"لأنَّهم دواعش".. عن عراقيين لم يخرجوا في التظاهرات

كانت مدن شمال العراق وغربه صامتة، وشبابها كانوا يحدِّثون إحصائية القتلى والجرحى على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي. أما إجابة السواد الأعظم من سكان تلك المحافظات "السنيّة" على عدم خروجهم في التظاهرات الشعبية فكانت: سيقولون "عاد الدواعش".
2019-10-23

ميزر كمال

كاتب وصحافي من العراق


شارك
تصميم: أحمد فلاح

سيقولون: "عاد الدواعش". هذه إجابة السواد الأعظم من سكان المحافظات "السنيّة" ردّاً على عدم خروجهم في التظاهرات الشعبية التي اندلعت مطلع تشرين الأول/ أكتوبر 2019.

الأنبار، وصلاح الدين، ونينوى، لم تخرج فيها أيّ تظاهرة، وفي ديالى (متعددة الأعراق والطوائف) خرجت تظاهرة خجولة أمام مبنى الحكومة المحلية في اليوم الأول، ثم انسحب المتظاهرون (القلَّة) ولم يعودوا مرةً أخرى. وفي الوقت الذي كانت فيه العاصمة العراقية بغداد ومدن الجنوب تنزف دماء شبابها، وتضج بأصوات المطالبين بـ"إسقاط النظام"، كانت مدن الشمال وغرب البلاد صامتة، وشبابها كانوا يحدِّثون إحصائية القتلى والجرحى على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي. ولكن، هل لأنَّ الأنبار وصلاح الدين ونينوى لا يوجد فيها فساد وانعدام للخدمات؟ أو محاصصة طائفية وحزبية؟ لا. فيها كلُّ ذلك. غير أنَّها خارجة توَّاً من تداعيات قمع تظاهرات 2013 التي استمرت سنةً كاملة، بعد أن تحولت إلى اعتصامات ركبت موجتها الأحزاب التي لعبت على وتر "المظلومية السنيّة" ثم دخل تنظيم القاعدة على خط التصعيد، واعتلى منصة الاعتصام في مدينة الرمادي هاتفاً: "أحنا تنظيم اسمنا القاعدة.. نقطع الراس ونقيم الحدود". ومن الرمادي التي بدأ فيها كل ذلك، بدأت الحرب أيضاً مطلع عام 2014 بعد أوامر رئيس الوزراء حينها نوري المالكي بفض الاعتصام، وإنهاء ما أسماها بـ "الفقاعة" التي انفجرت مخلفةً مدناً مدمّرة، وملايين النازحين، وخلقت تنظيم "داعش" في العراق، الذي احتلَّ 41 في المئة منه.

جردة للخراب

أواخر عام 2017، أعلنت الدولة العراقية طرد تنظيم "داعش" من آخر مدينة يسيطر عليها التنظيم، بعد استعادة قضاء راوة (التابع لمحافظة الأنبار) من قبضته. وبهذا الإعلان انتهت أسطورة "داعش" التي استمرت ثلاث سنوات. لكنَّ الحرب لم تنته بعد، فهناك ثلاث محافظات منكوبة، هي الأنبار وصلاح الدين ونينوى، وهناك ثلاثة ملايين نازح، والمدن الكبرى لتلك المحافظات مدمرة، فالموصل مثلاً لم يبق منها شيء، والنصر الذي حققه العراق على داعش فيها كانت كُلفتهُ المدينة كلها. فقد خلفت المعارك التي استمرت تسعة أشهر 11 ألف قتيل. وفي تقرير استخباراتي كردي تحدثت عنه صحيفة "اندبندنت" البريطانية ، قُتِل أكثر من 40 ألف شخص، ونزح أكثر من مليون مدني، فضلاً عن الدمار الشاسع الذي طال جميع البنى التحتية في المدينة القديمة.

من الرمادي بدأت الحرب مطلع عام 2014 بعد أوامر رئيس الوزراء حينها نوري المالكي بفض الاعتصام، وإنهاء ما أسماها بـ"الفقاعة" التي انفجرت مخلِّفةً مدناً مدمّرة، وملايين النازحين، وموجدة تنظيم "داعش" في العراق، الذي احتلَّ 41 في المئة من مساحة البلد.

عام 2017، انتهت أسطورة "داعش" التي استمرت ثلاث سنوات. لكنَّ الحرب لم تنته بعد، فهناك ثلاث محافظات منكوبة، هي: الأنبار وصلاح الدين ونينوى، وهناك ثلاثة ملايين نازح، والمدن الكبرى لتلك المحافظات مدمرة، فالموصل مثلاً لم يبق منها شيء.

المدن الأخرى مثل الرمادي والقائم في محافظة الأنبار، وبيجي في محافظة صلاح الدين، نالها أيضاً ما نال الموصل من دمار وتهجير، وهي بحسب الأمم المتحدة تحتاج إلى جيل كامل لإعادة إعمارها وإزالة آثار الحرب من جسدها الذي ما يزال مشوَّها بالخراب والألغام.

ليس هذا وحسب، فهنالك مدنٌ لم يرجع إليها أهلها، واجتياح "داعش" لها ومن ثم طرده منها خلَّف شرخاً مجتمعياً هائلاً بينها وبين المدن المجاورة لها ذات الطابع المذهبي المختلف. مثال على ذلك مدينة سليمان بيك في محافظة صلاح الدين، فهذه المدينة قريبة من مدينة أخرى هي طوزخرماتو، ومنذ استعادة سليمان بيك من "داعش" لم يرجع غالبية أهلها النازحون، والبالغ عددهم قرابة العشرين ألف مدني، بسبب الخلاف المجتمعي والعشائري وإشكالية تعدد الولاءات، التي تسببت بتجريف الكثير من القرى، كما فعلت قوات البيشمركة الكردية هناك.

مثالٌ مأساوي آخر على نكبة المدن التي لم تخرج في تظاهرات تشرين الاول/ أكتوبر 2019: جرف الصخر، المدينة التي تحولت إلى معسكر كبير تديره فصائل مسلحة موالية لإيران، وعلى الرغم من استعادة المدينة والقرى التابعة لها منذ 2014 إلا أنَّ سكانها ما يزالون نازحين في كل فج عميق. وهذا جواب رياض علي، أحد أبنائها حين سألناه عن رأيه في التظاهرات، فرد قائلاً: "بالتأكيد أنا معها وليتني أستطيع الخروج في تظاهرة مؤيدة لإخوتي في بغداد ومدن الجنوب، ولكن كما تعلم، ما نزال نحن أبناء جرف الصخر نازحين في الهياكل والمخيمات، ومتهمين بانتمائنا لداعش، وحتى وإن خرجنا، وهذا ما نريده، فمن أين نخرج؟ من مخيم عامرية الفلوجة؟ أم من مخيمات نينوى وكردستان؟ لم نعد نمتلك شيئاً نتظاهر من أجله".

ربما ستكون العبارة أكثر دقة لو أنَّ رياض قال: لم يتركوا لنا شيئاً نتظاهر من أجله. وزيادة في التفصيل فإنَّ جرف الصخر تضم أيضاً سجوناً سرية يقبع فيها المختطفون من مَعبري الرزازة (بين الأنبار وكربلاء) وبزيبز (بين الأنبار وبغداد) وكذلك مختطفي ناحية الصقلاوية. وهؤلاء مجموعهم الكلي يصل إلى 3000 شخص تقريباً، جميعهم ممن فروا خلال معارك استعادة الأنبار من تنظيم "داعش".

تذكروا "داعش"

يبدو أنَّ السلطة منتبهة لما يَخشى منه أبناء المحافظات السنيّة فيما لو خرجوا في تظاهرات مؤيدة للاحتجاجات في تسع محافظات شيعية. ففي اليوم الثالث على التظاهرات، بثَّت قناة العراقية (التلفزيون الحكومي) خبراً عاجلاً قالت فيه: "هدوء حذر في مدينة الموصل وانتشار أمني مكثف للقوات الأمنية فيها"، وفي هذا الخبر رسالتان، الأولى للمتظاهرين والمحافظات الشيعية مفادها: تذكروا "داعش"، إنَّه ما يزال قريباً منكم. والثانية لأبناء المحافظات السنية ومفادها: احذروا التظاهرات، فهناك ما يكفي من الأسباب لقمعكم مرةً أخرى.

في الموصل أيضاً، وإن لم تخرج تظاهرات، فقد خرج الناس إلى المستشفيات للتبرع بالدم من أجل جرحى الاحتجاجات في بغداد وشقيقاتها من المدن الجنوبية، ومع الدم كانت هناك الكثير من الأمنيات والدعوات بالرحمة للقتلى، والشفاء للجرحى، والمطالبات للحكومة بأن تحقن الدم العراقي المراق، وتحقق مطالب المتظاهرين بالقضاء على الفساد.

ليس الانتماء لتنظيم "داعش" هي التهمة الوحيدة الجاهزة في جعبة السلطة، فصفات من مثل بعثيون، صدّاميون، عملاء لجهات خارجية (سعودية وصهيونية) ترددت وما زالت أصداؤها في ذاكرة السكان المحليين الذين يرون أنَّ خروجهم سيخلق ذريعة للحكومة من أجل زيادة التشكيك في نوايا المتظاهرين العُزّل ومطالبهم المشروعة.

المزاج الشعبي المتماهي مع فكرة السكوت وابتلاع الخيبات في المحافظات السنيّة يغازله مزاج سياسي لممثلي تلك المحافظات، الذين يرون أن البيت الشيعي يثور على أربابه، وفكرة دعم التظاهرات بالتظاهرات ليست من مصلحة الأحزاب السنية، على الأقل في هذه الدورة، فهم - أي الأحزاب السنية - ضمنوا حصتهم في وزارة عادل عبد المهدي، كما يقول رئيس البرلمان الأسبق محمود المشهداني، وهي كالتالي: ست وزارات، وتسع هيئات، ونحو 60 منصباً آخر من الدرجات الخاصة. فعلام الدخول في الصراعات؟ يقول المشهداني، ويبدو الأمر كذلك. على عكس ما حدث عام 2013 حين أخرجوا الناس من بيوتهم إلى ساحات الاعتصام، ثم دفعوا بهم إلى الحرب ومخيمات النزوح.

ليس الانتماء لتنظيم "داعش" هو التهمة الوحيدة الجاهزة في جعبة السلطة، فصفات من مثل: بعثيون، صداميون، عملاء لجهات خارجية (سعودية وصهيونية) ترددت في فترة التظاهرات السابقة، وما زالت أصداؤها في ذاكرة السكان المحليين الذين يرون أنَّ خروجهم سيخلق ذريعة للحكومة من أجل زيادة التشكيك في نوايا المتظاهرين العُزّل ومطالبهم المشروعة.

خطابات استباقية

القمع والعنف والرصاص الذي واجهت به الأجهزة الأمنية وتوابعها المتظاهرين في بغداد ومدن الجنوب، كامنٌ أيضاً في نوايا وبنادق قوات الأمن التي تبسط سيطرتها على الجزء "السُني" من العراق. ولعل كلام قائد عمليات الأنبار، اللواء ناصر الغنَّام، خلال الاحتجاجات الأخيرة كشف تلك النوايا، حيث جاء خطابه استباقياً لأيةِ خطوة شعبية قد تحدث، قائلاً إن الأجهزة الأمنية لن تسمح بإعادة المناطق المحررة إلى المربع الأول، وستتصدى لكل من تسول له نفسه العبث بأمن المحافظة، وأخْذها إلى مسارات غير مسار إعادة الإعمار والأمن.

هذا الخطاب يتناغم أيضاً مع رسالة وجهها محافظ نينوى لسكان المحافظة عامةً ومدينة الموصل خاصة، مفادها أن الحكومة المحلية وقوات الأمن لا تُمانع في أن يمارس المواطنون حق التظاهر والتعبير عن آرائهم، شريطة أن يحصلوا على الموافقات الأمنية لذلك، وأن تستوفي التظاهرات جميع الشروط القانونية، وألا تضر احتجاجاتهم بأمن واستقرار المناطق المحررة، وتساهم في عودة الخلايا الإرهابية.. وفي هذا تهديد ووعيد وتضييق واضح تجاه أي محاولة من شأنها تعزيز الصوت الشعبي الرافض لمنظومة السلطة الفاسدة.

التصنيفات الطائفية وحقن الرأي العام والعقل الجمعي بالمصطلحات ذات الطابع الضيق، ومحاولات النظام القائم زيادة رصيده من المكاسب والبقاء من خلال زرع الخوف في الآخر من الآخر، امتدت حتى إلى حالات التعبير عن الغضب الشعبي لدى جميع "الشعب". لكنَّ اللافت في تظاهرات أكتوبر هو أنها كشفت سوءة ذلك النظام، ووسمت على جبهته بدم الشباب: لن تبقى طويلاً.

مقالات من العراق

في تهمة "خدمة" أمريكا وإسرائيل

ما هي شروط هزيمة الاستعمار وإسرائيل؟ هل يمكن لشعوب مسحوقة ولمجتمعات مُهانة مُذلة، ومُعطلّة، أن تقاوم جبروت الاستعمار وتنتصر عليه، وهي مهمة شاقة تفترض استنفار كل طاقاتها لموازنة انعدام تكافؤ...