أخوّة السوق الفلسطينيّة

«رحلةٌ إلى نابلس» عُنوانٌ على رأس صفحة إعلان بيضاء تملأ شوارع حيفا وغيرها من مُدن الداخل الفلسطيني. في هذه الصفحة لا تجد أي معلومات أخرى عن الرحلة، لا برنامجها ولا مرشدها ولا جهة التنظيم، الموعد والرسوم ورقم الهاتف فقط. أسود على أبيض، ورقةٌ هزيلة فارغة مطبوعة بإهمالٍ بخيل: عُنوان فقط من دون مضمون. هذا حال الإعلان وحال الرحلة التي تبدأ وتنتهي بالأسواق. وهذا حال ما يُسمى
2013-08-28

مجد كيّال

كاتب فلسطيني من حيفا


شارك
أذونات اسرائيلية خاصة، بمناسبة عيد الفطر، سمحت لفلسطينيي الضفة الغربية بالدخول الى تل أبيب والاستمتاع بالبحر.(تصوير مناحيم كوهين -أ ف ب)

«رحلةٌ إلى نابلس» عُنوانٌ على رأس صفحة إعلان بيضاء تملأ شوارع حيفا وغيرها من مُدن الداخل الفلسطيني. في هذه الصفحة لا تجد أي معلومات أخرى عن الرحلة، لا برنامجها ولا مرشدها ولا جهة التنظيم، الموعد والرسوم ورقم الهاتف فقط. أسود على أبيض، ورقةٌ هزيلة فارغة مطبوعة بإهمالٍ بخيل: عُنوان فقط من دون مضمون. هذا حال الإعلان وحال الرحلة التي تبدأ وتنتهي بالأسواق. وهذا حال ما يُسمى بـ«التواصل الفلسطيني ـــ الفلسطيني من جانبيّ الخطّ الأخضر». فإن وضعنا جانباً المساحة الضيّقة لتفاعل النشطاء السياسيين، يبقى من «التواصل» المساحة الأكبر، وهي شبكةٌ من علاقات البيع والشراء والأسواق المضطربة بين الداخل أي أراضي 1948 والقدس والضفة، نتخبط نحن فيها بينما يتحكّم الاحتلال الصهيوني بإمكانيّاتها وإيقاعها.
سجّل لهذه الرحلة، ستنطلق الحافلة الممولة، غالبا، من الغرف التجاريّة في السلطة الفلسطينية. تفتح لك الحافلة بابها في نابلس أو جنين أو طولكرم أو غيرها من مدن الضفة الغربيّة، تخرج منها وهذا كل ما في الأمر. بعد دقائق قليلة ستجد نفسك، شئت أم أبيت، وسط السوق، تشتري ما تريده وما لا تريده بأسعار أرخص بكثير من الأسعار التي يشتري بها فلسطينيو الداخل عادة.

الحرب على قوة شراء هامدة

«منفعة شعبنا وتدعيم الاقتصاد الفلسطيني». هذا الادعاء المركزيّ في كل حركة «السياحة» التجاريّة بين الداخل والضفّة، حركة قطعتها الانتفاضة الثانية طويلاً، ثم عادت بشكلٍ مُفتعل، بادرت إليه السلطة الفلسطينيّة بالأساس، وضخّت فيها تمويلاً كبيرا. هكذا تبنى العلاقة التي لطالما قُطعت بين الداخل والضفة الغربيّة، في «إطار السوق» الذي لا يرحم، ولا يمكنه أن يبشّر بأي خير. والعلاقات التي تتكوّن في هذا الإطار مَرَضيّة في جوهرها علاقة تتناقض فيها المصالح الاقتصاديّة بحسب هويّة اجتماعيّة وجغرافيّة قسّمها الاحتلال، تبني مع الوقت ـ وقد بَنَت ـ وعيا جماعيا تغرقه الأفكار المسبقة والقولبات السريعة، يملأها شعور دائم بالشكّ المتبادل بالنوايا بين البائع والمشتري. وهذا كلّه يجري طبعا في أجواء اوركستراليّة تبجّل الأخوّة الفلسطينيّة والتعاون ووحدة الشعب، بالورود والتحيّات الحارة... والكاذبة.
لعل أسوأ ما في الأمر أن تتحول المدُن الفلسطينيّة إلى أسواق. في الماضي تمحورت الأسواق حول المعالم المركزيّة، أما الآن فصار السوق ذاته هو المعلم والمكان الوحيد الذي يحجّ إليه فلسطينيو الداخل. أسواق ضيّقة ومحدودة في إمكانيّات توسّعها. بات الفلسطيني لا يعرف أي شيء عن مدنه غير أسواقها. نعرف من القدس سوقها، ومن بيت لحم سوقها، وحتى من عكا ويافا أسواقها. أما المعالم الأثريّة فيها، فهي غالبا بأيدٍ إسرائيليّة، تبث سموم الرواية الصهيونيّة. وإن لم تكن كذلك، مثل المسجد الأقصى مثلاً، فهي بأيادٍ فلسطينيّة متديّنة لا تعتبر المكان ملكًا لجميع الفلسطينيين في حرية الدخول إليه وزيارته. في الأقصى مثلاً، وفي حالات كثيرة، يسألونك إن كنت مسلما أم غير مسلم ليتحدد متى تدخل وكيف، وإن قلت أنك مسلم ولم يكن يظهر عليك ذلك (لا أعرف كيف يظهر على الإنسان أنه مسلم) فعليك أن تقرأ آية أو آيتين من القرآن لتثبت للحراس ذلك!
هوس دائم بقوة الشراء والسوق، لا أحد يسأل عن الإنتاج ولا أحد يسأل عن الصناعة ولا عن الزراعة، لا أحد يسأل من أين البضائع، وإلى أين يتجه الاقتصاد الفلسطيني بالفعل. نشتري ونبيع ونقدّم الخدمات لأنفسنا، نربح من أنفسنا ونخسّر أنفسنا... وندفع الضرائب للإسرائيليين. لا أحد يسأل لماذا يدفع تجّار الضفة والداخل ضرائب البيع والشراء للإسرائيليين بموجب اتفاقية أوسلو وما تبعها. الغريب في الأمر أن مَن يعرف الفقر المدقع الذي يعيش فيه الفلسطينيون يُصدم: «كل هذه الحرب الاقتصادية على ناس معثّرين مثلنا؟» يسأل أحد الأصدقاء الساخرين.

حين يُصبح الوطن استثناء سياحيا

في رمضان الأخير، وفي أيام عيد الفطر خاصة، منح الجيش الإسرائيلي نحو 250 ألف تصريح لفلسطينيي الضفة لدخول الأراضي المحتلّة. الصحافة الفلسطينيّة والعربيّة تجاهلت، بأغلبيّتها، كل الفحوى السياسية والاجتماعية في حالة «التصاريح»، غاب المضمون والمعنى المرتبط بمكان القضيّة الفلسطينيّة وموقعها في كيان الفلسطيني وعقله، وتأثيرها في حياته اليوميّة. فما معنى أن ندخل وطننا كلنا، بشكلٍ جماعيّ وجارف، بتصاريح عسكريّة؟ ما معنى أن يتحوّل الوطن إلى هدفٍ سياحيّ للمناسبات السنوية السعيدة؟ أن يتحوّل بلدك ومكانك الطبيعي إلى استثناء احتفاليّ؟ أسئلة كثيرة وكبيرة لا أحد يتطرّق لها... مرّة أخرى، نجوم «الغرف التجاريّة الفلسطينيّة» هم عنوان الحالة، ولا سواهم. رئيس الغرفة التجارية لمدينة طولكرم مثلاً، يعتبر هذه التصاريح مؤامرة! لماذا؟ لأنه يعتبرها تهدف لنقل قوة الشراء الفلسطينيّة في أيّام العيد من الضفة إلى داخل إسرائيل، فتترك أسواق الضفّة خالية.
الصحافة الإسرائيليّة احتفلت بدورها، جزء منها احتفل بوداعة شعب الله المختار وغفرانهم لأعدائهم. جزء آخر احتفل بالإنجاز العسكري، المخابراتي، والسياسي، الذي يُتيح دخول مئات آلاف الفلسطينيين إلى إسرائيل من دون أدنى تهديد أمنيّ! بدورهم، انصرف المصوّرون الإسرائيليّون لالتقاط الصور للمحجّبات على شاطئ هرتسيليّا الذي تمكث فيه عادةً أغنى وأرقى الطبقات الاجتماعيّة الإسرائيليّة. في هذا السياق ما يُثير الاستغراب: ألم يكن ممكناً أن تكون هذه المرأة المحجّبة من أي قرية أو مدينة فلسطينية في الداخل؟ لماذا تعبّر هذه الصور عن فلسطينيي الضفة بالذات؟ لماذا لا يرى الإسرائيليّون بهذه الصورة عائلة حيفاويّة أو جليليّة رغم أن جميع الفلسطينيين يشبهون بعضهم البعض؟ لأن هؤلاء الفلسطينيّين الذين يدخلون بشكلٍ استثنائيّ إلى إسرائيل، لا يعرفون ترتيبهم في البلاد، لا يعرفون ان هذه شواطئ أغنياء اليهود، وأن مكانهم في شواطئ عكا أو شواطئ حيفا وليس هرتسيليا المتخمة. الاستثناء الذي يكسر الترتيب الإستعماري للحياة في داخل إسرائيل، هو المسألة التي تجعل من هذه الصورة مميزة وذات دلالة خاصّة.

أينما وُجد الربح

حقق الإسرائيليّون بالفعل، أرباحا كبيرة في فترة عيد الفطر، لكن تهويل الصحافة يحمل قدرا كبيرا من السذاجة، ويعرض لنا الحالة وكأن الاقتصاد الإسرائيلي ينتظر منّة المال الفلسطيني. بالحقيقة، الاقتصاد الإسرائيلي لا ينتظرنا، ولديه من صادرات السلاح والدم ما يُطعمنا لسنوات. في الوقت ذاته، خرجت مجموعة شبابيّة بهدفٍ نبيل: أن تدلّ أهالي الضفّة الذين يدخلون إسرائيل إلى المصالح التجارية لفلسطينيي الداخل، ليبقى المال الفلسطيني للفلسطينيين. «طلعلي تصريح، وين أروح؟» كان عنوان الحملة التي أطلقها الشباب، وهدفها توجيه سياحة الضفّة إلى المدن والأماكن والمصالح الفلسطينيّة في الداخل. الهدف نبيل، لكنه مرّة أخرى، يُسطِّح المسألة بالكامل، ويترك المشهد الفلسطيني من دون مضمون ومعنى.
«رؤساء الغرف التجارية» في الضفة يظهرون بالإعلام في الآونة الأخيرة أكثر من وزراء السلطة (لدينا رئيس وزراء اختفى اسمه رامي حمد الله، يُرجى الإبلاغ إذا ما تم العثور عليه)، ولا يمر يوم على الصحافة الفلسطينية دون تناوب أحد رؤساء الغرف التجارية للإدلاء بتصريحات بسبب ومن دون سبب. والموقف السياسي لدى هؤلاء يتبدل بحسب المصلحة التجاريّة فقط، فرئيس الغرفة التجاريّة في القدس مثلاً، يعتبر التسهيلات الإسرائيليّة على الحواجز لحركة التجارة من الداخل إلى الضفة، مخططًا إسرائيليا لضرب أسواق المدينة وتهجير أهلها، حيث ينقلون الحركة التجارية إلى الضفة بدلاً من أسواق القدس. وتجّار الداخل يشكون سفريات المشتريات المنظمة إلى الضفّة: «واقتصادنا المحلّي، ماذا عن أسواق الناصرة وعكا؟» ويفكرون بجديّة، وقد كتبوا عن الأمر في الصحافة، بإطلاق حملة «إشترِ من بلدك». ما هي بلدك هذه؟ أينما وجد الربح، ذاك هو وطني.

مقالات من فلسطين

الجيل المولود في التسعينيات في غزَّة... بين حانا ومانا

اطلق مواليد التسعينات حملة "شيّبنا"، محمّلين الحكومتين في الضفة الغربية، وقطاع غزَّة المسؤولية عن الحيلولة دون وصولهم الى سوق العمل بكافة القطاعات، باعتبارهم غير ملائمين للوظائف المتاحة لكبر سنهم!

فلسطين وعلامات الانتفاضات... القادمة

تبين النصوص التي باشرنا بنشرها حول "انتفاضات 2019 الكبرى: نتائج مبتورة"، وحول "انتفاضات 2019: إبداع تأسيسي"، وسنجمعها عند اكتمالها بدفترين، تبيّن موقفنا من.. الحياة، وتوضح كيف أننا لسنا قلة ولا...

للكاتب نفسه

وباءٌ في بلادٍ ممزّقة: تقرير من فلسطين

مجد كيّال 2020-04-09

العجلة والتشديد في فرض اجراءات الحجز يشيران إلى إدراك السلطات ووعيها لكارثيّة الأوضاع الصحية والطبية، ولحقيقة أنّ تفشي مثل هذا الوباء في مكانٍ مثل قرانا ومدننا ومخيّماتنا -بما فيها من...