عن ثقافة الإصلاح: البنية أولاً... وأخيرًا

لا يُمكن للمثقف الإصلاحيّ أن يعيش من دون "النظام". فهو لا يتصوّر دوره من دون النظام، لأن رؤيته للتغيير غير قابلة للتحقق إلا من خلاله، وهذه هي المشكلة الأولى. ومن جهة أخرى يؤدي سقوط "النظام" إلى ظهور الفجوة بين المثقف الإصلاحي والمثقف الثوري في اللحظة التي لم يعد فيها النظام مطلقًا، وهذه هي المشكلة الثانية.
2013-07-18

مجد كيّال

كاتب فلسطيني من حيفا


شارك
(نضال الخيري)

لا يُمكن للمثقف الإصلاحيّ أن يعيش من دون "النظام". فهو لا يتصوّر دوره من دون النظام، لأن رؤيته للتغيير غير قابلة للتحقق إلا من خلاله، وهذه هي المشكلة الأولى. ومن جهة أخرى يؤدي سقوط "النظام" إلى ظهور الفجوة بين المثقف الإصلاحي والمثقف الثوري في اللحظة التي لم يعد فيها النظام مطلقًا، وهذه هي المشكلة الثانية. بين هذين العاملين، يظهر المثقف الإصلاحي مأزوماً (وهو بتعريفه لنفسه يجمع بين الموقف الأخلاقي والتعقّل)، لأنه من جهة فقد النظام، والنظام يكبح الأخلاق المفرطة وحسّ العدالة المتهوّر، ويشكل بهذا الكبح ضماناً للتعقّل السياسي. ومن جهة أخرى، أدى انهيار النظام إلى فراغ تملأه الأخلاق الثوريّة وقيم العدالة والحريّة، ولم تعد هذه القيم نغزات ضمير قبل النوم، بل صارت جرفاً فعليًا يملأ الشوارع ولا يمكن الهروب منه، ويثبت أن العقلانية والواقعيّة السياسية في صفه.

لماذا يرى المثقف الإصلاحي نفسه كهمزة وصل؟

يتشكل هذا الحرج، وهذه الأزمة، لأن المثقف الإصلاحي يرى نفسه أصلاً همزة وصل بين صُلب السلطة والمصلحة العامة. يرى نفسه جزءاً من نخبة تدور في فلك السُلطات، نخبة ترى نفسها وكيلة المصلحة العامة في هذا الفلك، وترى أن تحسين الوضع القائم يأتي من داخل هذا الفلك وليس من فلك المتضررين من السلطة. يفترض مثقفو الإصلاح أنهم همزة الوصل، لأنهم يملكون ما يفتقده الطرفان: هم يملكون الأخلاق وقيم المبالاة تجاه من هم دون مكانتهم، وهي عوامل تفتقدها سلطة الاستبداد، ومن جهة أخرى، يملكون الأدوات المعرفيّة وإمكانيّات "التعقّل" التي لا يمسك العوام بتلابيبها.

المثقفون الإصلاحيون مرتبطون بالسلطة، وخطابهم يتركّب كجزء من مناجاة السلطة. والحق أنهم قد ينجحون أحيانا في تغيير بعض ملامحها من الداخل. لكن المهم أنهم مرتبطون بالنظام، وفهمهم لإمكانيّات تطوّر الحركة السياسيّة هو فهم مسرحي: الضغط الشعبي، التحرّك الشعبي، الانتفاضة والثورة (حتى وإن كان الإصلاحيون يقفون معها)، فهي كلها وسائل دراميّة تدفع الأبطال إلى قيادة الأحداث على الخشبة. لا يمكن للإصلاحيين فهم حركة الناس إلا كأدوات ضغط لتحقيق توازنات بين نخب في محل خلاف، توازنات تسمح لوصول أمراء شكسبير (أو أمراء على بياض) إلى حلول فيما بينهم، بدلاً من الغدر المطلق. الإرادة الشعبيّة ليست شرعيّة بحد ذاتها، بل هي غذاء لشرعيّة هذا الأمير أو ذاك على طاولة التفاوض أو التداول السياسي كما يفرضها البروتوكول. وهذا ليس فقط في الوطن العربي، فقد لمسنا هذا النهج ذاته في مقاومة الاستعمار في فلسطين، حيث سمعنا أصواتاً تنادي بحمل البنادق أو بالمقاومة الشعبيّة من أجل تحقيق توازن يُفضي إلى مفاوضات نديّة.

عن أي فرز يتحدثون؟

حين يتحدّث الاصلاحيون عن الثورة، لديهم غول اسمه "الفرز": إنهم يحذرون دائماً من إمكانيّة تحوّل الفرز إلى فرز هويّاتي، طائفي، شعوبي. متجاهلين ومسخّفين أي حديث عن فرز مبدئي، اجتماعي، بين مطبقي الشريعة والعلمانيين، بين الطبقات الاجتماعيّة، بين الأيديولوجيّات والتوجهات السياسيّة. ويهبّون للدفاع عن الوحدة، وهي غالباً ما تتحول قيمةً بحدّ ذاتها، ولكنهم لا يسألون من المسؤول عن تحويل كل صراع أيديولوجي إلى حرب طوائف، ولا يعترفون بأن أمراء النخبة الذين يعوّل الاصلاحيون عليهم للتوصل إلى توازن عادل، هم المسؤولون أولاً وأخيراً عن تحويل كل صراع بين التقدميّة والرجعيّة إلى صراعٍ بين رجعيّتين. أمراء الحرب والإعلام، بغض النظر عن اختلاف ثيابهم ومستوى خطابهم، هم من يطلب منهم الإصلاحيون الوصول إلى حلول عادلة، أي أنهم بالنهاية من يطبّقون حسّ العدالة الذي تحدثنا عنه.

التحكم في الحركة الشعبية

تضع ثقافة الإصلاح الحركة الشعبيّة (خلال نقاشها، حتى وإن كانت تؤيدها) أمام خيارات تختلف بالشكل، لكنها مشتركة في كونها تجتهد لتعيد الحالة الشعبيّة اللاسلطويّة العارمة إلى قوالب مفهومة واضحة ومحددة. تارةً يكون الموقف بأن الحركة الشعبيّة يجب أن تحدد ممثليها، وتارةً يكون واجب الحركة الشعبيّة الانخراط في الأحزاب القائمة لتؤثر عليها من الداخل. هذه كلها خيارات تهدف لاحتكار الحركة الشعبيّة في مبنى محدد، حصرها. المهم أن تكون الأمور محددة لتترتب في برج القوى المتين القائم، والتي تنهل من ديناميكياته النظريّة الإصلاحيّة برمتها.

"اتساع" الطبقة الوسطى. كم وكيف؟

واحدة من المشاكل الجديّة في خطاب الإصلاحيين هو الانتقائيّة الجذريّة في عرض مركّبات المجتمع. ولا يخفى على أحد إصرارهم على التمسّك الاحتفالي بفشل التوقّع الماركسي بفرز المجتمع إلى طبقتين اجتماعيتين. ويكون اتساع الطبقة الوسطى مدخلهم الوحيد لفهم حركة المجتمع وفهم الحركة السياسيّة. أما عن ماهيّة الطبقة الوسطى فلا أحد يسأل: احتكار الطبقة الوسطى للطلائعيّة يتحوّل إلى معطى مفهوم ضمناً، ولكنهم بالحقيقة يحسبون اتساع الطبقة الوسطى بناءً على اتساع الحركة الطلائعيّة في المجتمع، وفي هذا فشل منهجي جذري. فنرى هذا النهج يستنتج من اتساع المشهد الثقافي والحركة السياسية السلميّة في بلد ما بأن الطبقة الوسطى في هذا البلد واسعة، أما إن سألنا عن المعايير الاقتصاديّة لقياس اتساع هذه الطبقة فنجدها بالأساس تحتسب القدرة الاستهلاكيّة للفرد وتتجاهل كلياً الفجوة الاقتصادية الهائلة، الجوهرية والقطعيّة، بين الأغلبيّة والقلّة القليلة المهيمنة على الاقتصاد. وهذه "الفجوة الهائلة" هي التي تفصل بين مجموعتين يتبلور بينهما ثأر جديد.

إلغاء الفحوى للتركيز على المبنى

إن النظام الذي ترتبط به ثقافة الإصلاح وتسبح في فضائه، لا يعني بالضرورة النظام الحاكم بشكلٍ مباشر، لكنه يعني النظام الاجتماعي القائم والذي يُشكل الأمراء جزءا من وعيه. ما تتجاهله الثقافة الإصلاحيّة في مساعيها للحفاظ على هذا النظام الذي في إطاره يتم تداول السياسة، هي أن أدوات المعرفة لم تعد مرتبطةً بالضرورة بالوضع الاقتصادي. والذين يعيبون على الماركسيّة توقّفها في نقطةٍ زمنيّة معينة من دون تطوّر (وهذا صحيح)، يتجاهلون تماما أن بنيتهم الفكرية لا زالت عالقة في زمنٍ يحتكر فيه الأغنياء المعرفة. إن أدوات التأثير السياسي والتعاطي السياسي، في استقبال المعلومة، إنتاجها وتصديرها، صارت، بشكلٍ أو بآخر، في متناول الجميع ولم تعد حكرًا على طبقةٍ بعينها. وبناءً على هذا، تتناسى هذه الثقافة أمرًا هاما، أنه في الصراع الدائر بين من هم تحت "الفجوة الهائلة" ومن هم فوق "الفجوة الهائلة" من نخب حاكمة، ثنائيّة "الأخلاق" و"التعقّل" لم تعد تصلح ليتنفّس المثقف الإصلاحي من جمعها. فالمعرفة لم تعد حكراً على فضاء النخبة الحاكمة، ولا النقد العقلاني، لأن أدوات المعرفة تغيّرت، إلا أن حسّ العدالة والأخلاق لم يتغيّر ليصل الى النخب الحاكمة. هنا يُعاد ترتيب المواقع، وتُقطع بشكلٍ أو بآخر، علاقة الحركات الشعبيّة بالمثقف الإصلاحي، من باب القطيعة بين الحركة الشعبية والفضاء الحاكم برمّته.

نهايةً، المثقفون الإصلاحيون يستخدمون كل الأدوات النظريّة الممكنة لتجريد الحركة من مضمونها، وإلغاء الفحوى للتركيز على المبنى. المبنى هو الضمانة النظريّة لاحتكار الحركة وحصرها، تقليص دائرة تداولها وتحديد التداول بالهرميّات والإجراءات. وجزء متأصل من هذه الإجراءات هو ابتذالها من أجل تعقيد المعرفة واحتكارها عن العامّة. المبنى يحوّلنا مواطنين قبل كل شيء، وبحسب رؤيتهم الإصلاحيّة، فإن الانتماء الاجتماعي والسياسي سلعة نتداولها فيما بيننا في إطار الإجراءات البنيوية في الدولة، هو ليس نتاجاً إنسانياً، كما لا يرون السياسة فطرةً أو حاجةً إنسانيّة ماسّة، بل ترفيهاً في وقت فراغ المستهلكين.

مقالات من فلسطين

غزة ومبادراتها الطوعية في عصر كورونا

مجيء هذا الفيروس كان مناسبة للفت الأنظار، والالتفات لطاقات شبابية قامت بمبادرات تلقائية بأشكالها التوعوية الصناعية والإبداعية، فاستطاعت تطوير الخدمات التي تقدمها الطواقم الحكومية، بالإضافة لإيجاد حلول تدعم خطوات احتواء...

للكاتب نفسه

وباءٌ في بلادٍ ممزّقة: تقرير من فلسطين

مجد كيّال 2020-04-09

العجلة والتشديد في فرض اجراءات الحجز يشيران إلى إدراك السلطات ووعيها لكارثيّة الأوضاع الصحية والطبية، ولحقيقة أنّ تفشي مثل هذا الوباء في مكانٍ مثل قرانا ومدننا ومخيّماتنا -بما فيها من...