علي: القصص الأخرى

كتب علي عن شباب القرى الذين جُنّوا بسبب الحرب والبطالة، كتب عن الذين أُدخلوا أو أُخرجوا من معتقلات الميليشيات المتنوعة، ثم لم يعودوا هم أنفسهم بسبب التعذيب والجوع. كتب عن معتقلي وقتلى منشورات الفيسبوك، عن الأمهات اللواتي عرضن أحد أطفالهن للبيع لتؤمنّ طعاماً لمن احتفظن بهم...
2019-08-08

ريم مجاهد

كاتبة من اليمن


شارك
احمد السوداني - العراق

علي لم يجد نفسه فجأة في معترك الحرب والسياسة، لكنه أيضاً لم يسعَ إليهما. وهو، من دون أن تكون لديه مواهب كتابية حقيقية، كان يمد إحدى الصحف الإلكترونية المحلية بالقصص والتحقيقات الواقعية عن الحرب، والوضع الإنساني بنواحيه السياسية والاجتماعية والأمنية. في تلك الفترة، كانت حتى القصص الإنسانية تثير ريبة طرفي القتال، ولا يهم أي الطرفين هو المتهم في القصة. جمع علي القصص من كل مكان، ولم يكن ذلك شيئاً صعباً. بالعكس، كان أسهل ما يمكن فعله. كتب علي، بلغته الفجة عن شباب القرى الذين جنّوا بسبب الحرب والبطالة، كتب عن الذين أُدخلوا أو أُخرجوا من معتقلات الميليشيات المتنوعة، ثم لم يعودوا هم أنفسهم بسبب التعذيب والجوع. كتب عن معتقلي وقتلى منشورات الفيسبوك، عن الأمهات اللواتي عرضن أحد أطفالهن للبيع لتؤمنّ طعاماً لمن احتفظن بهم. لكن أحداً لم يشترِ طفلاً مشرداً. كتب عن فتيات منتصف الليل اللواتي يظهرن فجأة في جولات مرور الشوارع الكبرى، يصطدن السيارات الفارهة أو تصطادهن السيارات. كتب عن المطاعم الصغيرة التي استبدلت لحم الضأن والدجاج بلحوم الكلاب والقطط الشاردة، وأضافت عليها الكثير من الفلفل لتبدو مثل الشاورما. زار علي البقالات الصغيرة، وشهد كيف تغير تواريخ الانتهاء لتبدو صالحة للأبد. جمع حكاياته من أبواب الصيدليات حيث دوماً وأبداً يوجد المرض ولا يوجد الدواء. عدّ الطلعات الجوية، وعدد مرات القصف كل ليلة، واحتفظ في ملفاته بأسماء القتلى وقصصهم ما استطاع إليها سبيلاً. وصور حكايات الممزقين في الشوارع جراء القصف، المتسولين قتلى الصدفة والأخطاء، المراهقين الفارين، والمراهقين اللاجئين الذين شوهت الحرب إنسانيتهم، وحولت أعينهم إلى عدستين متلصصتين كذئاب شاردة. الأمهات الجائعات اللواتي تتدلى براقعهن حتى منتصف وجوههن، وتبرز بعنف عظمة الأنف الناحل، جاعلة مرأى المحجرين الغائرين أكثر إيلاماً وتعذيباً للضمير. احتفظ علي بالصور في مخيلته كونه لا يمتلك كاميرا.

أمهات نائمات على الأرصفة يفترشن مع أطفالهن بقايا الورق المقوى. رجال بكروش بارزة تهتز سياراتهم اللامعة كلما ارتموا على كراسي القيادة. رجل مُزق نصفه الأسفل بقذيفة طائشة، ينادي الناس الحائرين طالباً مساعدتهم، وقف ثلاثة شبان بهواتفهم الذكية يلتقطون فيديوهات لتوسلاته. سيدة برموش طويلة بشكل غير طبيعي، تصفع صبياً متسولاً بتهمة التحرش، وترفع أمام وجهه إصبعها الناعم المطلي بالحناء. سيدة بجلباب ضخم تسرق البطاطا وخضروات أخرى، وترميها تحت جلبابها.. توقع علي أنها تخبئ حقيبة معلقة هناك. رجل يبكي بجانب المسجد، وهو يعلق ملصقاً لشاب وُصف بالشهيد البطل، يقبّل الملصق قبل أن يتركه هناك على جدار المسجد وحيداً إلى الأبد. سيارة تحمل كوكبة مسلحين تدلف إلى المطعم الفخم. ينتظر علي في الجهة الأخرى أمام الكافتيريا التي تبيع ساندويشات البيض والجبنة، تخرج الكوكبة بسلاحها وضحكاتها وبكمية من الطعام تكفي قرية، يحافظ علي على حقده الطبقي في أدنى مستوياته حين تطلق رصاصة من أحد الكلاشينكوفات احتفاءً بوجبة الغداء. صورة الضوء الباهر الخلاب الذي تصاعد من الجبل في الثواني التي سبقت صوت الانفجار الهائل. صورة اليد التي نبتت من جبل القمامة المتراكم، جثة مزروعة هناك لمجهول بقيت يده تشاهد المارة المسرعين، ولم ينتبه لوجودها سوى علي الذي تأمل فيها، أعطاها قصة كاملة ثم مضى، قليل الحيلة غير شاعر بالتقصير.

احتفظ علي بالصور في مخيلته كونه لا يمتلك كاميرا: رجل يبكي بجانب المسجد، وهو يعلق ملصقاً لشاب وُصف بالشهيد البطل، يقبّل الملصق قبل أن يتركه هناك على جدار المسجد وحيداً إلى الأبد. أمهات نائمات على الأرصفة، يفترشن مع أطفالهن بقايا الورق المقوى...

قيل له أنه يسعى للخطر.. لم يكن يسعى إليه. في البداية اجتهد في ما كان يعمله لأجل المال، نفذت فرصه ومحاولاته في أن يجد عملاً ثابتاً. كان يحكي حكاياته في مجالس القات، حكايات لا يملها السامعون. كان لعلي حكاياته من تاريخ حياته غير الطويل، من الأماكن القليلة التي عاش فيها، من الشخصيات غير الساحرة التي قابلها، كل الذين عرفهم ويعرفهم ولم يعرفهم. أرّخ علي لقصصهم بطريقته البسيطة المروية... لنفترض أن أحدهم يتحدث عن جرائم الشرف مثلاً، ليقل أحدهم أن صراخ جارته المراهقة التي كانت تتعرض للضرب والتعذيب على يد والدها قد أُسكت تماماً، سينظر علي إلى قاته المسترخي أمامه، سيرفع أحد أغصانه الخضراء، وسيبدأ حكايته التي سيسمعها كل الحاضرين في المجلس: قبل سنوات، في القرية، شهدت بنفسي إحدى جرائم الشرف، كانت صبية بين السادسة عشر والسابعة عشر من العمر، أعرفها منذ كانت طفلة، وُجدت مرمية في خزان الماء منتفخة وميتة، لم يعرف أحد إن كانت تعرضت للتعذيب. أنا أعرف إخوتها جيداً، صدقوني يمكن للإنسان الطيب أن يصبح وحشاً إنْ زُرعت في رأسه فكرة ما، ليس الدين والطائفة والأيديولوجيا هي ما يمكن أن تحول الإنسان العادي إلى قاتل، بل فكرة الشرف أيضاً. أعرف تلك العائلة مثل عائلتي، فتيان طيبون وأب طيب، لكن قيل أن الفتاة كانت تقابل شاباً من قرية مجاورة، ثم بدأ القيل والقال، وفي صباح باكر، سمعنا زعيق الأم، كان صراخاً يشق القلوب، وجدت ابنتها ميتة في حوض الماء. قيل أنها انتحرت، ثم قيل أن إخوتها اقتادوها عنوة لخزان الماء، أما عائلتها فقد قالت أنها انزلقت وحسب حين كانت تجلب الماء في الغبش الباكر. لم تُعرف الحقيقة حتى الآن، لكن في النهاية الجريمة واحدة، فطفلة كهذه لم تكن لترمي نفسها في الماء لو لم تكن قد تعرضت للترهيب الأسوأ من الانتحار نفسه. كانت فتاة شجاعة متمردة على القوالب، لكنها تظل فتاة صغيرة في قرية كبيرة. دُفنت الفتاة ودُفنت حكايتها معها. أتذكر أننا حفرنا لها قبراً يطل على القرية، يومها اعتقدت أني أساعدها كي لا تشعر بالوحدة، فتشاهد من قبرها قريتها بالأسفل، لكني بعد ذلك أدركت أني كنت في منتهى الغباء، فلما فتاة مثلها ستريد أن تشاهد القرية التي قتلتها؟

يقود علي حكاياته بنفسه لنقطة النهاية التي لا يتبقى بعدها للسامع أن يسأل شيئاً. يتنهد وحسب، ويستذكر حكاياته هو الآخر، والتي تبدو مقتضبة بدون روح في حضرة الحكواتي علي. اقترح عليه صديقه أن يدون قصصه الحقيقية عن الناس والحياة والحرب في كتاب، فأخبره علي أن قدراته الكتابية ليست أفضل حالاً من قدرات الرئيس الخطابية. أخبره آخر أنه يستطيع بيع تلك القصص للصحف والمواقع الإلكترونية المستعدة للدفع مقابل مزيد من القراء، مرة أخرى يذكّرهم علي بقدراته الكتابية. "هل تقرأ ما يكتب اليوم"؟ سأله صديق. زمن الكتابة الجميلة بالفصحى ولّى إلى غير رجعة، اكتب ما يخطر ببالك يا رجل!

عاد علي ليلتها، ظل يكتب بطرق مختلفة. كانت عشرات القصص التي رواها، والتي لم يروها بعد تتراكض في مخيلته، تدخل في بعضها، يتشابك أبطالها، ليلة بعد ليلة. كتب علي الكثير، قصص مجتزأة بلغة ركيكة رسمية بدون روح، قرأها مشتاق، زميله في السكن وبصق عليها وعليه، أخبره أن الحكايات تحتاج روحاً مثل بني البشر، وأنه يجب أن يستعيض عن التعابير التي يكسو بها وجهه وصوته عندما يحدّث الناس في مقيل القات بتعابير مكتوبة. حاول علي أكثر، وحين تعرف على سلمى، سحرته بشكل كامل طريقة كتابتها. كان يسرق تعابيرها، مفرداتها، روح الجُمَل التي تكتبها، ثم يعيد صياغتها من جديد، يبعثرها في حكاياته بحيث لن تجدها سلمى ولن تتعرف عليها إن هي قرأت قصصه المباعة للموقع الإلكتروني. وحيث أنه لم يتباهى يوماً بما يكتب، ولم ينشرها على حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي، فإن أحداً لن يكتشف أنه هو من يكتب تلك القصص القوية بلغة ضعيفة. اختبأ علي وراء اسمه العادي والذي يمكن أن يكون اسماً لآلاف الناس في المدينة: علي عبد الصمد.

يقود علي حكاياته بنفسه لنقطة النهاية التي لا يتبقى بعدها للسامع أن يسأل شيئاً. يتنهد وحسب، ويستذكر حكاياته هو الآخر، والتي تبدو مقتضبة بدون روح في حضرة الحكواتي علي.

تعرّف قرّاء الموقع الالكتروني على مجانين علي، مشعوذيه، قتلاه وجرحاه، القنابل وأماكن التفجيرات، حروب الجانبين في المدن، تعرفوا على شهادات أصدقائه من المدن الأخرى. قابلوا شخصياته الواقعية في الشوارع والحارات. بغضوا مثله تماماً صانعي ثروات الحرب. عرفوا مواقع الفيلات المبنية حديثاً بأموال السوق السوداء. وصف علي العائلة التي اشترت مؤخراً ثلاثة كلاب، وبنت حمام سباحة في حوشها، والعائلة التي أقامت زفاف ابنها على مدار أسبوعين من الولائم. نقل علي شهاداته كاملة من الكافيتيريات المجاورة لكل حدث، احتسى الشاي بأبطأ ما يمكن، راقب تحركات الناس وتعرف عليهم، كانت له أهدافه التي يحددها قبلاً، وينقلها للقرّاء بكل مصداقية وبساطة وركاكة في اللغة. لم يعر الناس أي اهتمام باسم الكاتب أعلاه، كان نوعاً من المواقع الإلكترونية المحلية التي لا يهم من هم كتّابها. وبالنسبة لعلي كان المهم فقط هو المبلغ الذي يتقاضاه عن كل قصة تُنشر. لذا تبادل الطرفان اللاهتمام، وأختبأ علي وراء الظلال. لكن ومع رغبته الكاملة بألا يعرف غير أصدقائه المقربين أنه كاتب تلك القصص، بقيت مشتعلة لديه رغبة أن يشارك سلمى ما يكتب، سر يؤرقه كأنه يخبئ علاقة أخرى أو يخونها في العلن. أخيراً حين طلب منها مقابلته، وضع تخيله كاملاً: سيتحدثان عن العمل والحياة، وسيخبرها بأنه يكتب هذه القصص، وبأنه كان خجلاً أن يريها ما يكتب، حيث أنها ملكة الكتابة بلا منازع. ستفرح هي بمجاملته، وستنسى أنه خبأ عنها مصدر رزقه بعد أشهر من التعارف. كان سره الوحيد الذي يعذبه، وبينما يضع علي تخيلاته، وكيف سيصارحها بسره البسيط، كانت سلمى تحيك قصصها وأسرارها في الظلام، وتقرر أنها ستلتقي به ثم لا تقرر، تتمسك بالأمل الرومانسي، ثم يذكّرها مرأى قدميها السوداوين بحقيقة مخاوفها وواقعها: اثنان يعدوان في الطريق ذاته ولا يلتقيان.

الحلقة الأولى
الحلقة الثانية
الحلقة الثالثة
الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة

مقالات من اليمن

علي: البحث عن أسير

ريم مجاهد 2019-09-12

لم يكن علي في موقع يستطيع الاعتراض فيه، الجد الذي ثبّت عينيه في عينيّ الرجل المسلح، حمل بيده الجافة الكيس البلاستيكي الذي يحوي ملابس الفتى من أمه وعلبة صابون وبسكويت....