موت

النص الأول من رواية متسلسلة عن اليمن ومن اليمن، تجمع معاً الأدب والسوسيولوجيا، وتبدأ بـ"موت"، وسترسم إسبوعياً ملامحاً من حياة البلد المنكوب.
2019-06-06

ريم مجاهد

كاتبة من اليمن


شارك
هبة العقاد - سوريا

كانت الحرب هي الحدث في تلك المرحلة. أعيدت جثث كثيرة من جبهات القتال، تطوّع عشرات الشبان والمراهقين من الذين لم يجدوا قوت يومهم، في محاولة للنجاة من الموت جوعاً أو كمداً. لكن موت نادية كان حدثاً آخر، حدثاً يخص القرية ذاتها. لم تقتلها الحرب، ولم يكن هناك أي توقعات لموت غريب كهذا. صراخ والدتها المفزع أكثر من الحدث نفسه لحظة اكتشافها جثة ابنتها الطافية، جعل الناس تتهافت من كل حدب وصوب. كان الوافدون تباعاً يسترقون النظر من الكوة الصغيرة للحوض الإسمنتي ليتأكدوا مراراً أن الجثة بفستانها الملون ما زالت تطفو هناك. ولم يكن ذلك تأكداً بل الفضول الإنساني، كأن ما سيرونه هناك لن يكون جثة لمراهقة ضئيلة الجسد، بل وحش الموت وقد تحولت إليه. ولأن لا أحد يملك معدات تستطيع إفراغ الخزان من مياهه بسرعة، كانت الطريقة الوحيدة أمامهم هي أن يفرغوه باستخدام أنابيب الماء الرفيعة التي جلبوها من قرية مجاورة. ألصقت الأنابيب ببعضها وبدأت تفريغ الماء إلى الخارج.

بعد ساعتين من الزمن، بدا أن مستوى الماء لا ينخفض. أثار ذلك من جديد عاصفة اقتراحات، واتفقت الأغلبية على أن الجثة لا محالة ستتعفن في الماء، وأنه بهذه الدرجة من البطء في إفراغ الخزان من مائه، فإنهم سيضطرون للانتظار على الأقل يوماً كاملاً. كانت ماجدة قد ماتت، وهذا أمر تعامل معه الجميع، بمن فيهم والدها وإخوتها بتسليم، وكأنه حقيقة منذ بداية الحياة، وتبقت المشكلة فقط في ألاّ تتعفن. وهكذا توصلوا أخيراً إلى أنه بجانب الأنابيب البلاستيكية، فإنهم سيستخدمون السطول البلاستيكية لإفراغ المياه يدوياً. وبدا ذلك الاقتراح مخبولاً وغير منطقي، لكنه في يوم كذلك اليوم، تُصبح الطاقة البشرية هي ما يحتفي به الناجون والأحياء لنقض الموت والسكون الذي أحاط بهم. وبنداءات متفاوتة للبيوت، جُمعت السطول البلاستيكية، واتخذ الرجال مواقعهم على درجات الخزان. شُمرت السواعد وانقض الرجال يفرغون الخزان.

بعد ساعة، وتحت شمس لاهبة، بدا كذلك أن مستوى المياه ثابت لا يتزحزح سوى لسنتيمترات قليلة. كان الخزان كبيراً وممتداً، ومهما حملت السطول من ماء، ومهما تدفق من الأنابيب، فإن القوة البشرية لم تكن كافية لإفراغه. مات الكثير من أبناء القرى في جبهات غير معلومة، ولم يكن أحدهم قد شعر باليأس، لكن "علي" الذي كان يقف بعيداً شيئاً ما، ولم يتدخل بعد، كان لديه رأي آخر، اقترحه بينه وبين نفسه في البداية، وظل يجوب سطح الخزان يقيس طوله. أخيراً تقدم ضاماً قبضته اليسرى بسبب التوتر، واقترح على الواقفين أمام الباب: أستطيع السباحة وجر الجثة. لم يفهم أحد ماذا قال في البداية، لأن صوته المهزوز كان غريباً ولأن أحداً لم يتوقع هكذا اقتراح. وحين كرره بصوت أعلى، شعر هو بثقة أما هم فقد صرخوا معترضين دون حتى أن يفكروا بالأمر. قال أحدهم أنه لا داعي لانتشال جثتين.. جثة واحدة كافية. وقال آخر أن هذه ليست مياه البحر، إنها تبتلع البشر كونها ساكنة بلا حراك. وقال آخر أنه لا داعي لمحاولات البطولة.. كان كل اعتراض يعطي علي دفعة إصرار، وكان رده ثابتاً ومقنعاً: "ليس انتحاراً، أنا سبّاح جيد وأنتم تعلمون ذلك، سأربط نفسي بحبل فإن أحسستم بي أغرق اسحبوني، لن أموت فوراً".

وافقوا على مضض، منهم من كان خائفاً عليه ومنهم من لم يرد له أن يصبح بطلاً. حتى في يوم غريب كذلك اليوم، شعر بعضهم بالحسد، ذلك الحسد اللاإرادي الذي يدفع أحشاءك لأن تحترق بهدوء ولوقت طويل. شدّ على خصره الحبل القذر، وهي مجموعة حبال موصولة ببعضها البعض تستخدمها النسوة في جمع الحطب، أو كمربط للمواشي. خطا بقدميه العاريتين على الدرج الإسمنتي للحوض متجهاً صوب المنطقة المظلمة. كان شكل الحوض عبارة عن حرفL ، يقع الباب في القاعدة القصيرة للL ، ثم تنحدر منه عدة درجات للأسفل. وعند بداية الساق الطويلة تبدأ الحفرة العميقة المطلية جيداً بالإسمنت حتى لا يتسرب الماء إلى الأرض. لم يكن الخزان ممتلئاً. بعد بضع درجات فارغة، بدأ الماء يغمر خصر علي. ماء بارد كثيف لا يشبه ماء البحر في شيء. كان خائفاً ويريد البكاء لسبب آخر غير أنه يغامر بحياته. كانت أمه تزعق في مكان ما منادية إياه أن يعود، لكنه مضى مندفعاً ببطء يفكر بصدفة القدر التي أعادته للقرية منذ يومين فقط.

____________
من دفاتر السفير العربي
اليمن بعدسة ريم مجاهد
____________

حين لم تجد قدما علي درجة تدوسان عليها، تحول الرعب لشيء غريب. داهمته فجأة ذكريات من الطفولة البعيدة، وعادت ماجدة راعية أغنام صغيرة، تخيلها تنزلق في الغبش، تهوي بجسدها الصغير في المياه، تقاوم، تصرخ، تختنق ثم تطفو بهدوء.. فرد علي ذراعيه في مواجهة الماء الثقيل، ودفع بنصفه الأسفل للأعلى، لم يكن يكذب حينما قال أنه سباح ماهر، لكن رؤية جثة ماجدة الطافية أمامه جعلت البحر شيئاً قزماً أمام ما هو فيه. لم تكن الجثة بعيدة لحسن الحظ، لم يعرف كيف سيجرها، أي يد إضافية سيستخدم، مرعوباً من أن تلتهمه المياه. دار حول الجثة ثم دفعها بسرعة أمامه، لم يكن دفعها يستغرق كثيراً، بقي هو على حالته دون أن يغرق، واستمر حتى عاد لمنطقة درجات السلم. وهنا صرخ الرجال هابطين الدرجات الضيقة بسرعة. لم تكن كل بسطة تتسع سوى لشخصين منحنيين، لكن المكان اكتظ حتى شعر علي أنه يغرق فعلاً بسبب الاختناق. تناولت الأيدي الجثة وتجاهلت علي، الذي انسل خارجاً بملابسه الداخلية، وحين كان يرتدي بنطاله كاكي اللون، لاحظ أن الجثة لفُّت ببطانية جديدة، لم يعرف علي من أين جيء بتلك البطانية فجأة.

قبل أن يُخبّأ، برز وجه ماجدة. عينان جاحظتان هرع الأب لإقفالهما، وبشرة بيضاء لشابة ضئيلة ميتة. تهامس رجلان يتساءلان كيف انزلقت المسكينة في الصباح الباكر، وارتبك أحدهم وهو يقترح أن الغريق شهيد، واكتفى الإخوة بدمدمة غريبة فيما بينهم، ينادون بصوت خفيض على أخيهم الأصغر: وحيد وحيد، الذي كان يُفكّر بأنه حزين ولم يرد لماجدة أن تموت، لم يرد لا لابتسامتها ولا لوقاحتها أن تموت. كان يتأمل في الحضور، وتأكد بأن أخويه الاثنين منزعجين جداً بشكل لا علاقة له بالحزن. طلبوا منه بصوت خفيض أن يأخذ أصدقاءه ويذهب بهم إلى الجبل، وإلى أرضهم بالذات، وأن يجدوا هناك مكاناً صالحاً للحفر، ثم أن يحفروا قبراً هناك. كانت فكرة الأخ الأوسط جمال، لم يكن لدى وحيد لا الوقت ولا القدرة ليناقش. بدا وجه جمال متوحشاً، أشعث الشعر أحمر العينين. انطلق وحيد برفقة علي وأخرين. علي الذي ما إن سمع الحديث عن القبر حتى اقترح مرة أخرى على نفسه أنه ذاهب. عادوا أولاً إلى القرية ليأخذوا المعدات، ثم اتجهوا صوب الجبل. لم يكن هناك من حوار يدور بينهم، كل على طريقته كان يفكر بالموت وكيف سيموت هو شخصياً، وما إذا كان مستعداً أم لا. حين وصلوا الأرض المحددة، بدأ جدل حول أي بقعة ستكون المأوى الأخير لماجدة، علق علي بإهمال: "لنختر أرضاً مناسبة ستكبر فيها البنت".

مقالات من اليمن

عن الأسواق الريفية في اليمن

نظرياً، تكمن عوامل إنشاء سوق ريفي قابل للازدهار بسرعة، في كون موقعه على طريق معبّد، وعلى مفترق طرق لقرى ذات كثافة سكانية عالية. غير أن العامل الأكثر حسماً هو ذلك...

للكاتب نفسه

علي: البحث عن أسير

ريم مجاهد 2019-09-12

لم يكن علي في موقع يستطيع الاعتراض فيه، الجد الذي ثبّت عينيه في عينيّ الرجل المسلح، حمل بيده الجافة الكيس البلاستيكي الذي يحوي ملابس الفتى من أمه وعلبة صابون وبسكويت....

سلمى، ليالي الحب والحرب

ريم مجاهد 2019-08-16

في كل مكان مُطهِّرون. على الحدود بين الشمال والجنوب شوهدت النسوة يصرخن محاوِلات الانضمام للذكور الذين تمّ فصلهم عنهن. في الجنوب تناثرت الأشلاء في كل مكان، تفجيرات وعمليات قتل واغتيال،...