العقارات في سوريا، سيرة مضاربات تستكملها الحرب

وفق البنك الدولي، بلغ عدد المساكن المدمّرة في سوريا حتى العام 2018 نحو 1.7 مليون مسكناً، وهذا يشكل حوالي ثلث العدد الإجمالي للمساكن في البلاد. فكيف تدار هذه الواقعة؟
2019-08-05

أيمن الشوفي

صحافي من سوريا


شارك
فائقة الحسن ـ البحرين

يستحوذ العقار في سوريا على اهتمام السيولة النقدية خلال الحرب كما قبلها، ويبدو أنه سيستمر على هذه السيرة خلال المرحلة المقبلة. وهو تحوّل في المناطق الآمنة إلى وعاء ادخاري استقطب سيولة الاغتراب الراغبة في توظيف استثماري آمن، مثلما استقطب الأموال المنهوبة في مناطق سيطرة النظام. ثم اكتنز قيمة تضخمية في سعر عرضه تفوق بعشرات الأضعاف تكلفته الفعلية. وهذه ممارسة تمسّك بها تجار العقارات خلال سنوات الحرب، مكررين أنفسهم حين كانت البلاد تطفو فوق موجة التضخم العقاري التي أبدعها العقد الفائت بلونه الليبرالي الفاقع، حين جذب إليه كبرى شركات الاستثمار العقاري من الإمارات وقطر والكويت والسعودية.

ووفق تقديرات البنك الدولي، فإن عدد المساكن المدمرة في سوريا قد بلغ حتى العام 2018 نحو 1.7 مليون مسكناً، وهذا يشكل حوالي ثلث العدد الإجمالي للمساكن في البلاد. في وقت واظبت فيه إيجارات العقارات، بنوعيها السكني والتجاري، على الارتفاع المضطرد، بحيث بلغت نسبة هذا الارتفاع بعد العام 2011 نحو 10 أضعاف ما كانت عليه مباشرة قبل هذا التاريخ في المناطق المنظّمة، وأكثر من 15 ضعفاً في مناطق السكن العشوائي، وهذا يطابق الى حد بعيد فقدان الليرة السورية لعشرة أضعاف قيمتها الشرائية.

صعود عقارات المدن الكبيرة

تستدل وزارة الإسكان والتنمية العمرانية على أسباب ارتفاع أسعار العقارات في سوريا، وتشرحها في تصريحاتها الرسمية بعدم توفر ما يكفي من الأراضي المعدّة لأغراض البناء، وبتعدد المرجعيات المتعلقة بقطاع الإسكان، وبارتفاع أسعار مواد البناء وأجور الأيدي العاملة. لكن عواملاً أخرى لا تذكرها الوزارة ساهمت في ارتفاع أسعار العقارات وبدلات إيجارها، منها زيادة الطلب على المساكن خلال سنوات الحرب، وانخفاض المعروض منها في مناطق استقبال النزوح، والتدهور المرير لسعر صرف الليرة أمام الدولار.

وقد صار التفاوت في إيجارات المساكن داخل دمشق وحلب، كبرى المدن السورية، مرتبطاً بقرب المسكن من مركز المدينة التجاري، وبالتالي زيادة المزايا الخدميّة وعلى رأسها الكهرباء والماء. ويمكن ملاحظة مثل هذا التفاوت في إيجارات المنازل بين أحياء وسط دمشق مثل المالكي وأبو رمانة (تتراوح بين نصف مليون إلى مليون ليرة للشقة حسب المساحة والموقع)، وهذان الحيّان هما الأكثر تمتعاَ في دمشق كلّها بالخدمات الأساسيّة من أمان وماء وكهرباء ونظافة ومساحات خضراء وهدوء، نظراً لابتعادهما عن خطوط النقل العامة للباصات وسيارات "السرفيس" الصغيرة البيضاء. وفيهما تقطن الطبقة المترفة، وتنتشر فيهما مفارز الحراسات الأمنية، بعناصرها الذين يرتدون بدلات رسمية، ولا يتكلمون إلا لماماً مع المارة القليلين حين يعبرون قريباً من الأبنية التي يقطنها مسؤولو النظام والدولة. وينطبق الامر نفسه على منطقة المزة المصنّفة من ضمن أحياء العاصمة الفخمة.

تحوّل العقار في المناطق الآمنة إلى وعاء ادخاري استقطب سيولة الاغتراب الراغبة في توظيف استثماري آمن، مثلما استقطب الأموال المنهوبة في مناطق سيطرة النظام. ثم اكتنز قيمة تضخمية في سعر عرضه تفوق بعشرات الأضعاف تكلفته الفعلية.

التفاوت في إيجارات المساكن داخل دمشق وحلب، كبرى المدن السورية، مرتبط بقرب المسكن من مركز المدينة التجاري، وبالتالي بزيادة المزايا الخدميّة وعلى رأسها الكهرباء والماء.

أما الأحياء القريبة من مركز المدينة، مثل حي الزاهرة، وهو أحد آخر الأحياء التي شملها الاتساع الدائري لمخطط دمشق التنظيمي، ففيه كل مظاهر التلوث بالضجيج، وعوادم وسائل النقل العامة التي تعبر شوارعه العريضة. لكنه يعد حيّاً ممتازَ الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء ونظافة. ويعتبر حيّاً آمناً بالرغم من قربه من حي الميدان، الذي شهد عدداً من الاعتصامات والاحتجاجات وأعمال العنف عام 2011. ويبلغ متوسط ثمن الشقة في هذا الحي حوالي 175 ألف ليرة.

الايجار

كما يمكّننا ذلك التفاوت من الاستدلال عليه حين نقارن بين بدلات الإيجارات داخل دمشق، وبين قيمتها في الضواحي المتاخمة للعاصمة مثل قدسيا وصحنايا، التي تتراوح بدلات الإيجار الشهرية فيها بين 40 ألف و80 ألف ليرة. وهناك تنخفض جودة خدمات السكن الأساسيّة من ماء وكهرباء، ويزداد زمن تقنينهما، وتنخفض كذلك مستويات الأمان، ويزداد تدهور حالة البنية التحتيّة.

وإذا عاينا واقع استئجار السكن في الضواحي التي كانت تخضع لسيطرة المعارضة الإسلامية المسلحة في الغوطة الغربية لوجدنا كيف أنّ الإيجار الشهري للمنزل ينخفض هناك إلى حدود 20 ألف ليرة، وهذا بفعل تنامي النزوح من تلك المناطق، وبالتالي انخفاض الطلب على السكن هناك.

وكما في دمشق، أيضاً في حلب، ثمة تفاوت بين قيم بدلات الإيجار الشهرية التي يحددها اقتراب العقار من مركز المدينة أو ابتعاده عنها، وبالتالي اقترابه من مستوى الجيد للخدمات، أو ابتعاده عنها، ليتراوح بين 100 ألف ليرة في حي الموكامبو، وينخفض إلى نصف هذه القيمة في حييّ الفيض وحلب الجديدة، ثم ينخفض إلى حدود 30 ألف ليرة في مناطق أكثر شعبية مثل حييّ الأعظميّة والحمدانيّة. وكان إيجار المنزل ينخفض إلى أقل من تلك الحدود ليتراوح بين 15 ألف ليرة و25 ألف ليرة في ريف حلب حين كان خاضعاً لسيطرة المعارضة الإسلامية المسلحة.

ازدهار عقارات مناطق النزوح الآمنة

جذبت اللاذقية وطرطوس والسويداء معظم حركة النزوح الداخلي خلال سنوات الحرب، الأمر الذي زاد كثيراً من الطلب على العقارات، بحيث لم تواكبها الزيادة اللازمة في حركة العرض، ما أدخل العقار في تلك المناطق ضمن معادلة المضاربة التي استعرت إلى حدود غير مسبوقة في اللاذقية ليتراوح إيجار الشقة فيها بين 40 ألف إلى 75 ألف ليرة بحسب الحيّ، وجودة الخدمات المقدّمة فيه.

وفي طرطوس، المحافظة الساحلية الثانية الآمنة، لا يتزحزح وسطي إيجار المسكن عن 35 ألف ليرة حالها كحال جارتها اللاذقية. حتى في صافيتا، أحد مراكز الاصطياف الهامة والتابعة إدارياً لطرطوس، لا يقل بدل الإيجار الشهري هناك عن 25 ألف ليرة، وكثيراً ما يصل إلى 35 ألف ليرة.

جذبت اللاذقية وطرطوس والسويداء معظم حركة النزوح الداخلي خلال سنوات الحرب، الأمر الذي زاد كثيراً من الطلب على العقارات بحيث لم تواكبها الزيادة اللازمة في حركة العرض، ما أدخل العقار في تلك المناطق ضمن معادلة المضاربة.

أما في السويداء ثالث المحافظات الآمنة، فإن متوسط بدل الإيجار الشهري للمسكن يبلغ نحو 23 ألف ليرة. واللافت في هذه المحافظة أن حركة العرض العقاري ليست قاصرة عن حركة الطلب، ومع ذلك فإن منطق المضاربة وحساباته الربحيّة أبقت أسعار العقارات وإيجاراتها مرتفعة نسبياً، بعدما تحولت هذه المنطقة إلى حاضنة مناسبة للاستثمارات العقارية، وصار المشروع الأكثر إدراراً للربح فيها، وفي أحيان عديدة أصبح وسيلة للادخار متوسط وطويل الأجل، شأنه في ذلك شأن شراء الأرض أو الذهب أو اكتناز العملة الصعبة.

العقارات في مناطق المعارضة والإدارة الذاتية

ظهرت إدلب كملاذ نهائي لنتائج التسويات الأممية التي أخرجت المعارضة الإسلامية المسلحة من الغوطة ومن غيرها من المناطق التي عادت إلى سيطرة النظام السوري. إليها توجّهت الباصات الخضراء حاملة المسلحين وأسرهم، ومدنيين آخرين ظلوا ملتصقين بالحرب ربما بالرغم منهم أو عن غير قصد. وبهذا تشبه إدلب التي تقع حالياً تحت سيطرة المعارضة السورية محافظات النظام الآمنة لجهة أنها وجهة من وجهات حركة النزوح الداخلي، الأمر الذي رفع مستوى الطلب العام على السكن، ومعه ارتفع بدل الإيجار الشهري للمسكن إلى حدود 100 ألف ليرة، لكنه يبدأ بنحو 30 ألف ليرة بحسب جودة المسكن والخدمات الملحقة به.

وفي الحسكة التي يديرها الأكراد منذ سنوات إدارةً ذاتية، نجد كيف أثرت حركة النزوح الداخلي من محافظتي الرقة ودير الزور القريبتين من الحسكة على أسعار العقارات، وبدلات إيجارها الشهرية أيضاً، والتي تتراوح بين 15 ألف ليرة إلى 45 ألف ليرة. ومردّ الأمر هنا هو ارتفاع الطلب على السكن بصورة عامة، والثبات النسبي للمعروض منه، وهذا شأن أغلب المناطق السوريّة التي كانت جاذبة لحركة النزوح الداخلي خلال السنوات الماضية.

التصورات الغائبة نسبياً

لم ترتفع الدخول في سوريا لتساير تدهور قيمة العملة المحلية، في حين أن أسعار السلع خضعت لمعادلة الارتفاع منذ العام 2011. والعقار من أكثر السلع تأثيراً على مصائر الناس، كما أنه يفضح وفي آن الطبيعة السياسية والاقتصادية للدولة. فالعقارات في سوريا ظلت متروكة لقوى السوق ومضارباته في نزق براغماتي خالص، بحيث كانت ملايين الليرات تتحرك بين جيوب قليلة وهي تزداد وتتضاعف خلال زمن قصير، وظلت القوانين والتشريعات في غفلة عن إنضاج بيئة مناسبة لتطوير نمط من إنشاء عقارات متوسطة التكلفة والسعر. وهذا ليس من خاصيات كل النظم الليبرالية، ففي البلدان الرأسمالية ذات البنية الانتاجية، تفرض السلطات مروحة اسعار للعقارات وتعاقب المضاربة بها المنفلتة من كل قيد، وتفرض ضرائب على البيع والشراء وانتقال الملكيات تضبط بالضرورة، وإنْ الى حد متفاوت حسب البلدان، المضاربة الهوجاء. إنما السائد هنا هو من خاصيات الانظمة الريعية.

ولا يوجد في تصريحات النظام الرسمية ما يبشر بإعادة الاعتبار لقطاع التعاون السكني (الجمعيات السكنية) لا على صعيد تسهيل عملية الإقراض، ولا على صعيد تخصيص الأراضي اللازمة له. ولم تنضج بعد أي ميزات للاستثمار في قطاع السكن الاجتماعي أو الرخيص نسبياً.

العقار من أكثر السلع تأثيراً على مصائر الناس، كما أنه يفضح، وفي آن، الطبيعة السياسية والاقتصادية للدولة. والعقارات في سوريا ظلت متروكة لقوى السوق ومضارباته في نزق براغماتي خالص، بحيث كانت ملايين الليرات تتحرك بين جيوب قليلة وهي تزداد وتتضاعف خلال زمن قصير. وهذا من خاصيات الانظمة الريعية.

وما يمكن استنتاجه هنا هو رغبة النظام باستكمال مسيرة الاستثمارات العقارية غالية الكلفة عند حديثه عن إعادة الإعمار، وتلك مشاريعٌ ظهر بعضها، مثل "مشروع البوابة الثامنة" على طرف دمشق الغربي، وأكثرها توقف به الزمن عند العام 2011، لكنه ينتظر أن تدور عقارب الساعة ليستيقظ مجدداً. وهذا ينطبق على مشاريع الاستثمار العقاري الفارهة مثل "ماروتا سيتي" الذي يتكون من سبعة أبراج سكنية فخمة تطل على منطقة المزة فيلات شرقية، وهو أحد مشاريع شركة أمان القابضة خلال سنوات الحرب. ثم لحق به مشروع "لاند مارك" للشركة عينها، وهو عبارة عن ثلاثة أبراج سكنيّة من المخطط أن يصل عدد طوابقها إلى 70 طابقاً. ويؤمل أن يكون هذان المشروعان، كما سواهما، أداةً لجذب السيولة النقدية التي تشكّلت عند السوريين في الخارج خلال سنوات الحرب، وقبلها أيضاً.

مقالات من سوريا

للكاتب نفسه

رمضانٌ جديد، وصيام السوريين طويل

يفطر الدمشقيون من أبناء احياء القيمرية والعمارة والحميدية على الأصوات الجماعية العذبة لـ"رابطة المنشدين" في الجامع الأموي وهم يرفعون آذان المغرب. لكن ذلك ليس حال جميع السوريين في شتاتهم، كما...