قصة "الحشد الشعبي".. الصعود المقدّس، وخيارات النهاية

بعد أربعة أيام من سقوط الموصل بقبضة التنظيم الإرهابي في 2014، أصدر المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني فتواه بالجهاد الكفائي، وحمْل السلاح "لمن يستطيع" لمواجهة تنظيم داعش. كان ما تبقى عند الناس من ثقة بحكومة بغداد قد تبخّر، فجاءت الفتوى، صادرة عن سلطة دينية وثيقة الصلة بطيف كبير من المجتمع العراقي.
2019-08-26

ليث ناطق

إعلامي من العراق


شارك
عدي اتاسي - سوريا

كان العراق يتعرّض لهجوم، وكان لزاماً على أحدٍ ما أن يتخذ قراراً بهذا الصدد، فمسلحو "داعش" أمسوا على أعتاب العاصمة بغداد، بعد أن اجتاحوا المحافظات الغربية. وفي الغرف الأكثر حصانةً في المنطقة الخضراء، كان قادة حكوميون وعسكريون يملؤون الوقت باللقاءات والاجتماعات. كان لزاماً أيضاً ألاّ يحمل القرار المنتظر تبعات مضاعفة.

في 14 حزيران/ يونيو عام 2014، وبعد أربعة أيام فقط من سقوط الموصل، مركز محافظة نينوى بقبضة التنظيم الإرهابي، أصدر المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني فتواه بالجهاد الكفائي، وحمْل السلاح "لمن يستطيع" لمواجهة تنظيم داعش. كان ما تبقى عند الناس في دلو الثقة بحكومة بغداد قد تبخّر، فجاءت الفتوى، صادرة عن سلطة دينية وثيقة الصلة بطيف كبير من المجتمع العراقي. استجاب الناس، ودعمت بغداد الفتوى، فدخل على المشهد حصان "الحشد الشعبي" الذي سبق وأسسه رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة آنذاك، نوري المالكي، في آذار / مارس من العام نفسه، وهكذا بدأت قصة الحشد.

البداية

تكوّن "الحشد الشعبي" في صورته الأولى قبل ما يسميه العراقيون "نكسة حزيران" من مجموعة ميليشيات مسلحة قريبة من إيران، وبعضها لم يُخفِ هذا القرب، حتى أن قيادات من الحشد أعلنوا ولاءهم للجارة الشرقية، أو اتباعهم لمرشدها الأعلى بلسان صريح، في وقت تلاشت فيه المساحة بين رئيس الوزراء المالكي والإيرانيين. فبدوا بأشد صور تقاربهم، ما انعكس على خطابه وقراراته. أتت عاصفة داعش ضارية، جرفت قطعات الجيش والقوات الأمنية في المحافظات الغربية، فسقطت من نفوس العراقيين والمجتمع الدولي الثقة بهذه القوات التي تأسست بعد الاحتلال الأمريكي لبغداد 2003، وحلِّ الجيش العراقي السابق.

بعد أن ألقى المرجع السيستاني حبل الفتوى للعراق الغريق، توجّه من امتثل لها إلى القتال بشكل ارتجالي شديد الفوضى، وليس عند بغداد طاقة للتنظيم. فغيّر المالكي ومقربوه بوصلة المتطوعين باتجاه "الحشد الشعبي" في محاولة لتهجين وليده بسماد القدسية، ومصدر هذه الأخيرة هو الفتوى.

ولكن الصفة التي يتحرك بها الحشد الشعبي بقيت محلَّ تناحر بين الفرقاء السياسيين، حتى بعد الأمر الديواني رقم 91 الصادر في شباط/ فبراير 2016، و"قانون هيئة الحشد الشعبي" الصادر في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه، والذي أضفى صبغة قانونية على قوات الحشد الشعبي، وأصبحت وحداته "جزءاً من قوات الأمن العراقية".

تكوين معقّد

لن تنجح محاولات استقراء وتفكيك "قصة الحشد" نجاحاً مطلقاً، كما هو عصي على النجاح استقراء الحالة العراقية بعد 2003. ومن زاوية العناصر المكوِّنة، لن يكون يسيراً اعتبار "الحشد الشعبي" ظاهرةً إيرانية، ولا يمكن أيضاً اعتبارها ظاهرة شيعية: فالحشد بصورته النهائية يشترك بتكوينه مسلحون سنة - الحشد العشائري - وآخرون من ديانات أخرى - كالحشد المسيحي أو الأيزيدي - وتتعدد فيه الولاءات المرجعية. هناك تقسيم من نوع آخر:

1- فصائل الحشد التي يقلد قادتُها المرشد الإيراني الأعلى ويمتثلون له،

2- حشد المرجعية الذي يمتثل قادته ومتطوعوه لمرجعية النجف ويقلدونها،

3- "سرايا السلام" وهي الجناح المسلح للتيار الصدري المرتبط بقائده مقتدى الصدر.

بعد أن ألقى المرجع السيستاني حبل الفتوى للعراق الغريق، توجّه من امتثل لها إلى القتال بشكل ارتجالي شديد الفوضى، وليس عند بغداد طاقة للتنظيم. فغيّر المالكي ومقربوه بوصلة المتطوعين باتجاه "الحشد الشعبي" في محاولة لتهجين وليده بسماد القدسية، ومصدر هذه الأخيرة هو الفتوى.

لا يغطِّي هذا التصنيف جميع عناصر الظاهرة وجزئياتها، وليس خفياً أن الفصائل المسيحية أو بعض السُنية، تمثّل الوزن الفارق لصالح كفّة الفصائل القريبة من إيران، فقد تشكّلت بتنسيق ورعاية ومباركة من قادة تلك الأخيرة (ككتائب حزب الله، وبدر، وعصائب أهل الحق).. ومع ذلك يبقى الواقع أكثر تعقيداً. فهناك تأثيرات تأتي من كواليس مشهد الحشد الشعبي، مصدرها قادة دينيون وجهات محلية وإقليمية يجتمعون عند بعض المصالح ويفترقون عند أخرى.

"خلق" الجماهير

تعود الجماهيرية الكبيرة التي تمتع بها الحشد الشعبي إلى نجاحه في معارك ضد تنظيم داعش، وإلى نجاح آخر لا يقل أهمية هو تسويق النجاح الأول بشكل ذكي، اعتماداً على خطابٍ عناصرُه القدسية والعاطفة، فصارت قضية الحشد الشعبي فيصلاً عند البعض بين الحق والباطل.

في الحقيقة، يتكون جمهور الحشد من عناصره أولاً، والذين يصل عددهم مجتمعين إلى نحو 190 ألف مقاتل. تتكفل الدولة بدفع رواتبهم ومتطلباتهم العسكرية والمادية، بعد أن تم ضمّ سرايا السلام واعتماد ذلك في موازنة 2019.

من زاوية العناصر المكوِّنة، لن يكون يسيراً اعتبار "الحشد الشعبي" ظاهرةً إيرانية فحسب، ولا يمكن أيضاً اعتبارها ظاهرة شيعية فحسب: فهو يشترك بتكوينه مسلحون سنة - الحشد العشائري - وآخرون من ديانات أخرى - كالحشد المسيحي أو الأيزيدي - وتتعدد فيه الولاءات المرجعية.

وبالإضافة لعناصره، يلتحق بطابور جمهوره المواطنون القريبون من هؤلاء العناصر، كعوائلهم والمجتمع الذي يحيط بها. وفي الغالب هم ينحدرون من عوائل فقيرة كانت دائماً تمثل الخزين البشري للحروب، أو حتى للحركات المناهضة لنظام صدام حسين، وهم سليلو الطبقة الفلاحية القديمة، وقت كان النظام الملكي يحكم البلاد. وهم الآن أخوة الطبقة العاملة التي اعتادت امتهان الأعمال الشاقة، وتسطّر شبابها على "مسطر" عمال البناء. ولا يسري هذا على القادة على الرغم من انحدارهم من الجذور ذاتها في الغالب، وذلك نظراً للتحول المادي الكبير الذي نقلهم إلى "طبقة" الثراء.

في أوقات احتدام المعارك ضد داعش، كان قادة فصائل الحشد يخوضون معركة موازية، هي معركة تلميع صورة الحشد الشعبي وتسويقه. فلطالما لازمت بعضَ فصائله اتهاماتٌ بانتهاكات إنسانية. لكن الملفت في المدِّ الإعلامي والتسويقي هذا، أن كثافته كانت مضاعفة في المناطق التي تنحدر منها عناصره، أي المناطق والمدن ذات الغالبية الشيعية التي يؤيد ناسُها الحشد، أو على الأقل يؤيدون قتال الحشد الشعبي لتنظيم داعش. ولا يعني هذا أن تسويقه في المناطق السُنية –المدمرة - كان غائباً، بل هو حاضر ومستمر لكنه أقل ظهوراً في الفضاء العام قياساً بالمحافظات الجنوبية ذات الغالبية الشيعية. ويعود ذلك ربما لحساسية بعض شعارات فصائل الحشد، فمثلاً: يواجه من يزور المحافظات المحررة من قبضة داعش يافطات أو كتابات متفرقة وهي على الرغم من قلّتها إلا أن بعضها يمثل استفزازاً للمجتمع السُني في تلك المحافظات، كعبارة "خامنئي رهبر" (أي القائد أو الزعيم) المكتوبة على حاجز كونكريتي في الطريق المؤدية من أربيل إلى الموصل.

الثمار السياسية

ولهذا دوافعُ تأخرَ ظهورها حتى الانتخابات البرلمانية في أيار/ مايو 2018، حين دخلت فصائل من الحشد الشعبي السباق الانتخابي نحو الكراسي الثرية، وحققت كتلة "الفتح" نجاحاً ملفتاً عندما جاءت بالمرتبة الثانية لتحصل على 47 مقعداً في مجلس النواب العراقي، وهذا على الرغم من أن قانونَي هيئة الحشد الشعبي والانتخابات والأمر الديواني الرقم 91، لا يسمحان لفصائل الحشد، أو أي جماعة مسلحة بمزاولة العمل السياسي أو دخول الانتخابات.

تعود الجماهيرية الكبيرة التي تمتع بها الحشد الشعبي إلى نجاحه في معارك ضد تنظيم داعش، وإلى نجاح آخر لا يقل أهمية هو تسويق النجاح الأول بشكل ذكي، اعتماداً على خطابٍ عناصرُه القدسية والعاطفة، فصارت قضية الحشد الشعبي فيصلاً عند البعض بين الحق والباطل.

لم يتوقع أكثر الناس تفاؤلاً هذا النجاح الانتخابي لكتلة تتكون من أحزاب منبثقة من فصائل مسلحة، خصوصاً بعد صيف زاخر بالتظاهر والاحتجاج، صيف تعرّضت فيه مقرات أغلب الفصائل في البصرة (529 كم جنوب بغداد) وبعض المحافظات الجنوبية للحرق على يد متظاهرين غاضبين. لكن في النهاية صار في أكفّ قادة هذه الفصائل أوراق السياسة بالإضافة لمقابض البنادق. وفي خضمّ المعترك الأكثر حرجاً وأرباحاً في العراق (المعترك السياسي) لا بد للخطاب أن يأخذ منحاً جديداً أقل خشونةً، وكذلك لا بد من المرونة، وهذا ظهر مبكراً حين تحالف قادة "الفتح" مع خميس الخنجر- وهو سياسي سُني - لطالما تبادلوا معه الذم وتقاذفوا الاتهامات.

النهاية.. التمييع كخيار

في الأول من تموز/ يوليو من هذا العام، أصدر رئيس الوزراء عادل عبد المهدي الأمر الديواني رقم 237، والذي تضمن عشر نقاط موجهة للحشد الشعبي يؤكد أغلبها على ارتباط فصائله بالقائد العام للقوات المسلحة، ويشدد على ضرورة التخلي عن المسميات الفرعية، واعتماد المصطلحات العسكرية. إضافة لإعادة التأكيد على عدم حمل السلاح من قبل تلك الفصائل التي تتحول إلى أحزاب سياسية، وقطع الصلة بين الفصائل والعمل السياسي، مع إشارة إلى اعتبار من لا يمتثل للتعليمات الواردة بالأمر خارجاً على القانون. وكانت النقطة العاشرة من الأمر الديواني قد فتحت باباً واسعاً لردود أفعال متناقضة، وهي تنص على أن أوامر لاحقة ستصدر لهيكلة الحشد الشعبي وتشكيلاته.

كان التجاوب والتفاعل الإعلامي لبعض قادة الفصائل المسلحة مع الأمر الديواني مفاجئاً لأولئك الذين يحكمون على الظواهر بشيء من العجلة أو التسطيح. فما الأمر الديواني هذا، ولا تجاوب هؤلاء القادة معه - بغض النظر عن واقعية تطبيقه من عدمها - إلا خطوة صغيرة أخرى خطاها قادة الفصائل، باتجاه تحولهم إلى كيانات أكثر صلاحية للعب في ميدان السياسة العراقي، وهو لا يخلو أيضاً من أبعاد إقليمية.

إلا أنه وفي أول عقبة حقيقية تواجه القرار، اعترض اللواء 30 من الحشد الشعبي الذي ينشط في منطقة سهل نينوى المعروفة بضمها لأقليات مختلفة، والمكون من أبناء طائفة الشبَك (ويتراوح تقدير تعدادهم بين 150 و500 ألف، وهم موزعون بالدرجة الأولى على قرى عديدة في سهل نينوى، وأغلبهم ينتمون الى طوائف الشيعة، وإن كان هناك شبكٌ من السنة، كما أن اغلبهم من أصول إيرانية ولكن هناك أيضا شبك أكراد) على تطبيقه ورفضوا الانسحاب من مقراتهم. ووصل اعتراضهم إلى حدّ مواجهتهم لقطعات الجيش التي ذهبت لتنفيذ الأمر. وكان الوضع على وشك الاشتعال، لولا انصياع القادة الأمنيين لرغبة هذا الفصيل، وارتضاؤهم مشاركته إدارة الملف الأمني هناك. الفصيل ذاته يرأسُه "وعد قدو" وهو رابع أربعة، كانت الإدارة الأمريكية وضعتهم على لائحتها السوداء بسبب "انتهاكات لحقوق الإنسان". ولم تخلُ عملية ترسيخ نفوذ هذا الفصيل من استخدام السلاح الأهم: الجماهير، حيث حشّد مناصريه، الشبكيين هم أيضاً، في تظاهرة تطالب ببقاء فصيلهم على سدّة الملف الأمني في المنطقة، فكان لهم ما أرادوا.

حفلة شواء مستودعات السلاح

في آخر إصدارات القصة، اشتدت وتيرة احتراق/ انفجار مستودعات ومخازن السلاح العائدة للحشد الشعبي، حتى أنها تعدت الـ15 مخزناً منذ 2016 حسب الأكاديمي مصطفى الناجي، ومعظمها داخل أو قرب الأحياء السكنية، الشيء الذي يخالف تعليمات القيادة العامة للقوات المسلحة وتوجيهاتها المدرجة بالأمر الديواني 237، والتي تنص على إبعاد المقرّات ومخازن السلاح عن المدن.

ومع كل مستودع تتطاير صواريخه، ترتفع أصوات التحليلات! انقسم الرأي العام بين من يتهم إسرائيل وأمريكا بهذه الفعلة، وآخرون يلقون باللائمة كلها على تمدد النفوذ الإيراني بواسطة هذه الفصائل وضخها للسلاح في العراق. أصدر أبو مهدي المهندس، نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي بياناً في 21 آب/ أغسطس اتهم فيه الولايات المتحدة الأمريكية، وإسرائيل بالتورط في قصف المقرّات المحترقة، مهدداً بالتصدي لهذه الغارات باستخدام أسلحة "أكثر تطوراً". ليست خلفية ادعاء المهندس- وهو العراقي الأقرب لطهران حسب العارفين - خاوية تماماً. فقد سبق وألمح رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، إلى ذلك... لكن سرعان ما أصدر رئيس هيئة الحشد فالح الفياض بياناً يتبرأ فيه من بيان المهندس، ويؤكد الالتزام بتوجيهات رئيس الحكومة، واعتُبِر البيانان المتناقضان نذيراً صريحاً بانشقاق داخلي بين قادة الحشد.

مع كل مستودع تتطاير صواريخه (15 مخزنا منذ 2016) ترتفع أصوات التحليلات! انقسم الرأي العام بين من يتهم إسرائيل وأمريكا بهذه الفعلة، وآخرون يلقون باللائمة كلها على تمدد النفوذ الإيراني بواسطة هذه الفصائل وضخها للسلاح في العراق.

لحق ذلك كله، في اليوم الذي تلاه، اجتماع للرئاسات الثلاث خرج بالتشديد على "حصر القرار العسكري والأمني والتصريح به بيد القائد العام حسب السياقات الدستورية، وعلى وجوب التزام جميع الأجهزة والقيادات العسكرية والأمنية والسياسية بذلك"، وانتظار نتائج التحقيق في حوادث المعسكرات للخروج بموقف موحد. على أثر ذلك، أفتى كاظم الحائري، المرجع الديني القريب من النظام الإيراني، بالجهاد ضد القوات الأمريكية والأجنبية المتواجدة في العراق، وأعلن عدد من سياسيي الفصائل المسلحة التابعة للحشد تأييدهم للفتوى، وهددوا بقصف السفارة الأمريكية في بغداد.

كل ذلك يضع رئيس الوزراء عادل عبد المهدي وحكومته في زاوية الحرج الشديد، ويشي بالضغوط التي يتعرض لها، ما ينبئ باحتمال اشتعال الأوضاع للحد الذي لا تحتويه أوامر ديوانية، أو دعوات للامتثال إلى القيادة العامة للقوات المسلحة، خصوصا مع التحشيد الإعلامي باتجاهات متفرقة قد تأخذ الناس إلى تأييد أعمى أو موت آخر.. إلا إذا كان للمصالح السياسية قولٌ فصلٌ آخر في ذلك.

مقالات من العراق

في تهمة "خدمة" أمريكا وإسرائيل

ما هي شروط هزيمة الاستعمار وإسرائيل؟ هل يمكن لشعوب مسحوقة ولمجتمعات مُهانة مُذلة، ومُعطلّة، أن تقاوم جبروت الاستعمار وتنتصر عليه، وهي مهمة شاقة تفترض استنفار كل طاقاتها لموازنة انعدام تكافؤ...