العلاقات الأردنية الفلسطينية: زواج يُشرّع الخيانة

يُجيدُ الساسةُ الأردنيونَ إخفاء الشمس بغربال، حتى لو كانت شمس ساطعة كما في عز الصيف، والأكثر مقتنعون بذلك ويَجهدونَ لإقناع المواطنين بالأمر، ويعالجون أصعب المشاكل التي تعيشها الدولة بالشعارات التي تصبح قانوناً ملزماً من دون أن ينصَ عليه في أي قانون، ما يبقيها عرضة للزوال كلما ظهر شعار جديد. بذلك تبقى المشكلة قائمة من دون حل، لتنفجر كلما لاحت فرصة لذلك. وهو الانفجار الذي تعيشه الآن مشكلة
2014-03-12

محمد الفضيلات

صحافي من الاردن


شارك
(من الانترنت)

يُجيدُ الساسةُ الأردنيونَ إخفاء الشمس بغربال، حتى لو كانت شمس ساطعة كما في عز الصيف، والأكثر مقتنعون بذلك ويَجهدونَ لإقناع المواطنين بالأمر، ويعالجون أصعب المشاكل التي تعيشها الدولة بالشعارات التي تصبح قانوناً ملزماً من دون أن ينصَ عليه في أي قانون، ما يبقيها عرضة للزوال كلما ظهر شعار جديد. بذلك تبقى المشكلة قائمة من دون حل، لتنفجر كلما لاحت فرصة لذلك. وهو الانفجار الذي تعيشه الآن مشكلة العلاقة الأردنية الفلسطينية ضمن حدود الجغرافيا السياسية للمملكة الأردنية.

مشكلة في فضاء الشعار

دخلت العلاقة الأردنية الفلسطينية مرحلة معقدة منذ نشَأت «إمارة شرقي الأردن» العام 1921، التي تحولت مملكة بعد الاستقلال العام 1946، وما تلا ذلك بعد عامين، أي نكبة فلسطين العام 1948. وتعود جذور التعقيد إلى تحويل اللاجئين الفلسطينيين الذين انتقلوا قسراً إلى الضفة الأخرى من دون قدرة على العودة إلى ضفتهم الأولى، إلى مواطنين أردنيين تنفيذاً لقرار الوحدة الأردنية الفلسطينية العام 1949، وهو القرار الذي أصبحت بموجبه الأراضي الفلسطينية التي لم تُحتل في عام النكبة أراضي أردنية، تحت عرش الملك عبد الله الأول، ونص دستور الوحدة عليها كجزء من ملك المملكة الأردنية الذي لا يتجزأ ولا يُنزل عن شيء منه، وأصبح قاطنوها مواطنين أردنيين.
وزاد في تعقيد المعقد أصلاً، هزيمة حزيران العام 1967 التي ضاع فيها ما لم يضع في نكبة العام 1948. يومها تدفق الفلسطينيون الذين أصبحوا بفعل الوحدة أردنيين إلى بلادهم في الضفة الشرقية لنهر الأردن، وأطلق الرصاصة الأخيرة على العلاقة، القرار الذي اتخذه العام 1988 العاهل الأردني الراحل الملك الحسين بفك ارتباط الضفة الغربية إدارياً وقانونياً مع الأردن، وهو قرار سيادي خالف فيه الملك الدستور الأردني، فبرره الأردن رسمياً بضغوط عربية مورست عليه لتمكين منظمة التحرير الفلسطينية التي تم الاعتراف بها ممثلاً شرعياً وحيداً للفلسطينيين العام 1974، وانتقده الجمهور الأردني والفلسطيني اللذان رأيا فيه تنازلاً عن أرض أردنية محتلة لم تكن كذلك يوم الوحدة.
في رحلة العلاقة الأردنية الفلسطينية التي نظمتها قرارات سياسية اضطلع بها رأس الهرم في الضفتين، تسربت التفاعلات إلى جميع مفاصل الهرم الذي تشكّل من شعبين، وصار نزع أي حجر من أحجاره يعني انهيار الهرم بأكمله.
حُكِمت العلاقة في أول الأمر بالتعاطف على شعب ضاعت أرضه وأضحى لاجئاً يحلم بالعودة، وتطوّر التعاطف إلى مساندته في قضيته التي اعتبرت قضية العرب الأولى، وكما كانت قضية الفلسطيني أصبحت قضية الأردني في إطار الوحدة. كل ذلك لم يدُم، يوم ظهر مصطلحا الشرق أردنيون والأردنيون من أصول فلسطينية، في أعقاب هزيمة حزيران 1967 تكريساً لفكرة الشعبيين ورفضاً للانصهار!
كانت مخاوف الشرق أردنيين تقوم على مزاحمة غالبية الفلسطينيين لهم على الموارد، وسيطرتهم على الاقتصاد الأردني. وكمواطنين أردنيين تطبيقاً للقرارات السياسية، زاحموا الشرق أردنيين على المناصب العليا في الدولة، فأعلن هؤلاء خوفهم على هويتهم الوطنية من الطمس، وثاروا لخسارتهم منافع كانت ستكون لهم لو لم يكن الوجود الفلسطيني.
أرسى الانقسام العنصري قواعده الراسخة في المجتمع الأردني، والتي عززتها أحداث أيلول الأسود العام 1970 بين المقاومة الفلسطينية والجيش الأردني، وانتهت بخروج المقاومة الفلسطينية من الأردن إلى الأبد.
وقال الفلسطينيون إنهم خرجوا بعد مجزرة استهدفت وجودهم، وقال الأردنيون إنهم حافظوا على بلدهم من طموح العصابات المسلحة. واحتفظ كل طرف بذكرى أليمة لما جرى، واعتبر نفسه الضحية.
أمام العلاقة المعقدة وتنامي الطرح العنصري، صمت الأردن الرسمي عن معالجة جذور المشكلة وحلها في سياقها التاريخي الذي أوجدها، واكتفى بالمعالجة عبر الشعار الذي أطلقه العاهل الراحل الملك حسين: «بلد المهاجرين والأنصار». لكنه شعار أثبت فشله، إذ أن في ثناياه تكريساً للثنائية وتفضيلاً ضمنياً للشرق أردنيين على الأردنيين من أصول فلسطينية، إذا ما وضع في السياق التاريخي الذي أخذ منه.
ثم اهتدي الملك الراحل إلى شعار آخر كرره في مناسبات كانت العلاقة الأردنية الفلسطينية فيها على المحك، وهو: «الأردنيون من شتى المنابت والأصول» و«الوحدة الوطنية خط أحمر»، وظهر شعار نخبوي يقول «كلنا أردنيون من أجل الأردن وكلنا فلسطينيون من أجل فلسطين». وتحت هذه الشعارات كان محرّماً الحديث عن تجاذبات العلاقة ومخاوف مُكوِنيها، وحوربت من خلالها شعارات أطلقها الشرق أردنيون على غرار «الأردن للأردنيين» و«الحفاظ على الهوية الوطنية». وحوربت من خلالها أيضاً شعارات الأردنيين من أصول فلسطينية على شاكلة «عدالة التمثيل في مؤسسات الدولة» و«أصحاب الحقوق المنقوصة»، التي أطلقوها مع حملة الإقصاء الممنهجة التي تعرضوا لها، والتي رأوا فيها نكراناً لدورهم في بناء البلد.
وقياساً على المثل القائل «تحت الرماد وميض نار»، احترقت الشعارات «الرومانسية» واشتبك الشرق أردنيون والأردنيون من أصول فلسطينية، وتبادلوا الاتهامات فأصبح الفلسطينيون «مفرِّطون باعوا بلادهم» والأردنيون «متآمرين على القضية».

الثنائية تسيطر على صراع الأغلبية

ليس الفلسطينيون وحدهم من دخلوا على التركيبة السكانية في الأردن. سبقهم أبناء القبائل التي هاجرت من مختلف الدول العربية على مر السنين، وسبقهم الشركس الذين لجأوا جراء الغزو القيصري للقوقاز في القرن التاسع عشر، وسبقهم الشيشان والأرمن، والحجازيون الذين حضروا مع جيش الثورة العربية الكبرى الذي قادة الملك عبد الله الأول أبن الشريف الحسين بن علي، وتبعهم العراقيون الذين جاءوا في أعقاب احتلال العراق العام 2003 واليوم، اللاجئون السوريون.
أمام الفسيفساء المكوِّنة للمجتمع الأردني، لا يجد الشرق أردنيون خلافاً سوى مع الأردنيين من أصول فلسطينية الذين يشكلون طرف الثنائية في صراع الأغلبية الأزلي بين المكونين.
تشير إحصائيات رسمية أردنية إلى أن عدد الأردنيين في العام 1948 كان يبلغ 400 ألف نسمة وان البلد استقبل في اعقاب النكبة 100 ألف لاجئ، وأن عدد سكان المملكة في العام 1967 بلغ مليوناً و200 ألف نسمة وأنها استقبلت 400 الف لاجئ جديد، وأن عدد سكانه في العام 1990 بلغ أربعة ملايين و170 ألف نسمة واستقبلت 300 ألف لاجئ هم الفلسطينيون الذين كانوا يقيمون في الخليج، متناسية أن هؤلاء كانوا من حملة الجنسية الأردنية أصلاً، كما تناست في تعدادها السابق لكل موجات اللجوء الفلسطيني الذي صبغ بالجنسية الأردنية تباعاً، نسبة الأردنيين إلى غيرهم من مكونات التركيبة السكانية، فجاءت الإحصائيات وكأن المكون الفلسطيني يدخل على مكوِّن شرق أردني خالص.
وفي غمرة المنافسة على الأغلبية اقتنع المكونان الأكبران في التركيبة السكانية أن الأردنيين من أصول فلسطينية يشكلون نحو 35 في المئة من عدد السكان البالغ اليوم ستة ملايين ونصف المليون نسمة، وهي النسبة التي بقيت ثابتة على مر تاريخ العلاقة، ويشكل النسبة المتبقية الشرق أردنيون متحدين، من دون تمييز في النسب مع باقي مكونات النسيج الاجتماعي.

زواج كاثوليكي وتهم الخيانة

ترفع جهود إحياء مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية الهادفة للوصول إلى «حل نهائي» للقضية الفلسطينية حدة الصراع في العلاقة الأردنية الفلسطينية، كما هو يتراجع في زمن تعثر المسار التفاوضي.
ويكمن خطر المسار التفاوضي على العلاقة الأردنية الفلسطينية عندما تطرح مفاوضات السلام حلولاً ترفض عودة اللاجئين، فتثور مخاوف الشرق أردنيين من تحويل الأردن إلى وطن بديل للفلسطينيين وهو ما يروج له زعماء اليمين الإسرائيلي. وترتفع وتيرة المخاوف عندما يُطرح سيناريو قيام الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية، والتي ستؤدي إلى غلبة الهوية الفلسطينية على الأردنية.
على مدى ستة وستين عاماً من الزواج الكاثوليكي الأردني - الفلسطيني، وجه كل طرف إلى الآخر تهماً بالخيانة، واتفق الطرفان على الخوف من الاستمرار، الذي ما يزال وسيزال قائماً، لتُواصِل الشعارات معالجة اختلالات العلاقة، والتي كان آخرها «دفاعاً عن الأردن وفلسطين»، وهو جاء لمواجهة تنامي الخطاب العنصري الذي صاحب جولات وزير الخارجية الأميركي جون كيري على المنطقة. وتحت الشعار «التوافقي»، يتبادل الطرفان الاتهامات تارة همساً وأخرى جهاراً، ليؤكدوا عجزهم عن الوصول إلى حسم نهائي لمستقبل العلاقة.
            
 

مقالات من الأردن

آثار غزّة ضحية بحضرة السماسرة

من المفارقة أنّه لا يمكن مقارنة أهمية المواقع الحالية في غزة، مع الأماكن الأثرية فيها وما تحتويه من مقتنيات تاريخية تستحضر إمبراطوريات سكنتها،وتتسارع دول وحكومات عصرية لمحاولة إثبات تاريخها عبرها.

ما بعد الأزمة المالية الفلسطينية: قنوات إحكام التبعية لإسرائيل

فشل بروتوكول باريس في تحقيق أهدافه "المعلنة" (والمأمولة فلسطينياً) في تغيير بنيوي في الاقتصاد الفلسطيني وتبعيته الخارجية، وفشل الرهان على تعهدات الحكومات الإسرائيلية، بينما نجح تطبيق البروتوكول فعلاً في تقويض...

ما بعد الأزمة المالية الفلسطينية: معادلة الانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل

على الرغم من الامتعاض الفلسطيني الواسع تجاه "بروتوكول باريس" ومجمل ترتيبات أوسلو، فإنه ليس واضحاً بعد ما إذا كان الكيان الفلسطيني - السياسي والاقتصادي والاجتماعي - جاهزاً لدفع ثمن تفكيك...

للكاتب نفسه

استخدامات متعددة للمساجد في الأردن

يوجد في الأردن 5954 مسجداً ، منها 216 مسجداً تحت الإنشاء. الأرقام كشفت عنها وزارة الاوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية في إحصائيات خاصة بنهاية عام 2013.ويحتل المسجد لدى الأردنيين، الذين...

عمّان... شرق الفقراء غرب الأغنياء

انقسمت عمّان إلى مدينتين، وكان عنوان الانقسام طبقياً. فنشأت عاصمة الفقراء في شرقها القديم الذي يمثل مهد ولادة المدينة الحديثة عام 1909، تاريخ إنشاء أول مجلس بلدي. وفي غربها الحديث،...