لماذا تساند واشنطن عبد العزيز بوتفليقة؟

زيارة وزير الخارجية الأميركي للجزائر حدث نادر يحظى باهتمام خاص، ولا سيما حين تحدث في ظرف متوتر بشكل خاص بسبب انتخابات الرئاسة التي ستجدد لبوتلفيقة لعهدة رابعة."الترجمة خيانة"في الصحافة الجزائرية ثار خلاف على الترجمة غطى على كل الجوانب الأخرى لزيارة جون كيري. فقد ترجمت "خدمة الصحافة الجزائرية" (APS) بطريقة فيها مبالغة في الايجابية لمصلحة النظام، جملة من "الملاحظات
2014-04-18

عمر بن درة

خبير اقتصادي من الجزائر، عضو في Watch Algeria


شارك
| fr
من الانترنت

زيارة وزير الخارجية الأميركي للجزائر حدث نادر يحظى باهتمام خاص، ولا سيما حين تحدث في ظرف متوتر بشكل خاص بسبب انتخابات الرئاسة التي ستجدد لبوتلفيقة لعهدة رابعة.

"الترجمة خيانة"

في الصحافة الجزائرية ثار خلاف على الترجمة غطى على كل الجوانب الأخرى لزيارة جون كيري. فقد ترجمت "خدمة الصحافة الجزائرية" (APS) بطريقة فيها مبالغة في الايجابية لمصلحة النظام، جملة من "الملاحظات التمهيدية" التي أدلى بها كيري، متلاعبة بمفردة (looking forward) التي تعني "تتطلع الولايات المتحدة الى انتخابات شفافة بالجزائر"، لتصبح "الولايات المتحدة سعيدة بانتخابات شفافة بالجزائر". على أن التتمة تجبر النص على استعادة معناه، حيث "الولايات المتحدة ستعمل مع الرئيس الذي يختاره شعب الجزائر للوصول الى المستقبل الذي تستحقه الجزائر وجاراتها"، ما يؤكد أن واشنطن تقر أصلا بنتيجة هذا الانتخاب، بغض النظر عن الظروف المحيطة به. وبكل الأحوال لا يهم الأمر، فسواء "سعدت" الولايات المتحدة أو اكتفت بـ"التمني"، فإن الجزائريين منشغلون بالانهيار المريع للشروط الاجتماعية والسياسية والزعزعة المبرمجة لبلادهم. الملاحظات التمهيدية تلك تتحول بالتالي الى مجرد تمرين لغوي: فقد فهم الجزائريون من الكلام لبّه، وهو واضح ويقول ان الولايات المتحدة تدعم إعادة انتخاب بوتفليقة.(الملاحظات التمهيدية للوزير الأميركي في "الجلسة العامة من الحوار الاستراتيجي للولايات المتحدة – الجزائر" التي يشير إليها النص منشورة على موقع وزارة الخارجية:

http://www.state.gov/secretary/remarks/2014/04/224343.htm).

جدولة وأجندات وساتر دخاني

لماذا قرر كيري زيارة الجزائر في هذه اللحظة؟ التوقيت لا يخضع للصدفة، ويقع في وقت تتصاعد فيه الصراعات في قمة السلطة. وقد ظن الأميركيون انه سيكون من الجيد تسمية الاجتماعات الرسمية بـ"الجلسة العامة للحوار الاستراتيجي، الولايات المتحدة ـ الجزائر". وبغض النظر عن حوادث الترجمة، فلا يجهل الأميركيون معاني الكلمات. فعن أي استراتيجيا يجري الحديث، بينما الدولة الجزائرية منهارة ولا تتمكن من معالجة سكانها صحيا ولا إطعامهم؟ ومن المعلوم أن واشنطن تقيم "حوارات استراتيجية" مع عديد من الديكتاتوريات العاجزة، والقامعة للحريات، والتي تنحصر وظيفتها الوحيدة بطبيعتها القمعية. وفي الشق الجزائري من إقامته، أوضح وزير الخارجية الأميركي زاوية المصالح التي يمثلها ويريد مشاركة محدثيه المحليين بها: فبخصوص الحرب على الإرهاب، وهو الموضوع المركزي، وفي القلب من العلاقات المعاد نسجها منذ 11 ايلول 2001، عبّر الوزير كيري عن رضا واشنطن التام، مؤكدا شرعية وجود الولايات المتحدة في المنطقة، وما يعنيه من تدخلات محتملة، مباشرة وغير مباشرة. وهو أكد أن الجزائر جزء أصيل من التدابير الأمنية الأميركية، تماما كما هو الحال في ليبيا وتونس أو في منطقة الساحل.وخصص جزء معتبر من الخطاب للطاقة. وبالرغم من ان الصياغة كانت معقدة، إلا ان التحذير الضمني كان واضحا: تتابع واشنطن عن قرب الموقف الجزائري من روسيا، العدو الجديد المعلن. وقد أعاد التأكيد على واحد من أسس عقيدة السياسة الخارجية: تتحكم الولايات المتحدة بالحركة الكلية لتدفق الطاقة، ولو زين لدولة ما استخدام سلاح النفط، فلن يمكنها الادعاء انها لم تحذر من نتائج وتبعات هذا الخيار. وقرب العصا، هناك جزرة: في حال تعاظم العقوبات على روسيا، فتقول "الأوساط المطلعة" ان الجزائر والنرويج ستدعَوان لزيادة صادراتهما من الغاز إلى الاتحاد الأوروبي...اما الباقي، فقد اعلم كيري مضيفيه بالنيات الأميركية الطيبة بخصوص الشرق الأوسط وبقية العالم. لكن هل يستحق إعادة تأكيد هذه العموميات المعلومة عناء التنقل؟ ولا سيما بوجود أمير قطر وقرب وصول ملك العربية السعودية. وهل التزامن هنا مصادفة هو الآخر؟ مع العلم بانه سيصعب التدقيق في غايات زيارات هؤلاء الأمراء، فهل تكون فرضية التنسيق بينهم "مؤامراتية"، وغايته التأثير في أزمة السلطة في الجزائر، ومساعدة التغيير الجيلي على رأس الأجهزة الأمنية؟

"الحوار الاستراتيجي" ومسائل النفوذ

في إطار من تصاعد التوترات، يشبه هذا "الحوار الاستراتيجي" المونولوغ، أو ساتراً من الدخان يهدف الى التعمية على صراع النفوذ لتوجيه التطورات الجارية في قمة السلطة. ويستنتج من التصريحات الرسمية أن الولايات المتحدة راضية إلى حد ما عن علاقاتها مع الجزائر، رغم أن هذه الاخيرة ليست متوافقة تماماً ـ حتى الآن ـ مع المواقف الأميركية. والاستدراك الوحيد على هذا الرضا العلني هو الملاحظة الودودة التي اخذ كيري على عاتقه توجيهها الى الجزائر بخصوص الإدارة الاقتصادية.بسبب التوقيت فإن زيارة وزير الخارجية الأميركي تتجاوز دعم النظام، الى التدخل في الصراع الذي يشق الجيش ويحمل رئيس الاستخبارات على مواجهة جزء من قيادة الاركان يؤيد الرئيس. وفي دور ثانوي يتدخل بالطريقة نفسها أمير قطر تميم، وملك السعودية عبد الله. بالطبع، أشار كيري إلى مستقبل ديموقراطي للجزائر، ما يؤكد بطريقة غير مباشرة انه يعرف أن الواقع الراهن ليس كذلك. لكن التلميح يبدو اقرب الى الضرورة المبدئية، إذ تتجلى السياسة المحددة، خلف الخطاب المشذب والابتهالات الديموقراطية: فرض السياسة الخاصة بواشنطن على حليف واهن، لكنه ما زال يحتفظ بمساحات مستقلة موروثة من تاريخه. فرغم التراجعات المريعة، تظل الجزائر، بحكم تقاليدها، تنتمي الى المعسكر المعادي للسياسات الأطلسية، وخصوصا ما يتعلق بمناهضة الهيمنة الإسرائيلية، وتأييد قضية الشعب الفلسطيني، وشعب الصحراء الغربية. وفي سياق احتدام الصراعات في رأس هرم السلطة، فإن زيارة كيري ومشايخ الخليج تهدف الى دعم خط بوتفليقة الميال للاتساق مع الغرب والمستعد لتنازلات كبرى في مجالات حيوية.

ديموقراطية بعيدة المنال

تسهل الديكتاتورية هذه التدخلات في صراعات السلطة. فنظام مسؤول أمام الشعب لا يمكنه ارتكاب مثل هذه المساومات في الكواليس. وهو ما يجعل الناطقين باسم "الحضارة" مستعدين لتحمل تأجيل الديموقراطية في بلداننا إلى آفاق بعيدة، بل ان هذه التدخلات تجعل من دولة القانون أي جزائر ديموقراطية، عقبة أمام استراتيجيات تقوم على الاستغلال والنهب. فأي حلفاء في السطوة افضل من تلك النخب الخاضعة والتي تستبق رغبات السيد... وهذا معيب، وإن كان الذين يعملون في الجزائر من اجل الحرية والديموقراطية والحقوق لا يتوقعون ان تؤيد الولايات المتحدة قضيتهم. ويعلمون بأنها مستعدة لمساندة انظمة محتضرة وحكام فاسدين وفاقدي الصدقية، لا يكترثون لشيء سوى لما يحمي ويعزز سطوتهم على الريع. وهذا هو المعنى الذي نضحت به زيارة كيري...

مقالات من الجزائر

للكاتب نفسه

الخداع والزيف: بوتفليقة لا يقدم ترشّحه لكنه لن يترك السلطة!

عمر بن درة 2019-03-13

ضاق المجتمع الجزائري ذرعا بهذا النظام الفاسد والخبيث والعنيف. ويعلم المواطنون تماماً أن هناك استحقاقات كبيرة في الافق نتيجة تخبط وعدم كفاءة الذين يديرون البلاد. فالسياسة الاقتصادية الفاسدة تؤدي حتما...

ماذا تبقى من اليسار في الجزائر؟

عمر بن درة 2018-11-27

تعيش الساحة السياسية وقتاً معلقاً، فلا حق للقوى السياسية بالوجود كمنظمات وحتى كخطاب. ولكن وبمواجهة ليبرالية مافيوزية فرضتها الديكتاتورية، يتمسك الأهالي بتقاليد المساواة والعدالة المتجذرة بعيداً عن القطعيات والايديولوجيات. وفي...