موارد مصر ليست لشعبها.. من يُحكِم قبضته عليها؟

باتت المواد التي تنتجها مصانع الجيش والتي تحظى بامتيازات على رأسها السعر المنخفض، تتصدر المبيعات في جميع المحافظات وتُفصح عن النفوذ الاقتصادي المتصاعد للجيش. غير أنها تُظهر جانباً آخر غير مرئي، وهو مدى التوسع الهائل لقبضة القوات المسلحة على الموارد في مصر، بضوء أخضر من الدولة بل وبقوانين مصممة لذلك.
2019-06-06

ماجدة حسني

باحثة اقتصادية من مصر


شارك
دلير شاكر - العراق

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المقال أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

على مساحة 150 متراً، قرر "محمد ع" بناء منزل في قرية "نزلة حنا" جنوب محافظة بني سويف، وسط مصر. واختار شراء إسمنت تنتجه مصانع "العريش" التابعة للجيش والمبنية حديثاً في المحافظة. وحينما أراد شراء الحديد، لم يتردد كثيراً فاختار مصنع "حديد المصريين" المعروض بأفضل سعر، والذي بات يسيطر عليه الجيش وافتتح فرعاً له في المحافظة مؤخراً. وبالبحث عن الرخام اللازم للمنزل، اختار المنتجات التي يقدمها مجمع بني سويف للرخام والغرانيت، الذي ينتج 3.6 مليون متر سنوياً منذ افتتاحه العام الماضي، شمال المحافظة.

جولة صغيرة على تجار مواد البناء في المحافظة، تكشف التغييرات التي تشهدها هذه السوق منذ دخول الجيش بقوة في القطاع العام 2014، إذ باتت المواد التي تنتجها مصانع الجيش والتي تحظى بامتيازات على رأسها السعر المنخفض، تتصدر المبيعات في جميع المحافظات وتُفصح عن النفوذ الاقتصادي المتصاعد للجيش. غير أنها تظهر جانبا آخر غير مرئي، وهو مدى التوسع الهائل لقبضة القوات المسلحة على الموارد في مصر، بضوء أخضر من الدولة بل وبقوانين مصممة لذلك.

الدولة والجيش.. وجهان لعملة واحدة

خلال مشاركته في مؤتمر الشباب في أسوان في 28 كانون الثاني / يناير 2017، خاطب الرئيس السيسي المصريين قائلاً: "إحنا فقرا قوي". وجاء ذلك بعد ثلاث سنوات من تصريحات مماثلة للرئيس: "أنا مش قادر أديك، أنت مش محتاج تقولي هات، أنا لو أقدر أديك حديك، هتاكلوا مصر يعني!".

يتعمد المسؤولون المصريون ترديد كلمة "فقر الموارد" وإضفاء غموض على هذا الملف كوسيلة لدفع المواطنين للرضا بالوضع الحالي، وعدم المطالبة بمزيد من الخدمات وتحسين الأوضاع أو إجراء محاسبة للحكومات المتعاقبة. لكن على الأرض، يبدو الوضع مناقضاً، فلدى مصر كميات كبيرة من الموارد الطبيعية المتنوعة، من غاز طبيعي وإسمنت وحديد ورخام وثروات سمكية.. الخ. لكن لا أحد يعلم كيف تدار، أو كيف يستفيد منها الشعب؟

في 2015، أعلنت مصر وشركة "إيني" الإيطالية - وسط احتفاء كبير - اكتشاف أكبر حقل غاز طبيعي في البحر المتوسط، بسعة 30 تريليون قدم مكعب. وعلى الرغم من تغنّي المسؤولين المصريين بهذا الحقل الذي سيحول مصر - مع اكتشافات أخرى شرق الدلتا المصرية - من دولة مستورِدة إلى مصدِّرة للغاز، بدأ الإنتاج الفعلي لهذا الحقل مطلع 2018 وسجل 2 مليار قدم يومياً منذ أيلول/ سبتمبر الماضي. لكن لم تنخفض فاتورة الغاز والكهرباء التي يدفعها المواطنون لاستهلاك منازلهم. بل على النقيض، شهدت الأسعار ارتفاعاً لا يتوقف. وهذا جزء من سياسات حكومية موضوعة منذ 2014 تهدف لتحويل الوقود وغيره من المنتجات التي كان ينظر إليها على أنها خدمية، إلى سلع استهلاكية تدر المال على الموازنة وتمول برنامج الإصلاح المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، وكذلك المشروعات الضخمة المثيرة للجدل التي ينشئها الرئيس السيسي. وقد أعلنت الحكومة المصرية في 21 أيار/ مايو 2019، زيادة جديدة على الكهرباء بنسبة 14.9 في المئة في المتوسط.

ضخامة الإنتاج الغازي لم تحل دون الارتفاع المضطرد لفاتورته على المواطنين. فالسياسات الحكومية منذ 2014 تهدف لتحويل الوقود وغيره من المنتجات الخدمية إلى سلع استهلاكية تدر المال على الموازنة وتمول برنامج الإصلاح المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، وكذلك المشروعات الضخمة المثيرة للجدل التي ينشئها الرئيس السيسي.

أما الغاز، فلا يعرف من هو أكبر المستفيدين منه في ظل توسع الجيش في هذا القطاع عبر العديد من الشركات التابعة لجهاز الخدمة الوطنية العائد له، وصولاً إلى توقيعه عقوداً دولية. فمن يدير الموارد الأخرى، هل هي الدولة أم الجيش؟

في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي مزرعة "بركة غليون" بشمال الدلتا، التي تعد أكبر مزرعة سمكية في الشرق الأوسط. المشروع مقام على مساحة 4100 فدان، وسيصل إلى 13 ألف فدان مع الانتهاء منه كاملاً، بتكلفة 4 مليار جنيه. وقد قدم من المسؤولين الحكوميين كـ"مشروع قومي متكامل يفخر به المصريون"، يضاعف تقريباً إنتاج الاستزراع السمكي في مصر ويقترب بالبلاد من حد الاكتفاء الذاتي.

غير أن هذه المزرعة ليست قومية كما يردد المسؤولون، إذ أنها من إنشاء القوات المسلحة، التي أسست عام 2015 "الشركة الوطنية للاستزراع السمكي والأحياء المائية"، والتي تجري استثمارات خاصة مثلها مثل سائر الهيئات الإنتاجية التابعة للجيش، لا تدخل عوائدها إلى الموازنة العامة. توسع القوات المسلحة في الاستزراع السمكي جاء بدعم من الرئيس السيسي نفسه، وبـ"منهجية قانونية" تسمح ليس فقط للجيش بالهيمنة على الإنتاج السمكي في مصر، لكن تضعف تنافسية الهيئات والشركات الحكومية، التي كانت أكبر العاملين في هذا القطاع. فعلى الرغم من الشعارات الحكومية بتنمية الثروة السمكية، إلا أن الحكومة، في عام إنشاء الجيش لشركته للاستزراع السمكي، خفضت موزانة هيئة تنمية الثروة السمكية من 128 مليون جنيه إلى 38 مليون جنيه، بدلاً من منحها 438 مليون التي تريدها ضمن خطتها، الأمر الذي أصاب الهيئة بالشلل، مثلما يشرح محمد عبد الباقي، رئيس الهيئة حينها. مضيفاً أنه تمّ إلغاء الصندوق القومي لدعم إمكانيات هيئة الثروة السمكية، الذي كان "المفتاح السحري الذي يساعد الهيئة على ممارسة عملها".

لم يمر عام على إنشاء مزرعة غليون، حتى أصدر الرئيس السيسي قراراً رئاسياً بفرض تعرفة جمركية جديدة بقيمة 5 في المئة على الأسماك الطازجة والمبردة وغيرها من المنتجات السمكية كتلك التي تنتجها المزرعة، لزيادة تنافسية الإنتاج الداخلي. كما منعت الدولة الصيد في البحر الأحمر بداية من شباط/ فبراير 2019 "بسبب إجراءات أمنية".

الشعارات الحكومية تقول بتنمية الثروة السمكية، إلا أن الحكومة، في عام إنشاء الجيش لشركته للاستزراع السمكي، خفضت موزانة "هيئة تنمية الثروة السمكية" من 128 مليون جنيه إلى 38 مليون جنيه، بدلاً من منحها 438 مليون التي كانت تريدها ضمن خطتها، الأمر الذي أصاب الهيئة بالشلل.

وفي الوقت الذي توقفت المنافذ الحكومية جزئياً عن استقبال الأسماك التي تنتجها هيئة الثروة السمكية، يتسابق المسؤولون المحليون في المحافظات لتوفير منافذ وعربات لنقل منتجات مزرعة غليون وتوفيرها للمواطنين، بأسعار أقل بنسبة 30 في المئة عن سعر السوق، في ضربة قوية لمبدأ التنافسية.

الإسمنت بين رجال الأعمال والبذلة الكاكي

مشروع "قومي" آخر افتتحه الرئيس السيسي وسط احتفاء إعلامي بعد أقل من تسعة أشهر من افتتاح مزرعة غليون، وهو مجمع "العريش للإسمنت" بمحافظة بني سويف، كأكبر مصنع للإسمنت في الشرق الأوسط بطاقة إنتاج 12.8 مليون طن سنوياً. وكمزرعة غليون، فإن هذا المصنع الذي يتبع القوات المسلحة بإنفاقات وصلت إلى 1.2 مليار دولار، قلب رأساً على عقب معادلة إنتاج الإسمنت في مصر.

تصنف مصر التاسعة عالمياً في إنتاج الإسمنت بمعدل 69 مليون طن سنوياً بحسب تصنيف مؤسسة "سيجما كابيتال" البريطانية في عام 2017. وحتى افتتاح هذا المجمع، ظلت خيوط هذه الصناعة التي تضم 29 مصنعاً في مصر، في يد قطاع خاص تهيمن عليه شركات أوروبية كبرى (بنسبة 70 في المئة) تهافتت على شراء هذه الشركات من الدولة، مستفيدة من حملة الخصخصة الواسعة التي أطلقها الرئيس الأسبق، حسني مبارك، لغالبية الشركات الحكومية في هذا القطاع بداية من عام 1995، والتي شابها الكثير من اتهامات الفساد. فخلال حقبة الخصخصة، سيطرت شركة "إيتالي سيمنتي" الإيطالية على 3 شركات كبرى للإسمنت، وهي أسيك للإسمنت وطرة للإسمنت، وعلى حصة الحكومة البالغة 55 في المئة من أسهم السويس للإسمنت، قبل بيعها لشركة هايدلبرج الألمانية. وبيعت شركة أسيوط للإسمنت لشركة سيمكس المكسيكية، وحصلت شركة Vicat الفرنسية على 30 في المئة من أسهم شركة إسمنت سيناء. وما بين 1998 و2000 حصلت شركة سيمبور سيمنتوس البرتغالية على شركة العامرية للإسمنت، خلال طرح عام في البورصة. بينما اشترت شركة لافارج الفرنسية وتيتان اليونانية شركتي الاسكندرية للإسمنت وبني سويف للإسمنت.

افتتح مؤخراً مجمع "العريش للإسمنت" كأكبر مصنع في الشرق الأوسط، بطاقة إنتاج 12.8 مليون طن سنوياً، وبإنفاقات وصلت إلى 1.2 مليار دولار. وهو يتبع القوات المسلحة، وقد قلب رأساً على عقب معادلة إنتاج الإسمنت في مصر.. وقبل ثلاثة أشهر من هذا، أقفلت الشركتين الحكوميتين الباقيتين في هذا القطاع، وسُرّح أكثر من 2300 عامل، بسبب عدم وجود التمويل.

ولكي تكتمل السخرية فقبل ثلاثة أشهر من افتتاح هذا المصنع رسمياً، كانت الصناعة الوطنية للإسمنت تطوي آخر صفحاتها بإغلاق واحدة من الشركتين الحكوميتين الباقيتين في هذا القطاع، وتسريح أكثر من 2300 عامل بقرار واحد، بسبب عدم وجود تمويل يسمح بتحديث الشركة. فخلال اجتماع عام في 17 أيار/ مايو 2018، أعلن مجلس إدارة شركة "القومية للإسمنت"، التي تمتلك الدولة غالبية أسهمها، إغلاق الشركة بسبب الخسائر. حتى 2014، كانت "القومية" تنتج 4.5 مليون طن إسمنت سنوياً من خلال أربعة مصانع تابعة لها، بحسب تقرير الإنتاج السنوي للشركة. لكن بداية من 2015، بدأت الشركة تغلق مصانعها الواحد تلو الآخر وتسقط في الخسائر المتتالية. وبررت إدارة الشركة الخسائر بعملية التطوير المفروضة من الحكومة، المتعلقة بالتحول لاستخدام الفحم بديلاً عن الغاز الطبيعي في أفران الإنتاج، إضافة إلى غياب تطوير وصيانة المصانع، وارتفاع أسعار المواد الخام وتحرير سعر الصرف. وفي عام 2016، وصلت خسائر الشركة إلى 119.5 مليون جنيه مصري، لتهتدي إدارتها إلى حل لتقليل الخسائر: وقف عمل جميع المصانع. لكن الخسائر ظلت ترتفع بشكل مثير للشك، لتسجل في عام 2017 أكثر من 971 مليون جنيه، بحسب إحصاءات وزير القوى العاملة الأسبق، هشام توفيق.

إلا أن تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات، أحد الأجهزة المستقلة المسؤولة عن رقابة نشاط المؤسسات في مصر، لاحظ أن جزءاً كبيراً من الخسائر حُققت بشكل مقصود بهدف إغلاق الشركة، إذ جاء في التقرير: "الخسائر التي تحملتها الشركة في 2017 والبالغة 971.3 مليون جنيه، جاءت بسبب قرار إدارتها بوقف الإنتاج. ففي العام السابق (2016) حينما كان مصنعان يعملان بشكل جزئي، لم تتعدَ الخسائر 119.9 مليون جنيه". ووجه التقرير صراحة إلى الإدارة تهمة عرقلة الإنتاج، ووقف العمل التي فاقمت من تداعيات ارتفاع أسعار الوقود واستغلال المحاجر.

غير أن قرار الإغلاق لم يعجب رجال الأعمال الذين يمتلكون حصة 4.5 في المئة من أسهم هذه الشركة الضخمة. فخلال اجتماع مجلس إدارتها ذاك، اتهم أحد رجال الأعمال إدارة الشركة بالتواطؤ مع مخطط فتح المجال أمام الجيش للسيطرة على سوق الإسمنت. ومع إغلاق "القومية"، لم تعد الدولة تمتلك من امبراطوريتها الصناعية في الإسمنت، سوى شركة "إسمنت النهضة" في قنا، التي يديرها في الوقت الحالي لواء عسكري.

كما افتتح الجيش في نهاية شباط/ فبراير 2018 مصنعين جديدين تابعين لمجمّعه في العريش بشمال سيناء ليرفع إنتاجه في هذا الأخير من 3.2 مليون طن سنوياً في 2011 إلى 9.6 مليون طن خلال العام الماضي. تأتي هذه الإنتاجية الضخمة مدعومة بجزء هام من أيدي عاملة مجانية متمثلة في المجندين، وكذلك بسيطرة الجيش على جميع محاجر خام الإسمنت في مصر التي صار يديرها بقرار من الرئيس السيسي منذ 2014، والتي رفعت أسعارها ثلاثة أضعاف.

وقد أعلنت "إدارة السويس للإسمنت" في 16 أيار/ مايو 2019 إيقافاً مؤقتاً لنشاط شركة إسمنت بورتلاند طرة التي تمتلك 66.12 في المئة من أسهمها، مبررة ذلك بتدهور نتائجها المالية وتحولها من الربح إلى الخسارة خلال الربع الأول من عام 2019، بصافي خسائر فاق 95 مليون جنيه.

الحديد من بيزنس سياسي إلى البذلة الكاكي

شكلت صناعة الحديد إحدى الشواهد الهامة على التحول في مراكز القوى في مصر خلال العقود الثلاثة الأخيرة. فنخبة رجال الأعمال التي ظهرت في الأعوام الأخيرة من عهد السادات، وتفحلت قبضتها خلال عهد مبارك جراء الدعم السياسي الذي تحظى به لانتمائها للحزب الحاكم، أو بفضل القروض الهائلة من البنوك الحكومية التي ساهمت في تكوين ثروات من العدم. هذه النخبة ركزت اهتمامها منذ اليوم الأول لتطبيق برنامج الخصخصة الحكومية في تسعينات القرن المنصرم، على السيطرة على هذه الصناعة وإزاحة قبضة الدولة عنها.

ويُعدّ الصعود السياسي والمالي لرجل الأعمال أحمد عز، مثالاً واضحاً على الإجهاز بطرق تحمل شبهات فساد وتخريب مقصود، على الصناعة الوطنية، والهيمنة على الموارد الطبيعية للبلاد عبر طبقة رجال أعمال يشكلون جزءاً من هذا النظام السياسي. فأحمد عز الذي كان يدير يوماً دكاناً صغيراً في حي السبتية بالقاهرة مختصاً بالخردة، أصبح مع بداية الألفية الثالثة امبراطور الحديد الذي لا ينافس في مصر، والمتحكم في السياسات المرتبطة بهذه الصناعة، مستفيداً من دعم جمال مبارك، ابن الرئيس وسيل القروض ومن عمليات فساد سمحت بتوسع هذه الامبراطورية على حساب الصناعة الحكومية، لاسيما منها "شركة الدخيلة" ("الاسكندرية للحديد والصلب" سابقاً).

توضح صحيفة الأهرام في تقرير نشرته في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، أن عز تمكّن من دخول شركة الدخيلة الحكومية عن طريق اتفاق غير قانوني استحوذ بفضله على 28 في المئة من أسهم هذه الشركة الحكومية في شباط/ فبراير 2000، ما سمح له بأن يصبح رئيس مجلس إدارة للشركة. مرَّ شهر واحد، فاتخذ عز قراراً غريباً: خفض إنتاج الدخيلة من مليون ونصف مليون طن سنوياً إلى مليون فقط، لدفع إنتاج مصنعه الخاص "العز لصناعة حديد التسليح" في مدينة السادات. كما عمل عز على احتكار المواد الخام للحديد لهذه الشركة الحكومية، ونقلها إلى مصنعه الخاص بأسعار أقل من السوق. وكل هذا رافقته سياسات حكومية لدفع رجل الأعمال الشره لاحتكار هذه الصناعة، من خلال فرض قرار رسوم حماية للصناعة، على الحديد المستورد بنسبة 61 في المئة من قيمته. وفي عام 2006، أجرى أحمد عز عملية تبادل أسهم بين مصنعه الخاص وشركة الدخيلة مكنته من امتلاك 52 في المئة من شركة الدخيلة ليصبح رجل الحديد في مصر.

أحمد عز، الذي كان يدير يوماً دكاناً صغيراً في حي السبتية بالقاهرة مختصاً بالخردة، أصبح في بداية الألفية الثالثة امبراطور الحديد الذي لا يُنافس في مصر، والمتحكم في السياسات المرتبطة بهذه الصناعة، مستفيداً من دعم جمال مبارك ابن الرئيس، وسيل القروض وعمليات الفساد.

قرار فرض رسوم حماية جديدة على واردات الحديد يخدم كبار مُصنّعيه، ولكنه يشكل ضربة قوية لـنحو 22 مصنعاً صغيراً يعملون في مجال الحديد والدرفلة. وقد حذر رئيس غرفة الصناعات المعدنية في اتحاد الصناعات بأن هذا القرار سوف يؤدي إلى إغلاق الاثنين والعشرين مصنعاً، وتشريد حوالي 25 ألف عامل.

... لكن ثورة 2011 اندلعت وسقط نظام مبارك. واضطر عز تحت ضغوطات سياسية وعمليات تسوية مع الحكومة للتخلي عن شركة الدخيلة، لتبدأ خيوط هذه الصناعة البالغة 11.5 مليون طن سنوياً حتى 2017، والسياسات المتحكمة فيها تتحرك بشكل غير مستقر، حتى أتى الرئيس السيسي في 2014، فارتبطت بأصابع الجيش عبر جهاز الخدمة الوطنية.

جولة صغيرة على الموقع الالكتروني لهذا الجهاز العسكري تكشف عن هذا التحول في قوى احتكار الحديد في مصر مقارنة بما كان عليه المشهد قبل 2011:

ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، استحوذ الجهاز في صفقة بقيمة 13.930 مليار جنيه على 82 في المئة من أسهم مجموعة "صلب مصر" المملوكة لرجل الأعمال جمال الجارحي ورجل أعمال آخر لبناني، بطاقة إنتاجية 2.2 مليون طن. كما استحوذ الجهاز على مجموعة "حديد المصريين"، التي تضم أربعة مصانع بطاقة إنتاجية كلية تبلغ 1.8 مليون طن. أما شركة الدخيلة التي أثارت جدلاً قبل ثورة يناير، فقد سلَمت في 2016 إلى الجيش لتطويرها. بينما بقى "عز" في مصنعه ("حديد عز") بطاقة إنتاجية تبلغ 3.8 مليون طن.

مقالات ذات صلة

خلال الثلث الأخير من نيسان/ إبريل الماضي، أطلق رجال أعمال حملة سرية في وسائل الإعلام قبل أن تتوقف تحت ضغوط "سيادية" - بحسب مصدر صحافي شارك في الحملة - لإدانة قانون جديد صادر بفرض رسوم حماية بنسبة 25 في المئة على واردات حديد التسليح والصلب، و15 في المئة على خام الحديد لمدة ستة أشهر، تحت ذريعة "حماية الصناعات الوطنية من المنافسة غير العادلة من المنتجات الأجنبية". وجاء هذا القرار بعد أكثر من عام على فرض مصر رسوم إغراق على واردات حديد التسليح. غير أن هذا القرار الذي يخدم كبار مصنّعي الحديد في مصر، لاسيما "صلب مصر" و"حديد المصريين" و"حديد عز"، سيشكل ضربة قوية لنحو 22 مصنعاً صغيراً يعملون في مجال الحديد والدرفلة. وقد حذر رجل الأعمال جمال الجارحي، رئيس غرفة الصناعات المعدنية في اتحاد الصناعات، الذي يمتلك حالياً "مصنع السويس للصلب"، بأن هذا القرار سوف يؤدي إلى إغلاق الاثنين والعشرين مصنعاً، وتشريد حوالي 25 ألف عامل.

الرخام.. قطاع مزدهر يجذب أنظار الجيش أيضاً

قطاع رائد آخر في مصر يجذب أنظار القوات المسلحة، وهو صناعة الرخام والجرانيت. كل شيء بدأ عام 2014، حينما أصدر الرئيس السيسي قراراً بنقل تشغيل محاجر الرخام والجرانيت من يد الشرطة والبلديات إلى الجيش.

في اليوم التالي لهذا القرار، ضاعف الجيش تعرفة استغلال المحاجر للمصانع والورش العاملة في هذا القطاع، قبل أن يزيد الأسعار مرات عديدة خلال الأعوام التالية. يوضح صاحب مصنع للرخام في منطقة "شق الثعبان" الصناعية - التي تنتج 80 في المئة من الرخام والجرانيت في مصر - للباحثة أن أسعار استغلال المحاجر ارتفعت من 50 ألف جنيه قبل ثلاثة أشهر إلى 250 ألف جنيه حالياً.

في 30 نيسان/ إبريل 2017، فوجئ أعضاء غرفة الرخام والجرانيت في اتحاد الصناعات المصري، بزيارة مفاجئة للواء عسكري خلال اجتماعهم الإسبوعي. أخبرهم اللواء بأن الجيش ينوي بناء مجمّع كبير لتصنيع الرخام، مطالباً رجال الأعمال بمدهم بالخبرة اللازمة. احتج رجال الأعمال على هذه الخطوة، مؤكدين أن صناعتهم في انهيار بسبب الأوضاع في ليبيا والخليج، أكبر الأسواق المستقبلة للرخام المصري، وكذلك بسبب الغزو الصيني لهذه الصناعة، والارتفاع المبالغ فيه لأسعار الكهرباء والغاز للمصانع والورش. مرّعامان على هذا الاجتماع، وبدلاً من المجمع الواحد الذي أراد الجيش بناءه، أقام أربعة مجمعات صناعية للرخام على مقربة من المحاجر التي يديرها، وهي "مجمع الزعفرانة" بمحافظة البحر الأحمر، و"مدينة الرخام" في الجلالة في المحافظة نفسها، و"مجمع شمال سيناء" و"مجمع بني سويف للرخام والجرانيت".

قطاع رائد آخر في مصر يجذب أنظار القوات المسلحة، وهو صناعة الرخام والجرانيت. بدأ كل شيء عام 2014، حينما أصدر الرئيس السيسي قراراً بنقل تشغيل محاجر الرخام والجرانيت من يد الشرطة والبلديات إلى الجيش.

خلال زيارته لافتتاح مصنع الإسمنت في بني سويف منتصف آب/ أغسطس 2018، كان جدول الرئيس السيسي يضم مشروعاً ضخماً آخر عليه افتتاحه وهو مجمع بني سويف للرخام والجرانيت، بخمسة مصانع للرخام واثنين للجرانيت بطاقة إنتاجية تبلغ 3.6 مليون متر مربع سنوياً. وأثناء هذه الزيارة، شدد الرئيس السيسي بأن هناك خطة لبناء مجمعات على مقربة من جميع المحاجر في مصر، سواء في سيناء أو العين السخنة أو أسوان.

بعد أربعة أشهر من افتتاح هذا المجمع، تفقد الرئيس السيسي برفقة لواءات من الجيش مشروعاً ضخماً آخر: أول ثلاثة مصانع في مدينة الجلالة للرخام والجرانيت في محافظة البحر الأحمر، والتي من المفترض أن تضم ثمانية مصانع للرخام بطاقة إجمالية 24 مليون متر مربع سنوياً، ومصنعاً للجرانيت بطاقة مليون متر مربع سنوياً، وكذلك ثلاثة مصانع لمستلزمات الإنتاج. وبهذه الإنتاجية، يبلغ إجمالي إنتاج الجيش من هذين المجمعين 28.6 مليون متر مربع سنوياً، وهو ما يعادل تقريباً الإنتاج الكلي لمصر خارج مصانع الجيش، البالغ 30 مليون متر مربع - بحسب آخر إحصاء في 2016 - بدلاً من 40 مليون متر مربع في 2014، وفق المهندس إبراهيم غالي، رئيس شعبة الرخام والجرانيت في اتحاد الصناعات المصري.

استكمل الرئيس زيارته بتفقد مجمع الأسمدة الفوسفاتية المركّبة في العين السخنة، وهو من إنشاء "شركة النصر للكيماويات الوسيطة"، التابعة لـ"جهاز الخدمة الوطنية" (العائد للجيش)، ويضم المجمع تسعة مصانع لإنتاج الأسمدة بطاقة نحو مليون طن سنوياً، في حين يبلغ الإنتاج الكلي لمصر من الأسمدة 15.5 مليون طن سنوياً

وبالتوازي، تفاقمت المشكلات التي يواجهها أصحاب المصانع، مثل عدم منح تقنين للمصانع الموجودة في "شق الثعبان" ما تسبب بإغلاق بعضها، وفرض قيود على استخدام هذه المصانع لمياه النيل، وتعطيل إصدار موافقات تصديرية دون سبب مقنع، وسط شائعات بأنه يتم التحضير لنقل هذه الصناعة من هذه المنطقة الرائدة إلى مكان بعيد. يوضح صاحب مصنع الرخام المذكور وهو عضو في الغرفة التجارية (طلب عدم ذكر اسمه لتجنب التعرض لمضايقات) أن صادرات مصنعه والمنطقة انخفضت بمعدل النصف منذ العام الماضي. كما تعمل "شركة الرمال السوداء" التي يمتلك جهاز الخدمة الوطنية أغلب أسهمها منذ نشأتها في 2016، على إنشاء مصنعين بمساحة 80 فداناً و35 فداناً على التوالي، لاستغلال الرمال السوداء المنتشرة على سواحل البحر المتوسط لاستخراج المعادن منها.

من محاربة الاحتكار إلى المحتكر الوحيد

من الإسمنت إلى الرخام والحديد، يُدرك الجيش منذ الوهلة الأولى أن إنتاجه الضخم لن يبقى في مخازنه، بسبب احتكاره تنفيذ وتزويد المشروعات القومية الضخمة التي أطلقها الرئيس السيسي، وعلى رأسها العاصمة الإدارية التي تريد الحكومة أن تصل مساحتها إلى 12 ضعف مدينة منهاتن الأمريكية. يضاف إلى ذلك، تقديمه منتجه بأسعار أقل من السوق مستفيداً من اعفاءات جمركية وضريبية على منتجاته، وجزءاً من أيدي عاملة رخيصة تعتمد على المجندين، إضافة إلى تسهيلات ضخمة من قبل الوزارات المختلفة التي تمنحه تنفيذ المشروعات بالأمر المباشر.

لا يرغب الجيش في منع أي ممارسات احتكارية من القطاع الخاص، حسبما هو معلن رسمياً، وإنما أن يُصبح المحتكر الوحيد لهذه الموارد.

يوضح صاحب مصنع الرخام المذكور أن الجيش يدخل القطاعات الاقتصادية بنفوذه، ويتحرك فوق قوانين السوق، فهو يستفيد من امتيازات ضخمة تجعل الدخول معه في منافسة كقطٍّ يصارع أسد.

ولكن لماذا هذه الطموحات الكبيرة للجيش، الرامية للسيطرة على الموارد الطبيعية في مصر؟ هل لإحداث توازنات في السوق، لاسيما في قطاعي الإسمنت والحديد ومنع أي ممارسات احتكارية في هذه القطاعات، بحسب تصريحات الرئيس السيسي على هامش مؤتمر الشباب نهاية تشرين الأول / أكتوبر 2016. الصورة تكشف عن جانب آخر، فالجيش لا يرغب فقط في منع أي ممارسات احتكارية من القطاع الخاص، ولكن أن يُصبح المحتكر الوحيد لهذه الموارد.

محتوى هذه المقال هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

مقالات من مصر

السيسي يخترع في السياسة والاقتصاد

البناء هجين، وهو ليس بالتأكيد قطاعاً عاماً، ولا تحركه مصلحة السكان بل الربحية الرأسمالية القصوى التي تتوفر هنا بشكل قسري، بالمصادرة والاحتكار. وهذا تناقض عجيب غريب، إذ يتم توليد الحالة...

نقابة الصحافيين المصرية: الرواية

منى سليم 2019-07-03

نقيب الصحافيين – المعارض السياسي السابق المعروف - يعلن انه ضد "مدرسة الإدانة"، ثم حين يتفاوض يكتفي بالاعتراف بالصحافيين "النقابيين" فقط، بل ويغفل بعضهم، ويرتضي بإحالتهم جميعاً لقائمة الجنائيين! وقد...