10949 امرأة، أو التاريخ المنسي للمناضلات الجزائريات

يشير هذا العنوان الغامض إلى عدد المقاتلات في صفوف الثورة الجزائرية، الذي اعترفت به كل من المنظمة الوطنية للمجاهدين ووزارة المجاهدين. وقد أنجزت المخرجة الجزائرية نسيمة قسوم فيلمها الوثائقي "10949 امرأة"، كلقاء مع المجاهدة نسيمة حبلال المتوفية في العام 2013 عن عمر يناهز الـ85 عاماً. تقول قسّوم: في الجزائر، أخبرتني البطلة المنسية للثورة الجزائرية نسيمة حبلال قصتها كامرأة في الحرب،
2015-03-12

عمر بن درة

خبير اقتصادي من الجزائر، عضو في Watch Algeria


شارك
من دفتر:
حكاياهنّ
| fr en

يشير هذا العنوان الغامض إلى عدد المقاتلات في صفوف الثورة الجزائرية، الذي اعترفت به كل من المنظمة الوطنية للمجاهدين ووزارة المجاهدين. وقد أنجزت المخرجة الجزائرية نسيمة قسوم فيلمها الوثائقي "10949 امرأة"، كلقاء مع المجاهدة نسيمة حبلال المتوفية في العام 2013 عن عمر يناهز الـ85 عاماً. تقول قسّوم: في الجزائر، أخبرتني البطلة المنسية للثورة الجزائرية نسيمة حبلال قصتها كامرأة في الحرب، ونضالها من أجل جزائر مستقلة. تلك المرأة السّاحرة، مع قدر كبير من السخرية والمرح، قدمتني إلى مقاتلات أخريات، بايه ونيللي. ومن خلال قصصهن عاد التاريخ إليّ على طريقة القصة المنقولة من الجدة إلى الحفيدة. اعتدتُ أن أعود كل عام لزيارتهن. والفيلم يوثق لعملية نقل هذا التاريخ من الجيل الأول إلى الجيل الثالث.
ترسم قسوم عبر شخصية نسيمة حبلال صورة للمجاهدة المثال، حيث يترك الفيلم (الذي نُفذ بإمكانيات محدودة من دون أن يخلو من ذكاء فائق وإحساس أنيق) لدى المشاهد أثراً عاطفياً بالغاً لما تعكسه شخصية هذه المرأة، الطاعنة في السن والمرهقة، من شجاعة وعناد وحب للحياة. وقد نجحت قسوم بشكل ملموس في خلق مناخ من الثقة والحميمية والاحترام مع هذه القامة العملاقة، وإنما المتواضعة، التي تُعدّ أحد أبرز وجوه المقاومة الجزائرية، والتي بقيت على توهجها على الرغم مما اختبرته خلال حرب التحرير، ومما لاقته من إهمال ونسيان بعد الاستقلال، وعلى الرغم من مصاعب الحياة التي تضاعفت بعد خسارة ابنها الوحيد، يوسف، في العام 2011.
عرض الفيلم في "معهد ثقافات الاسلام" بباريس. وفي حوارها مع الجمهور الحاشد، الذي بدا متأثراً ومأخوذاً بالفيلم، قالت المخرجة، الفرنسية – الجزائرية، إنها أرادت عبر قصتها أن تعيد الربط مع جزء من تاريخ هذه المقاومة المتشعب من خلال البحث عن وجوه فيها لم تأخذ حقها من الاهتمام. وقد نجحت في ذلك. فنسيمة حبلال تضيء عبر تجربتها الخاصة على مسار طويل من الالتزام والشجاعة، بعدما عرفت السينمائية كيف تستخرج منها هذا المزيج الملفت من الثبات والليونة والمرح الذي يشكل جوهر شخصيتها الآسرة بشكل استثنائي.
كانت نسيمة حبلال، التي غابت قصتها عن الكتب المدرسية ولم تلقَ الاهتمام الرسمي من دولة فاقدة للذاكرة، من الرعيل الأول للمقاتلين. فهي نشطت في بداية الأربعينات في صفوف حزب الشعب الجزائري، كما عملت، بوصفها السكرتيرة الخاصة للجنة التنظيم والتنفيذ بعد مؤتمر "الصومام" (المنعقد في آب/ اغسطس 1956 في منطقة قبائلية عصية والذي اتخذ قراراً بإقامة المجلس الوطني للثورة الجزائرية)، وكسرتيرة شخصية للمناضل عبان رمضان (الذي لعب دوراً مفصلياً في تاريخ الثورة الجزائرية، وغالبا ما اعتُبر القائد "الأكثر سياسة" لجبهة التحرير الوطنية، حيث عرف كيف يوحد التيارات السياسية في كنف الجبهة لمحاربة الهيمنة الفرنسية)، وكذلك للمناضل عيسات إيدير الذي أسّس في العام 1956 الاتحاد العام للعمال الجزائريين. خبرت حبلال أيضاً الاعتقال مرتين وأُرسلت إلى "فيلا سوزيني" الشهيرة، التي كان الجيش الاستعماري يستخدمها كمقر لعمليات التعذيب، وذلك على يد ضباط مجرمين، كفلدماير وفولك، اللذين حظيا، ككثيرين غيرهما، بحصانة وعفو رسميين.
في بداية أزمة صيف 1962 إبان الاستقلال، وجدت نسيمة حبلال نفسها إلى جانب زوجها محمد بن مقدم ورفاقهما في المعسكر الخاسر، الذي لجأ إلى التمرد الداخلي وتشكيل الحكومة الجزائرية المؤقتة. وهكذا، شكل انقلابيو جيش الحدود ما عُرف بـ "مجموعة وجدة" التي استولت على السلطة آنذاك ولم تتركها حتى اليوم. وحُيّد عن الساحتين السياسية والاجتماعية بشكل تدريجي الصفّ الأول من المجاهدين والمجاهدات، بعد إنكار تضحياتهم. منهم من تمّ شراؤه باعتمادات مالية وامتيازات أخرى، ومنهم من تمّ تهميشه ببساطة لرفضه التخلي عن صدقه ونزاهته. بالتأكيد، كانت نسيمة حبلال تنتمي للفئة الثانية. إذاً، هكذا عايشت حبلال فترة الاستقلال الذي ناضلت من أجله، لتموت وحيدة إلا من بعض فاعلي الخير من الجيران. وعلى عكس الكثير ممن كانت مشاركتهم أقل فاعلية في تحرير الشعب الجزائري، دُفنت المجاهدة نسيمة حبلال من دون أي اعتبارات خاصة، ومن دون حتى أن يُكلّف المسؤولون أنفسهم عناء نعيها. لقد خيّم صمت مطبق على مشهد رحيلها.
يرمّم هذا الوثائقي إذاً حال الظلم التي لحقت بحبلال ومثيلاتها، فيعطي مساحة لهؤلاء المناضلات اللواتي تحدث عنهن فرانز فانون في كتابه "العام الخامس" للثورة الجزائرية مثيراً سخط الحركات النسوية التي لم تخرج من الصالونات. ويعكس"10949 امرأة"، من خلال تجسيده لحياة تلك الشخصية، صورة أوسع للمعركة التي خاضتها نساء حرات وقويات. فإلى جانب السيدة حبلال، ظهرت الممرضة والمقاتلة بايه لعريبي، وهي إحدى رفيقات النضال التي عُذبت هي الأخرى بقسوة. في سردها لعلاقتها مع والدها، تُعزّز بايه لعريبي ملاحظات فانون عن "الأب والفتاة" التي جاءت في الفصل المخصّص لـ "العائلة الجزائرية" من كتابه "العام الخامس".
تُعتبر نسيمة حبلال كما بايه لعريبي امتداداً للبعد التحرري والحداثوي للثورة الجزائرية. لكن القوى السياسية التي انتصرت في نهاية أزمة صيف 1962 تنكرت لهذه المكتسبات التقدمية، كما سعت إلى الانتقاص من أهمية البعد العالمي لصراع التحرر الوطني، بدليل موقفها من المناضلة نيللي فورجيه، رفيقة نسيمة حبلال في سجون التعذيب.
أطلقت نسيمة حبلال العنان لصراحتها، فتحدثت بشفافية وتواضع بالغ يتميز بهما من عرف كيف يرتقي إلى مستوى التاريخ. وأتقنت المخرجة قسوم الاقتراب من الشخصية إلى أقصى حد، من دون التدخل في رسم خطوطها، فسمحت للسيدة المسنة أن تعبر كما يحلو لها، بسحر موزون أحياناً ولكن أيضاً بإنسانية، التقطتها عدسة المخرجة التي التصقت بشخصية فيلمها من دون أن تنتهك خصوصيتها. تصرفت المناضلة على سجيّتها في الفيلم، فشاهدناها تدندن وهي تحضّر الطعام، وعايشنا حسها الفكاهي الذي تستخدمه للتغطية على ما تعتبره نقاط ضعفها، كما في ذلك الجزء الذي تحدثت فيه عن الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 1954 متظاهرة بنسيان اسم "... تلك المنظمة الشهيرة.. جبهة التحرير الوطني". تمكنت قسوم، بوسائل محدودة جداً، من أن تستحضر الصورة الأجمل للثورة الجزائرية، بعظمتها ولكن أيضاً بمساحاتها المظلمة، فخرجنا من هذا العرض بقناعة تامة أن هؤلاء النساء لسن ممثلات أو رموزاً مجردة، بل لا زلن كما كنّ مناضلات سياسيات وكوادر ثورية. فنسيمة حبلال ورفيقاتها في النضال، كالمتوهجة والمربكة باية لعريبي، واللطيفة جدا نيللي فورجيه، يجسدن جميعهن صورة ساطعة لشخصية المناضل الملتزم والممتلك لزمام قراره.
وأخيراً، يُحسب لفيلم "10949 امرأة"، الذي "يختزن الكثير بما يخفيه ولا يقوله" مساهمته الواضحة في كتابة تاريخ يحتاج للكثير من التوثيق بعيداً عن الأسطرة ومعادلة الأحلاف، وهو يشارك ببراعة في سدّ هذا النقص الفادح.

 

للكاتب نفسه

الخداع والزيف: بوتفليقة لا يقدم ترشّحه لكنه لن يترك السلطة!

عمر بن درة 2019-03-13

ضاق المجتمع الجزائري ذرعا بهذا النظام الفاسد والخبيث والعنيف. ويعلم المواطنون تماماً أن هناك استحقاقات كبيرة في الافق نتيجة تخبط وعدم كفاءة الذين يديرون البلاد. فالسياسة الاقتصادية الفاسدة تؤدي حتما...

ماذا تبقى من اليسار في الجزائر؟

عمر بن درة 2018-11-27

تعيش الساحة السياسية وقتاً معلقاً، فلا حق للقوى السياسية بالوجود كمنظمات وحتى كخطاب. ولكن وبمواجهة ليبرالية مافيوزية فرضتها الديكتاتورية، يتمسك الأهالي بتقاليد المساواة والعدالة المتجذرة بعيداً عن القطعيات والايديولوجيات. وفي...