غزّة: حرب على النفوس

تلاوة الإحصائيّات التي تلخّص الأوضاع، مهما صَعقت، فهي قلّما تلتقط أحد العوامل المركزية في مأساة غزّة: التأرجح الدائم على حدود انفجار الكارثة – وهو تأرجح تصنعه إسرائيل بشكل إرادي ومقصود لذاته.
2020-01-09

مجد كيّال

كاتب فلسطيني من حيفا


شارك
محمد مسلّم - غزة، فلسطين

تتكرّر العناوين كأنّها نبوءات عن نهاية العالم. يقولون غزّة ستصبح منطقةً غير صالحة لعيش البشر في العام 2020. تسابقت الصحف على عتبة السنة الجديدة لتمتحن التوقّع الذي قدّمته الأمم المتّحدة في تقريرها الشهير الصادر عام 2012، والذي أعادت التأكيد عليه في 2017، مشددةً على أن التدهور الذي نراه أسرع وتيرةً حتّى من المتوقّع. عناوين الصحف، مثل الغارديان وواشنطن بوست وغيرهم، لا تبدو أكثر من تذكيرٍ رماديّ مكرّر بالقضيّة التي رفع العالم يديه عنها، مانحاً إسرائيل ضوءاً أخضرَ للمضي بجرائمها.

لكن تناول المسألة من هذا المنظور، كأنها قصة "deadline" لثبوت رؤيا الأمم المتّحدة، قد لا يلمس حقيقة المعاناة المستمرة في غزّة. الضّرر الذي أحدثته إسرائيل في القطاع غير قابل للإصلاح ولا رجعة عنه، لا على المستوى الإنساني ولا على المستوى المادي. لقد فُرضت ظروف جعلت غزّة منطقةً غير صالحة لسكن البشر منذ سنوات: تركت الحروب وسنوات الحصار أثرها عميقاً في الناس. ففوق خسارة آلاف الأرواح والأجساد الغالية، بترت الحروب آلاف الأجساد ومئات آلاف النفوس (إن لم نقل مليونين) التي زُرعت فيها الصدمات والاضطرابات النفسيّة التي ستتوارثها الأجيال لا محالة. خلّفت الجريمة الإسرائيلية جيلاً كاملاً صار الآن في ريعان شبابه، لا يعرف من حياته شيئاً سوى الحصار والخنْق وانسداد الأفق، وأحدثت في المجتمع شروخاً سبل الشفاء منها وعرة. وعلاوةً على هذا كله، تسبّبت إسرائيل عمداً بأضرارٍ بيئية مروّعة، لوّثت الهواء والماء والأرض بشكلٍ مستدام. 97 في المئة من مياه غزّة غير صالحة للشرب، وبالتالي تُلوِّث الري والأرض والزرع الذي يأكل منه الناس. غير تلويث مياه البحر بسبب وقف محطّات تكرير مياه الصرف الصحي، وما يترتّب على ذلك من تلويث للثروة السمكيّة، وغيرها مما لا يُحصر من الأضرار.

التأرجح على حدّ المأساة

على الرغم من ذلك، فإن الحدود الفاصلة بين "الكارثة الإنسانية" من عدمها، وبين الصالح وغير الصالح للعيش، وبين مختلف التعريفات القانونية التي تجعل من المأساة حدوداً يمكن قياسها، تستحق تمعّناً من جانبٍ آخر. إذ أن تلاوة الإحصائيّات التي تلخّص الأوضاع، مهما صَعقت، فهي قلّما تلتقط أحد العوامل المركزية في مأساة غزّة: التأرجح الدائم على حدود انفجار الكارثة – وهو تأرجحٌ تصنعه إسرائيل.

تتحكّم إسرائيل بكل المنافذ وتحافظ على أن يحصل أهالي غزّة على حدّ أدنى من إمكانيات العيش، وتُغيِّر شكل هذا الحد الأدنى بشكلٍ مستمر، فتمدّ الموت النهائي حتى أجلٍ غير مسمّى ليصبح الحديث عن "الكارثة" أشبه بالأسطورة التي لا تخيف أحداً. وهو ما يسمح لإسرائيل بأن تواصل الاستفادة من الحصار. بكلمات أخرى: لا يمكن فهم سياسة إسرائيل باعتبارها تجويعاً وخنقاً فحسب، إنما يجب النظر إلى شكل ووتيرة هذا التجويع والخنْق، وما فيه من تحوّلات مصطنعة وتغييرات تهدف أساساً إلى إبقاء الناس معلّقين دون يقين أو قدرة على التوقّع. وتُبقي إمكانيّات حياتهم، دائماً، رهينةً لرضوخهم السياسي. هذا عنصر أساسيمن عناصر السياسة الإسرائيلية في غزّة.

تتعامل إسرائيل مع غزّة بمنطق التعذيب: لا تترك المعتقل يموت، تُعذّب بعقلانيّة وتروٍ لتُنهك الجسد والعقل. تتحكّم بالأكل والشرب والنوم والخروج والدخول. تزيد جرعة الدواء أو بعض الوقود كلّما كانت غزّة على شفى انهيارٍ مفصلي في جهاز الصحة. تغلق المعابر وتمنع الخروج بالمطلق كلّما رفعت غزّة رأسها، وتكافئ بزيادة مساحة الصيد كلما طأطأت حماس رأسها. ويمكن لهذا أن ينسحب على كل شيء: من تصدير الخضار من غزّة، إلى الخروج للدراسة خارج القطاع، إلى إدخال مواد البناء أو الآلات الموسيقية، وإلى تحلية المياه. تسيطر إسرائيل على كافّة مجالات الحياة في قطاع غزّة، كلّها دون استثناء، ودون أيّة مبالغة. وتُمكّنها هذه السيطرة من تحويل كافّة مجالات الحياة (حتى أبعدها عن السياسة) إلى سلاح لتعذيب أهالي القطاع. وكلّها تصبح ميداناً تهدم فيه إسرائيل أية إمكانيّة للاستقرار والتعوّد واليقين.

تصنع إسرائيل حياةً يومية لا يمكن توقّعها، وتتأكد من أن يكون الغد ضبابياً قدر الإمكان، وتُعَثِّر كل إمكانية للتخطيط والتأكّد. تفتعل التغييرات دون أي حاجة، أي أنها اعتباطيّة إلى حدٍ بعيد، وقانونها الأول أن تُبقي المنطق من وراء هذه التغييرات مجهولاً... إن كان لها منطق أصلاً.

أنت تعيش عمراً كاملاً في مثل هذا الظرف، دون أن تُدرك علام ستستيقظ يوم غد. هذا هو العدوان الفتّاك بعينه على حياة الناس: على نفسيّة الناس وعقلهم على صحّتهم ومعيشتهم، مخططاتهم وقراراتهم في كل مجالات الحياة. هذا سلب حقيقيّ وفظيع للحد الأدنى من إمكانيّة العيش، وهو ما يجعل غزّة مكاناً غير صالح للعيش... منذ اليوم الأول للحصار.

مجال الصيد مثلاً

قصة حصار الصيّادين نموذجٌ لطبيعة التحكّم الإسرائيلي الذي يعتمد على التضييق المستمر، المتغيِّر وغير المتوقّع، الذي أدى إلى تدمير أحد أهم القطاعات الاقتصادية في غزّة. قبل الحصار، عمل في غزّة أكثر من 10 آلاف صيّاد مسجّل لدى وزارة الزراعة، ووصل عددهم اليوم إلى 3.700 صيّاد فقط، وهم يعيلون أكثر من 18.000 نسمة. ولا يتعدّى عدد الصيّادين ممن يزاولون المهنة برتابة أكثر من 2.000 صيّاد، بينما يعمل الآخرون في الصيد بمعدّل مرةٍ في الشهر.

بحسب منظّمة "مسلك" الإسرائيلية المعنيّة بشؤون حرية الحركة، غيّرت إسرائيل مجال الصيد الذي تسمح للصيّادين الغزيين العمل فيه 20 مرّة خلال العام 2019 فقط، منها 9 مرّات قلّصت فيها المجال، و4 مرّات منعت فيها الاصطياد كلياً. منذ بداية الحصار تتلاعب إسرائيل في مسافات ومناطق مجال الصيد، 3 أميال بحريّة تارةً، و6 أميال تارةً أخرى، 10 اليوم، 15 غداً، 9 بعد غد. ويكون تغيير المجال أحياناً في الشواطئ الشمالية، ثم في شواطئ جنوب القطاع. ويكون سببه اليوم عقوبة سياسية، وغداً موسم السردين.. وهكذا تبقى الأمور ضبابية إلى أجل غير مسمّى.

تصنع إسرائيل حياةً يومية لا يمكن توقّعها، وتتأكد من أن يكون الغد ضبابياً قدر الإمكان، وتُعَثِّر كل إمكانية للتخطيط والتأكّد. تفتعل التغييرات دون أيّة حاجة، أي أنها اعتباطيّة إلى حدٍ بعيد، وقانونها الأول أن تُبقي المنطق من وراء هذه التغييرات مجهولاً... إن كان لها منطق أصلاً.

لكن ما يجعل الأمر شديد الخطورة أنّ متابعة هذه التغييرات هي مسألة حياة وموت، إذ أن تجاوز مجال الصيد المسموح قد يؤدّي إلى مهاجمة قوارب الصيّادين، اعتقالهم واحتجاز القوارب لسنوات طويلة، ما يؤدّي إلى خسارة مطلقة لإمكانيّة الصيد، ويضيف المزيد من الصيادين إلى نسب البطالة التي وصلت في العام 2018 إلى 52 في المئة. وهذا كلّه في أحسن الأحوال، أما في أسوأها، فيتعرّض الصيادون إلى إطلاق نارٍ أدى في حالات عديدة إلى ارتقاء شهداء.

لا يتوقّف التنكيل الاعتباطي هنا: طالب الصيّادون، من خلال مؤسسات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية، باستعادة قواربهم المحتجزة لدى إسرائيل إثر هذه الاعتداءات. بعد أن رفضت إسرائيل الاستجابة لمطالبهم، قدّمت المؤسسات الحقوقية التماساً للمحكمة العليا لاستعادة القوارب. وبعد جلسات المحكمة أعلن الجيش عن نيّته إعادة القوارب إلى أصحابها.عاد بالمحصلة 66 قارباً، منهم 24 قارباً آلياً، لكنّها جميعها عادت بأوضاع سيّئة جداً، كما أنّها أعيدت دون المُحرّكات، ودون شباك الصيد، دون أجهزة الـ GPS، ودون أجهزة اكتشاف تجمّعات الأسماك. وإن أصرّ الصيادون على إصلاح مراكبهم لاستخدامها من جديد، وجدوا أنّ إسرائيل تمنع دخول الألياف الزجاجيّة (فيبرغلاس) وهي المادة الأهم لترميم القوارب، كما تمنع دخول المحركات الكهربائية والحبال الفولاذية، والمعدّات لصناعة شباك الصيد.

هكذا، تستمر إسرائيل في تغيير تعليماتها، وهي كلما فتحت منفذاً أغلقت آخر، وكلما لبّت حاجة خلقت حاجةً من جهةٍ أخرى. وعلى الرغم من أهميّة جهود تخفيف الحصار، إلا أنّ الحقيقة أن كل إنجازٍ من هذا النوع يقابله تغيير إسرائيلي جديد يلقي بثقله على كاهل الناس.

"تسهيلات جديدة"

تنشر صحف فلسطينية وإسرائيلية هذه الأيام عن "تسهيلات" تناقشها الحكومة الإسرائيلية. وتأتي هذه "التسهيلات" في سياق ركود مسيرات العودة، و"استجابةً إسرائيلية" لامتناع حماس عن رفد المسيرة بكوادرها، وهو ما ظهر من وقف نقل المتظاهرين بالحافلات المنظَّمة إلى الشريط الحدودي، ما اعتبرته إسرائيل إشارة تهدئة من قبل حماس. ويُمكن أن نرى السياق الأوسع أيضاً، وهو "المكافأة" الإسرائيلية على رد فعل حماس "المنضبط" على جريمة اغتيال الشهيد بهاء أبو العطا، القيادي في الجهاد الإسلامي. وقد يصح القول إن إسرائيل أقامت اعتباراً لجديّة حماس في قبول الانتخابات التي أعلن عنها الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس، ونبّهت إسرائيل إلى الإمكانية الواردة بأن تتنازل حماس عن احتكارها للسلطة في القطاع. وهو سيناريو حساس إسرائيلياً إذ يتناقض مع استراتيجية الفصل بين الضفّة وغزّة التي تتبناها حكومات إسرائيل علناً.

غيّرت إسرائيل مجال الصيد الذي تسمح للصيّادين الغزيين بالعمل فيه 20 مرّة خلال العام 2019 فقط، منها 9 مرّات قلّصت فيها المجال، و4 مرّات منعت فيها الاصطياد كلياً. وما يجعل الأمر شديد الخطورة أنّ متابعة هذه التغييرات هي مسألة حياة وموت، إذ أن تجاوز مجال الصيد المسموح قد يؤدّي إلى مهاجمة قوارب الصيادين.

ضمن التسهيلات، بدأت إسرائيل مسبقاً بالسماح بتصدير التوت من قطاع غزّة إلى أسواق الضفة والخليج وحتى بريطانيا، كما وسّعت مجال الصيد يوم 24 كانون الأول/ديسمبر إلى 15 ميلاً بحرياً(بعد أن قلصته إلى 10 أميال بحرية قبلها بأسبوع واحد فقط!)، ويستمر العمل الإسرائيلي على خط إمداد الكهرباء المسمّى "خط 161" المموّل قطرياً (والذي تستطيع إسرائيل التحكّم فيه بشكلٍ دائم).

أما المطروح على طاولة الحكومة الإسرائيلية، فهو السماح بإدخال الإطارات المطاطية إلى غزّة، والتي مُنع دخولها إلى غزّة قبل أكثر من عام إثر مظاهرات "الكاوشوك" التي استخدم فيها المتظاهرون دخان الإطارات لحجب رؤية قنّاصة الاحتلال. وقد أوقع هذا المنع خسائرَ كبيرة في قطاعات عدّة. وأيضاً تناقش الحكومة الإسرائيلية إمكانية السماح بإدخال المواد المستخدمة في إصلاح القوارب، كما تناقش السماح لعدد يتراوح بين 3.000 و5.000 عامل من قطاع غزّة بالدخول للعمل داخل الأراضي المحتلّة عام 1948، وهو ما بدأت إسرائيل تجربته في الشهورالأخيرة بهدوءٍ شديد وبشكلٍ غير رسمي.

صمود دون بنية صمود

لا شك في استفادة أهالي غزّة من هذه التسهيلات، ولا استهتار أبداً في أي تخفيفٍ للحصار قد يُسعف الناس ولو بالحد الأدنى. إنما الحقيقة أيضاً أنّ جميع الخيارات المطروحة هي خيارات تعزّز الخضوع لإسرائيل، وكلها ماضية نحو توطيد التبعيّة للحكم العسكري الإسرائيلي. ليس لدى حركة حماس، خاصةً بعد صعود السيسي إلى الحكم في مصر، أيَّ خيارٍ استراتيجي غير "فك الحصار" من خلال الآليات التي يتيحها الاحتلال. وهي لم تمتلك حتى إبّان حكم الإخوان المسلمين في مصر أية رؤيا داخلية سوى الاستفادة من الإمكانيات الإقليمية التي أتيحت لها. بهذا الشكل، فإن أيّ خروجٍ من الحصار هو خروجٌ إلى سجنٍ أكبر، تُبقي إسرائيل قبضتها حوله وتستطيع، في أيّة ساعة وإثر أيّة مظاهرة، أن تُعيد الوضع إلى ما كان عليه. ولو حدث ذلك، فإن كلّ الرعب الذي زرعته إسرائيل في قلوب الناس على مدى سنوات طويلة من الجرائم بحقّهم، قد يدفع إلى الأمام بقوة اجتماعية تتمسّك بأي فُتاتٍ يُمنح لها بمقابل عدم العودة إلى المربّع الأول، حتّى لو كان ذلك على حساب تنازلات سياسية عميقة.

قدّم الناس في غزّة صموداً أسطورياً، كما قدّمت المقاومة، وعلى رأسها حماس، نضالاً صلباً وجبّاراً في مواجهة الاحتلال، وصمدت لأنها من الناس وفيهم. ومن الواضح أن الحصار وظروفه القاهرة لم يفسح للمقاومة متنفساً لتأسيس تجربة اقتصادية واجتماعية توفّر الحد الأدنى من الاستقرار للناس بمقابل وتيرة التغييرات الدائمة. أمام هذا، ناضلت المقاومة لتخفيف هذا الضغط الإسرائيلي على الناس، وعملت على جمع الدعم الخارجي لتحسين الأوضاع من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى تفنّنت في رفع الضرائب (من القمح إلى الدخان إلى الملابس المستعملة – "البالة"). إنما هل حاولت تقديم رؤيةٍ جذرية بديلة، حتى وإن كان تطبيقها الفوري متعسراً؟ وإنما يمكنها أن تمثل أفقاً يتمسك به الناس ويدعون له ويوحدهم، تلمساً لتوجّه أولي لبنية اقتصادية واجتماعية لا تترك الناس وحدهم يكابدون اعتباط وتعسّف الاستعمار؟ تصعب الإجابة بـ"نعم".

مقالات من فلسطين

وصْل في العزل: سينما فلسطين على شاشاتنا

صباح جلّول 2020-07-24

انشأت مؤسسة الفيلم الفلسطيني "منصة الأفلام الفلسطينية"، وعرضتها مجاناً على الانترنت، وكانت فرصة نادرة للاطلاع على ما قُدّم في السينما في فلسطين وعنها، وهو كسر للحصار الذي سبق كورونا، وزادته...

ربع الأسر في غزة تعيلها نساء

إصرار نساء غزة على العمل جعل الصورة النمطية السائدة في المجتمع تتأقلم مع الواقع المفروض، ولا سيما بعد ثلاثة حروب متتالية على القطاع. فقد ارتفعت نسبة النساء المعيلات الرئيسيات لعائلاتهن،...

للكاتب نفسه

وباءٌ في بلادٍ ممزّقة: تقرير من فلسطين

مجد كيّال 2020-04-09

العجلة والتشديد في فرض اجراءات الحجز يشيران إلى إدراك السلطات ووعيها لكارثيّة الأوضاع الصحية والطبية، ولحقيقة أنّ تفشي مثل هذا الوباء في مكانٍ مثل قرانا ومدننا ومخيّماتنا -بما فيها من...