"يا شاكي النوب إنهض طالباً حلبا"

لطالما حلمتُ، أنا التي عشقت التاريخ ودرسته في جامعة دمشق، أن أقوم بجولة في مدن بلدي الكثيرة والموغلة في القدم. وحَلَبُ واحدة من تلك المدن، رغم أنه لم يتسنَ لي كثيراً زيارتها إلا في طفولتي. ولكني رسمت صورتها من خلال ما قرأته في كتب الأقدمين ومما وصفها به الرحالة والشعراء والمؤرخون والعاشقون. حلب هي عبق الزيت والزعتر الحلبي وأول ما يباغت ذاكرتي كلما عدت لسنين طفولتي الأولى وتذوقت طعم
2012-10-10

عبير حيدر

كاتبة من سورية


شارك
من دفتر:
مدن سوريا
جامع فاطمة الزهراء في حيّ الإذاعة - حلب (من الفايسبوك صفحة "عدسة شاب حلبي")

لطالما حلمتُ، أنا التي عشقت التاريخ ودرسته في جامعة دمشق، أن أقوم بجولة في مدن بلدي الكثيرة والموغلة في القدم. وحَلَبُ واحدة من تلك المدن، رغم أنه لم يتسنَ لي كثيراً زيارتها إلا في طفولتي. ولكني رسمت صورتها من خلال ما قرأته في كتب الأقدمين ومما وصفها به الرحالة والشعراء والمؤرخون والعاشقون. حلب هي عبق الزيت والزعتر الحلبي وأول ما يباغت ذاكرتي كلما عدت لسنين طفولتي الأولى وتذوقت طعم «قضوضة» الزعتر الرفيقة الدائمة لحقيبتي المدرسية كل صباح.
منذ أعلنت مدينة حلب تمردها وشرَّعت أبوابها الستة عشر للحرية، تغيرت ملامح المدينة التي قطنت مخيلتي، ولم تعد تلك المدينة العظيمة الواسعة، كثيرة الخيرات، طيبة الهواء، صحيحة الأديم والماء...، كما وصفها ياقوت الحموي في كتابه «معجم البلدان». فحلب تحولت الآن إلى رمادٍ ببشرها وأحيائها وتراثها وثقافتها، بفعل طائرات الميغ والمدافع الثقيلة وقذائف الدبابات، وامتزج هواؤها النقي برائحة الدخان والدم المسفوك والبارود. وتبدل مزاج أهل حلب الرائق دائماً من مُتع القدود الحلبية والموشحات، وصار نشيجاً للموتى وأنيناً للمعذبين في السجون، وتبدّد عُشقهم للموسيقى ليحل مكانه أزيز الرصاص وهدير الطائرات، وتلاشت شهيتهم للطعام الطيب، المبدعين بصنعه، بعدما غطى الدم أرغفة الخبز والأرصفة.
أصعد إلى أعلى التلة حيث قلعة حلب رابضة وسط المدينة لأشهد إحدى أقدم المدن وأعرقها، تحترق. أرى المتنبي واقفاً هائماً حائراً أمام بيته في المدينة العتيقة بالقرب من سور القلعة، وما من أحد في انتظاره إلا الأسواق المشتعلة والرياض العطشى والجثث الملقاة في الشوارع. وكما فعل خليل حاوي حين توحدت مأساته الشخصية بمأساة وطن، أمسك مسدساً وأنهى حياته برصاصة في الرأس. أردد في سري وبصوت مخنوق «كلما رحبت بنا الروض.. قلنا حلب قصدنا وأنتِ السبيلا»، وأمسح آثار الدماء التي غطت وجه المدينة. أتنفس زفرُ الموت وأنزل من القلعة وأمشي في شوارع المدينة العتيقة، أبحث عن المتاجر التي تبيع الحرير والأقمشة الملونة والزجاج وصابون الغار، يصاحبني صوت جدتي وهي تحدثني عن العرائس اللواتي كن يسافرن إلى حلب من مدينتي الصغيرة، «السلمية»، كي يجهزن ثياب ولوازم العرس من متاجر السوق المسقوفة. يا خجلي أمام التاريخ وأنا أتذكر ابن بطوطة واصفاً حلب وأسواقها: «حلب من أعز البلاد التي لا نظير لها في حسن الوضع وإتقان الترتيب واتساع الأسواق وانتظام بعضها ببعض، وأسواقها مسقفة بالخشب. فأهلها دائماً في ظل ممدود وقيساريتها التي لا تُمَاثل حسنا وكبرا ..». رصاصة طائشة، أعادتني إلى رشدي وغاب صوت جدتي وغارت الألوان وخبت رائحة الصابون. خرجت بسرعة من الأسواق التي استعرتْ فيها الحرائق، مخلفة آثار قَدَميّ في الرماد الذي وارى كل شيء. ظننت أن لا ألم سيسكن روحي بعد دمار حمص، المدينة التي لها تداخل تاريخي وحيوي مع مدينتي التي تتوسطها وحماه. ولكن القتل العمد للمدن السورية تتالى تحت نيران همجية النظام، ووصل الخرابُ إلى حلب، مدينة المدن التي لن نشفى من دمارها.
حلب مدينة الطرب والعشق والموسيقى والقدود ورقص السماح، مدينة الملذات والحواس. هل يذكر القتلة أن أبا الفرج الأصبهاني أهدى كتابه «الأغاني» إلى حلب، وأن الفارابي دخل إليها من باب الموسيقى لا الفلسفة، وأن أرسطو حين أراد أن يستجم أرسله الاسكندر الكبير إلى حلب احتفاءً به. فأهل حلب لم يشتهروا بذوقهم الخاص في الموسيقى وحسب، بل تميزوا أيضاً بمطبخهم الغني والشهي وكرمهم الجميل. فحين يدعوك حلبي إلى الطعام يُصر أن لا تقوم عن المائدة إلا بعد أن تلتزم بالقانون الحلبي لملذات الأكل: «قانون الشبعان، أربعين لقمة».
توجعني المدينة، يوجعني دمها المتناثر وقلبها الجريح تحت وطأة البارود. كيف أمسيتِ مدينة أشباح؟ وكيف شهدتُ احتضارك على الشاشات وقد غاب أهلك عنكِ بين نزوح وموت ونفي واعتقال. كيف حولتِ قلبي إلى مقبرة جماعية لبقايا الحكايا والشعر ورائحة الزعتر؟! أبكي بحرقة أم فُجعت بأبنائها، أحترق مع براميل الموت المتساقطة، وأخبو مع رائحة أول رغيف خبز تعمد بدم طفلة وهي تنتظر في طابور الصباح.
أعرفُ أننا سنشهد قيامتك يا حلب، فقد قامت هيروشيما من الدمار وقامت ستالينغراد من موتها وقامت برلين من خرابها، وأنتِ وأبناؤك يعانون الموت في حب الحياة. يا قدود حلب يا مناجاة العاشقين و«سكابا يا دموع العين سكابا...». أغاني أهلكِ بددّت الصمت الكلي الموجع لهذا الكون وانتصرت للحياة على الموت. وما زال صوت أبي العلاء المعري يتردد في جَنَبات حلب المهدمة:

يا شاكي النوب انهض طالباً حلبا نهوض مضني لجسم الداء ملتمسِ

واخلع إذا حاذيتها ورعاً كفعل موسى كليم الله في القدس

 

مقالات من حلب

للكاتب نفسه

«محكمة الإرهاب» في سوريا

عبير حيدر 2014-01-22

شكلّت «محكمة الإرهاب» التي أنشأتها السلطات السورية بدلاً من محكمة «أمن الدولة العليا»، وفقاً للمرسوم الرئاسي رقم 22 العام 2012، واحدة من أهم الإجراءات الإصلاحية المتحققة بفضل الضغوط الشعبية الداخلية،...

"المكدوس" فقيد الفقراء في سوريا!

عبير حيدر 2013-10-14

أصبح " المكدوس"، وهو من الأكلات السورية القديمة المصنفة ضمن "بيت المونة"، حلماً يراود السوريين بسبب غلاء مكوناته. فثمنها قد يتجاوز متوسّط الأجر الأسبوعي للموظف أو العامل في سورا. قبل...

سوريون وحلم الهروب

عبير حيدر 2013-08-14

لم تعد سفارات الدول الأوروبية تتسع لجموع الشباب السوريين الذين دفعتهم الظروف المأساوية الحالية نحو الهروب، والأمل بحياة جديدة في الغرب. أصبح مألوفا في لبنان مشهد طوابير الشباب الواقف على...