حُلم ملك البحرين بغزو الفضاء

قرر ملك البحرين منذ خمس سنوات غزو الفضاء، ومذَّاك ما زال يُمْعِن! حين يختفي الخوف من ارتكاب المسخرة.
2019-07-14

عبد الهادي خلف

أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة لوند ـ السويد، من البحرين


شارك
إيهم جابر - سوريا

في 12 شباط / فبراير 2014 أصدر ملك البحرين مرسوماً بإنشاء الهيئة الوطنية لعلوم الفضاء، وتبع ذلك مراسيم أخرى بتشكيل هيئاتها وتحديد المهمات المنوطة بها. من بين أولى تلك المهمات التي حددها المرسوم " النهوض بعلوم الفضاء في البحرين وإنشاء بنية تحتية سليمة لمراقبة الفضاء والأرض من أجل تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة وتحقيق الريادة للمملكة في مجالات علوم الفضاء والمفاهيم التقنية المتعلقة بها".

علوم الفضاء لزخرفة السلطة

على الرغم من الضجة الإعلامية (المحلية) التي رافقت إعلان مرسوم تشكيل "الهيئة الفضائية" لم يأخذ كثيرون دخول البحرين مجال علوم الفضاء بجدية. وإعتبر منتقدو سلطة العائلة الحاكمة في البحرين إن الهيئة الجديدة لا تعدو أن تكون مجرد زخرف إعلامي لتجميل صورة السلطة. فالبحرين لا تملك البنى التحتية (العلمية والتقنية والتنظيمية والمؤسساتية) اللازمة لتحقيق أحلام الملك الفضائية.

وبسبب حداثة التعليم الجامعي في البحرين وعدم الإهتمام بالبحث العلمي في مختلف المجالات، بما فيها العلوم الهندسية والفيزيائية، فلم تتشكل في البلاد الكتلة العلمية الحرجة التي تسهِّل دخولها إلى مجال البحث الفضائي ناهيك عن تحقيق الريادة فيه. وفوق ذلك، فالبحرين بلدٌ صغيرة وقليلة السكان وليس لديها ما لدى غيرها من شقيقاتها في الخليج العربي من الموارد المالية التي يتطلبها شراء تلك البنى التحتية أو إستئجارها. البحرين ليست الإمارات أو السعودية، فهاتان تستطيعان شراء أو إستئجار أكثر أشكال التقنية ومنتجاتها حداثة حتى ولو لم تكونا قادرتين على إستيعاب تلك التقنيات المستوردة.

البحرين بلد صغيرة جداً وقليلة عدد السكان وشحيحة الموارد، وهي ليست الإمارات أو السعودية اللتان تستطيعان شراء أو استئجار أكثر أشكال التقنية ومنتجاتها حداثة حتى ولو لم تكونا قادرتين على استيعاب تلك التقنيات المستوردة.

لحسن الحظ، وحتى الآن، لم يتهور مسئولو الهيئة الفضائية البحرينية ولم يندفعوا في الطريق الذي إفتتحه الملك بشطحته الفضائية. بل هم إكتفوا بإفتتاح صفحات الكترونية لها في مختلف مواقع التواصل الإجتماعي وبالإدلاء ببيانات تنشرها الصحف المحلية. وفي أحد تلك البيانات تشير الهيئة إلى أن من أهم إنجازاتها خلال الأربع سنوات الماضية كان إنها "صاغت واعتمدت الاستراتيجية الخاصة بالهيئة، واختارت الشعار والهوية، وأعدّت الميزانية التشغيلية وميزانية المشروعات للفترة من 2015 إلى 2018 بما يتوافق ومتطلبات تحقيق الاستراتيجية المعتمدة ورفعتها للجهات المعنية لاعتمادها" (صحيفة "البلاد" 5 /9/2017).

أول قمر صناعي بحريني في 2020

في 7 تموز/ يوليو 2018 أعلنت الهيئة الفضائية في البحرين عن طرح أول مشاريعها بتشكيل "فريق البحرين للفضاء". وفُتح باب الإنضمام للفريق الذي سيتكون من عشرة أفراد أمام "ذوي الكفاءة من الجنسين". ويتبين من التصريحات الرسمية إن أفراد العشرة الذين سيتم إختيارهم سيتلقون التدريب اللازم للإسهام في إطلاق أول قمر صناعي في العام 2020 ولتمكين البحرين بحلول العام 2023 من "تحقيق خطوات ملموسة نحو توظيف علوم الفضاء لخدمة التنمية ومواكبة الركب العالمي في هذا القطاع المهم" (صحيفة "الأيام" 15/7/2018).

أثار الإعلانان عن تشكيل الهيئة الفضائية وعن تشكيل "فريق البحرين للفضاء" حملات ساخرة على مواقع التواصل الإجتماعي. كما إستثارت مناشدات وجدت طريقها إلى الصحف المحلية، دعت إلى الإلتفات إلى قضايا أكثر أولوية وأقل صعوبة من غزو الفضاء كمكافحة الفساد الإداري ونتائجه بما فيها إنخفاض مستوى التعليم وسوء الخدامات الصحية. ففي مواقع التواصل الإجتماعي، كما في الصحف المحلية، تتكرر نداءات الإستغاثة التي يطلقها مواطنون بسبب المعاناة من نقص الأدوية في المستشفيات الحكومية أو بسبب رداءة نوعية المتوفر منها أو إنتهاء فترة صلاحيته ("الأيام" 15 /7/2018). إلا إن الوزير المشرف على الهيئة رفض تلك الإنتقادات وكرر التأكيد على إن "دخول مملكة البحرين بمجال علوم الفضاء جاء عبر رؤية ثاقبة تستشرف المستقبل من قبل ملك البحرين الذي يولي الهيئة اهتمامه ومتابعته الخاصة منذ تأسيسها" (وكالة أنباء البحرين 7/7/2018).

الكثير من اللغط حول لا شيء

شددت التصريحات الرسمية على إن برنامج البحرين الفضائي يهدف لاجتذاب النخبة من بين الكفاءات الوطنية من مختلف التخصصات العلمية، وأن من سيتم إختيارهم سيحصلون على فرصٍ وظيفية مستقرة في بيئة عمل ممتازة ومتميزة. وستقدم الهيئة لهم التأهيل اللازم في البحرين وخارجها لتمكينهم من تنفيذ المشاريع المتعلقة بالفضاء، بالإضافة إلى إلتزام الهيئة بتطوير مهاراتهم عبر فرص التدريب النوعية.

أسهمت التصريحات الرسمية في اجتذاب الآلاف من الراغبين في الإنضمام إلى الفريق الفضائي. ففي الإسبوع الأول بعد فتح باب قبول طلبات التوظيف تقدم 400 بحريني وبحرينية بطلباتهم إلى الهيئة وإستمرت الطلبات تتوالى حتى بلغت 2173 طلباً عند إنتهاء موعد إستلام الطلبات في نهاية الشهر نفسه.

أثار الإعلان عن تشكيل الهيئة الفضائية و"فريق البحرين للفضاء" حملات ساخرة على مواقع التواصل الإجتماعي، كما إستثار مناشدات في الصحف المحلية دعت إلى الإلتفات إلى قضايا أكثر أولوية وأقل صعوبة من غزو الفضاء، كمكافحة الفساد الإداري ونتائجه بما فيها إنخفاض مستوى التعليم وسوء الخدامات الصحية..

رغم مرور سنة على إقفال باب الترشيح فلم يتم الإعلان عن أسماء من تمّ إختيارهم لعضوية "فريق البحرين للفضاء". ولا يبدو في الأفق أن انتظار المتقدمين بطلباتهم سينتهي قريباً حسبما يتضح من مناقشات دارت في المجلس النيابي حول ميزانية الدولة للعامين القادمين. فالميزانية المرصودة للهيئة الفضائية لا تغطي سوى مصروفاتها التشغيلية، إذ يقل المبلغ المرصود لها في العام الحالي (2019) عن مليوني دولار أميركي (732 ألف دينار بحريني). وسيرتفع المبلغ المرصود في العام التالي (2020) - وهو عام إطلاق أول قمر صناعي بحريني - ليصل إلى مليونين وسبعمئة ألف دولار أمريكي (مليون وثلاثين ألف دينار بحريني). وهذا المبلغ لا يكفي لتشكيل فريق بحثي متواضع الطموح، ناهيك عن إطلاق مشروع يتضمن بناء قمر صناعي وإطلاقه وإدارته في خلال فترة قصيرة لا تتجاوز السنتين. جدير بالإشارة إن مجموع المخصصات المالية للهيئة الفضائية للسنتين القادمتين يقل عن ما تدفعه البحرين سنوياً لجامعة سابينزا في العاصمة الإيطالية مقابل تدشين كرسي أكاديمي تحت إسم "كرسي الملك حمد للحوار بين الأديان والتعايش السلمي".

حتى بملاحظة تدَّني تحصيله التعليمي وعدم جَلَدِه على متابعة التفاصيل، فلا يُعقل أن يتخيل ملك البحرين أو أحدٌ من حاشيته أنْ تُحقق الهيئة الوطنية لعلوم الفضاء المعجزة التي ستذهل العالم. أي أن تستطيع خلال الوقت القصير المحدد لها وضمن الميزانية المتواضعة المخصصة لها أن تجعل ملك البحرين يدخل عصر الفضاء ويحقق لمملكته "الريادة في مجالات علوم الفضاء والمفاهيم التقنية المتعلقة بها".

ولكن من يعرف ما الذي يدور في ذهن حاكمٍ لا يستطيع أن يتفاهم حتى مع الموالين له. حاكم فرض الضرائب على شعبه واستدان الأموال لشراء طائرات ف.16، ثمن الواحدة منها أكثر من سبعين مليون دولار أمريكي (الوطن 23/6/2018). هل هو الهوس بالتنافس مع حكام الخليج الآخرين على الرغم من أنهم يحكمون بلدانأ أغنى وأكثر سكاناً؟ هل هو الهوس بزخرفة "دولة" حوَّلها من إمارة إلى مملكة؟ أم هو ضربٌ من جنون العَظَمة الذي تتزايد أعراضه ويدفع العباد والبلاد ثمنه؟

مقالات من البحرين

للكاتب نفسه