقتصادي الذي تعيشه العاملة الريفية، حيث نجد 19.7 في المئة فقط من الريفيات يتوفرن على دخل خاص، منهن 4.07 في المئة فقط تُقمن مشاريع فلاحية، مقابل 80 بالمئة منهن لا يزلن في حالة تبعية اقتصادية تامة للرجل، مما يحرم المرأة الريفية من فرصة التحرر الاقتصادي الذي يمكن أن يساعدها من الخروج من دائرتي الفقر والتهميش على المستوى الاجتماعي والاقتصادي.

3) حياة يومية قائمة على الإقصاء :
تختار أغلب الريفيات الاستغناءَ عن حقهن في الميراث، وهذا ما يقلل من فرصهن للتحرر من التبعية الاقتصادية من خلال بعث مشاريع صغيرة يمكن أن تحميهن من العمل غير المهيكل في القطاع الفلاحي. ويدخل هذا الأمر في خانة الإقصاء - الذي يكون كلياً أو جزئياً - من حقها في الميراث الذي يحرمها من ملكية الأراضي أو العقارات والذي يمكن أن يمنحها فرصة الاقتراض من البنك.
كما أن عدم تدوين المنتجات والخدمات التي تقوم بها المرأة الريفية بدون أجر في الإحصاءات الرسمية هو نوع من الإقصاء الإحصائي، باعتبارها أعمالاً تدخل في خانة الوجبات العائلية، على الرغم من أنّ هذا العمل المنزلي بدون أجر يساهم في الناتج الداخلي الخام بنسبة 64 في المئة، "حيث تقضي النساء الريفيات 77.6 في المئة من الوقت يومياً في الأشغال المنزلية بدون أجر (العناية بالأطفال والمسنين، العناية بالبيت، الطبخ، التسوق، جلب الماء، الأعمال الفلاحية...)، في المقابل لا تشغل الأعمال المنزلية إلا 9.4 في المئة من أوقات الرجال يوميا" .
يساهم هذا الإقصاء في جعل المرأة الريفية منحصرة في الأعمال المنزلية والأعمال غير المهيكلة مما يزيد من تشتت قدراتها وإمكانياتها، والتقليل من فرص التنظّم في هياكل اقتصادية تساعدهاعلى نمو الفرص والإمكانيات التي يمكن أن تتاح لها.

4) انعدام الاعتراف: يعتبرالاعتراف بدور المرأة الريفية في مجال العمل الفلاحي جزءاً مهماً من العدالة الاقتصادية، ولكن ما تمارسه المرأة الريفية في تونس من أعمال غير مهيكلة هو دليل على الاستغلال الاقتصادي الذي من شأنه أن يحرمها من الموارد الاقتصادية (كالحرمان من المال أو الأجر) أو الاحتياجات الحيوية، ومن التحكم في أجرها. وبالتالي بعدم الاعتراف لها بمساهمتها في الدفع بعجلة الاقتصاد الوطني، على الرغم من أنها الفاعل الأساسي فيها بأعمالها غير الهيكلية التي تؤسس لمعيشها اليومي.

خلاصة

لا يمكن أن ننكر أنّ المجتمع التونسي يعاني حالياً من أزمة بجميع المقاييس، تعود إلى عدة أسباب، أهمها أن الفاعل الاجتماعي لم يعد يتعامل بثقة مع المنظومة السائدة. فالشعور بغياب العدالةالاجتماعية، وتأجيل المحاسبة السياسية والاجتماعية التي ساهمت في ظهور فئة جديدة من ذوي النفوذ في المجتمع بالمال والثروة والتسلط السياسي والاجتماعي، وضعف تكافؤ الفرص في المشاريع والحقوق الاجتماعية الطبيعية والمدنية، وغلاء الأسعار بصورة عامة، يمثل مناخاً ملائمًا لظهور الأعمال غير المهيكلة في جميع القطاعات. وانتشار هذه الظاهرة في القطاع الفلاحي بشكل خاص يعود أساساً لهشاشة الفاعلين المشتغلين فيه، وخاصة اليد العاملة النسائية.

كما تبدو الدولة أيضاً، بجميع هياكلها، غير قادرة على تقديم حلول تغطي العجز الإصلاحي الذي يطالب به الفاعلون داخل المجتمع على اختلاف مستوياتهم. لذلك ظهر نقاش حول دور رؤوس الأموال الوطنية (ونقصد هنا المستثمرين التونسيين في علاقة باستراتيجيات الدولة في مجال الاستثمار، أي بتمكينهم من فرص الاستثمار، وعدم التعويل على الاستثمار الأجنبي الذي أقفل مصانعه ومشاريعه بسبب الحراك الثوري 2011)، وكيف يمكنها أن تلعب دور الوسيط بين المواطن والدولة من أجل تحقيق مصالحه، وحول نوعية الهياكل التي تعمل ضمنها، وحول الأهداف التي تتأسس من أجلها هذه الشبكة المعقّدة منالمؤسسات السّياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل في ميادينها المختلفة، في استقلال نسبي عن المجتمع السّياسي لتحقيق أغراض متعدّدة، منها الدفاع عن المصالح الاقتصادية والارتقاء بمستوى المعيشة وتحقيق التنمية وفي جميع المناطق والتخلّص من ظاهرة المركزية التي أفشلت سياسات التنمية منذ الاستقلال وحتى اليوم والتي ساهمت في زيادة الفروقات الاجتماعية بين الفاعلين داخل القطاعات المنتجة، والتي تحتاج هي بدورها لإعادة هيكلة واستراتيجياتِ تنمية مغايرة.

محتوى هذه المطبوعة هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

______________

1- قسم الدراسات والتوثيق للاتحاد العام التونسي للشغل سنة 2017.
2- المسح الوطني للسكان للفصل الأول من سنة 2019.
3-حسب ما أفادت به مديرة العلاقات مع المضمونين وهياكل الضمان الاجتماعي بالإدارة العامة للضمان الاجتماعي.
4- مبارك فاتن،" المرأة الريفية في تونس: حفريات في المعيش "، مؤسسة مؤمنون بلاحدود، 29.05.2019
5- إحصائيات وزارة المرأة والأسرة آب/اغسطس 2016.
6- مبارك فاتن،" المرأة الريفية في تونس: حفريات في المعيش، مرجع سابق...
7- تقرير اليونسكو، تونس 2015.
8- نتائج دراسة قامت بها "جمعية النساء الديمقراطيات" حول ظروف عمل المرأة الريفية،والتي شملت 25 معتمدية من الجمهورية التونسية، سنة 2015.
9-إحصائيات وزارة المرأة والأسرة، مرجع سابق...

مقالات من تونس

تونس: مثقفون هاربون من السياسة

لم تكن النخب الثقافية في تونس تتوقع أن يحدث تغيير جذري يطيح بالنظام، بل أن يُحْدِث النظام إصلاحات سياسية تتعلق بحرية التعبير والتعددية السياسية. تهاوي النظام كان الصفعة القاسية لغالبيتها،...