الملك سلمان: عهد الإنجازات المؤجلة

في 23 كانون الثاني/ يناير، يحتفل الملك سلمان بمرور سنة كاملة على توليه عرش المملكة السعودية. وهي سنة غير عادية، مليئة بالأحداث منذ أول أيامها. فحال استلامه لمقاليد الحكم، توالت المراسيم الملكية لإعادة ترتيب بيت المُلك، ما ظنّه مراقبون وخبراء بالوضع السعودي خطة مدروسة لاستعادة نفوذ الجناح السديري بين آل سعود الذي تقلّص طيلة فترة حكم الملك عبد الله. إلا أنّ سلمان لم يكن مهتماً بالسديريين بقدر
2016-01-21

عبد الهادي خلف

أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة لوند ـ السويد، من البحرين


شارك
فيصل سمرة - السعودية

في 23 كانون الثاني/ يناير، يحتفل الملك سلمان بمرور سنة كاملة على توليه عرش المملكة السعودية. وهي سنة غير عادية، مليئة بالأحداث منذ أول أيامها. فحال استلامه لمقاليد الحكم، توالت المراسيم الملكية لإعادة ترتيب بيت المُلك، ما ظنّه مراقبون وخبراء بالوضع السعودي خطة مدروسة لاستعادة نفوذ الجناح السديري بين آل سعود الذي تقلّص طيلة فترة حكم الملك عبد الله. إلا أنّ سلمان لم يكن مهتماً بالسديريين بقدر اهتمامه، وهو يخطو عامه الثمانين، بترتيب الأمور لتوريث العرش إلى ابنه المفضل محمد، متخطياً إخوته وحتى أبناءه الآخرين. فبعد ثلاثة أشهر (في 29/4) من توليه الحكم، نكث سلمان بتعهداته المعلنة، فأقال ولي عهده وولي ولي عهده، الأميرين مقرن بن عبد العزيز ومتعب بن عبد الله على التوالي. أعاد بذلك ترتيب تسلسل وراثة العرش جاعلاً من ابنه محمد ولياً لولي العهد. حظي انقلاب سلمان، كما حظي انقلاب فيصل بن عبد العزيز ضد أخيه سعود في 1964، بمباركة أمراء العائلة ورجال الدين فيها. ولم تتأخر الكتائب الإعلامية داخل السعودية وخارجها عن إعلان فرحة الشعب بتلك القرارات وحكمتها. وعدا المخاطرة المدروسة بالانقلاب على أخيه مقرن وابن أخيه متعب، فإن السنة الأولى من عهد سلمان شهدت سلسلة من القرارات الارتجالية المكلفة سياسياً واقتصادياً والتي قد تهدد تداعياتها مستقبل العائلة المالكة نفسها.

"عاصفة الحزم"

بعد أقل من شهرين من مجيئه إلى الحكم، أعلن الملك سلمان عن بدء "عاصفة الحزم" في اليمن بهدف إبقائها تحت النفوذ السعودي. شملت العمليات العسكرية، التي شاركت فيها الإمارات والبحرين، قصفاً بحرياً وجوياً ساهم في تدمير البنى التحتية في اليمن علاوة على سقوط آلاف الضحايا وتشريد مئات الألوف في داخل اليمن أو خارجها.
روّج الإعلام الموالي للسعودية لعاصفة الحزم باعتبارها بداية "صحوة عربية"، رغم ما بدا واضحاً من علامات ارتجالها وقلة التخطيط لها سياسياً وعسكرياً. فلم تتم استشارة شركاء السعودية في مجلس التعاون الخليجي، ولا حتى مصر والباكستان التي افترض واضعو الخطة أن تتولى قواتهما البرية اجتياح اليمن. نعم. استعار الطاقم الحاكم في السعودية من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اقتراحه بتأسيس "الجيش العربي الموحد" الذي أدلى به قبل إطلاق "عاصفة الحزم". وكان السيسي وقتها يتطلع من خلال اقتراحه الى إقناع الدول الخليجية بزيادة استثماراتها في بلاده، وخاصة في تمويل "الهيئة العربية للتصنيع" والمصانع العسكرية المصرية المتعثرة. وكان مشروع "الجيش العربي الموحد" سيعتمد على عديد القوات المسلحة المصرية وتأهيلها للقيام بدور مباشر، وأقل كلفة، لحماية أمن تلك الدول. إلّا أنّ اقتراح السيسي بتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك لا يعني أنه قادر، فيما لو أراد، على تحويل القوات المسلحة المصرية إلى جيش من المرتزقة تحت إمرة الملك السعودي. لم يعد أحد في مصر أو السعودية أو في غيرهما يتحدث عن مشروع "الجيش العربي الموحد"، ولم يعد أحد يرفع بجدية شعارات الصحوة العربية، بعدما تبيّن عجز السعودية عن إدارة حرب اليمن ناهيك عن تحقيق انتصار سريع فيها.
بعد أقل من شهر على بدء الهجوم، أعلنت السعودية رسمياً انتهاء العاصفة وبدء "عملية إعادة الأمل". ليس معروفاً حتى الآن أسباب إلغاء "عاصفة الحزم" من دون تحقيق أهدافها رغم ما قاله الناطق الرسمي السعودي وقتها حول "تدمير 98 في المئة من القدرة الصاروخية للرئيس المخلوع وللحوثيين وتدمير معظم آلياتهم الثقيلة". على أية حال، لم يؤدِ تغيير مسمى العمليات العسكرية إلى تغيير استراتيجي على الأرض اليمنية. بل إن الحالة العسكرية أخذت تشمل منذ نيسان/ أبريل الماضي مواجهات داخل الأراضي السعودية نفسها وخاصة في منطقتَي نجران وجيزان.

البحث عن إنجازات

كانت حرب اليمن خطوة أولى في ذلك الاتجاه لتهميش الأدوار الإقليمية لقوى رئيسة مثل تركيا وإيران ومصر. إلا أنّ مسارها لم يتم حسبما خُطِّط له. فما قيل إنها عملية عسكرية لن تحتاج لإتمامها سوى أسبوع أو في أسوأ الأحوال بضعة أشهر، نجدها قد طالت وتوسعت بحيث لا أفق للخروج منها بعد عشرة أشهر سوى وقف العمليات العسكرية والعودة إلى نقطة البدء. لهذا يجد الملك السعودي نفسه الآن بحاجة شديدة لما تستطيع مصر وتركيا وحتى قطر تقديمه من دعم استراتيجي. كما يجد نفسه في مواجهة مباشرة، وإن باردة حتى الآن، مع إيران. وهي مواجهة يستعيد الخطاب الإعلامي فيها تفاصيل ما قيل طيلة الحرب العبثية بين العراق وإيران في الثمانينيات. وكما أدّت تلك الحرب إلى استنزاف قدرات بلدان المنطقة وثرواتها، فإن المواجهة الجديدة تعد باستنزافها من جديد.
يحتاج الطاقم الحاكم في السعودية إلى تحقيق إنجاز ما، حتى لو كان لا قيمة له سوى الضجيج الإعلامي. ولقد رأينا في منتصف كانون الأول/ ديسمبر/ الماضي مثالين على ذلك. أولهما إعلان محمد بن سلمان تشكيل "التحالف الإسلامي ضد الإرهاب"، وثانيهما تدشين "مشروع التحول الوطني".

التحالف الإسلامي ضد الإرهاب

لم يعد ثمة مجال للشك في ارتجالية القرارات السياسية في الرياض بعدما أعلن ولي ولي العهد في منتصف كانون الأول/ديسمبر الماضي عن تشكيل "التحالف الإسلامي ضد الإرهاب" بقيادة بلاده وعضوية 34 دولة إسلامية. وتبع ذلك إعلانه مدينة الرياض مركز قيادة العمليات المشتركة. لم يكن مستغرباً غياب أسماء دول عربية وإسلامية أبرزها سلطنة عُمان، شريكة السعودية في مجلس تعاون دول الخليج العربية. إلا أنّ ما كان لافتاً في قائمة الــ34 دولة هو أمران. أولهما انها تتضمن عدداً من الدول التي تخضع حكوماتها للمساءلة البرلمانية بحيث لا تستطيع الدخول في أحلاف أو تأخذ التزامات عسكرية دون الرجوع إلى برلماناتها. أما الثاني فهو أن دولاً إسلامية مهمة ذكرها البيان السعودي نفت علمها بتفاصيل التحالف الذي لم تسمع به سوى عن طريق نشرات الأخبار. بل إن المتحدث باسم خارجية الباكستان أعلن وقتها أنها طلبت من سفيرها في الرياض محاولة الحصول على معلومات إضافية عن الموضوع. لن يجد أحدٌ "معطيات إضافية" تفسر إعلان تشكيل التحالف الإسلامي الجديد سوى ما أحدثه من ضجيج إعلامي صار ملازماً لكل القرارات الارتجالية التي اتخذها الطاقم الحاكم في السعودية منذ مجيء سلمان إلى سدة الحكم.

مشروع "التحول الوطني"

لم يأخذ الطاقم الحاكم في السعودية في حساباته على ما يبدو أن تدهور أسعار النفط ليس مؤقتاً وأن انخفاض موارد السعودية سيفرض عليها إعادة النظر في الالتزامات المالية المباشرة وغير المباشرة التي يفرضها سعيها لاستلام قيادة المنطقة العربية. السعودية تستطيع أن تتحمل هذه الالتزامات لفترة قصيرة. وتستطيع أيضاً أن تتحمل تكرار العجز المالي الذي تضمنته الميزانية السعودية الأخيرة بمقدار 98 مليار دولار. فهي تستطيع تغطية هذا العجز والالتزامات الملحّة الأخرى عن طريق صناديقها السيادية التي تزيد قيمتها على 700 مليار دولار، علاوة على قيمة الاستثمارات الخارجية غير المعلنة. كما أنها تستطيع، كما فعلت في أزمات سابقة، الاستدانة من الأسواق المحلية والخارجية. ما لا تستطيع السعودية أن تتحمله لفترة طويلة هو التداعيات السياسية والعسكرية، والمالية أيضاً، لعجزها عن حسم حرب اليمن. فكلما طالت الحرب ازدادت كلفتها المباشرة، وازدادت قدرة الحلفاء، دولاً أو ميليشيات، على مطالبة السعودية بضخ المزيد من الأموال.
وجدت الرياض نفسها مضطرة منذ منتصف العام الماضي لبيع قسم من استثماراتها الأوروبية لتغطية حاجتها إلى السيولة النقدية. وهنا يكمن أحد جوانب الهدر السلماني لثروات بلاده حين تُباع لأول مشترٍ في سوق عالمية مضطربة. لا تستطيع السعودية التأني انتظاراً لتحسن شروط السوق العالمية وهي ترزح تحت ضغط الحاجة لتوفير السيولة اللازمة لتغطية التزامات مالية تفرضها حرب اليمن وتمويل عمليات المعارضة المسلحة في سوريا وإرضاء الحلفاء المتطلبين في مصر وباكستان والأردن وغيرها، ناهيك عن تسديد أقساط صفقات السلاح المعقودة مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. وهنا قد يجد الطاقم الحاكم في السعودية نفسه أمام ضرورة إعادة ترتيب أولوياته في تنفيذ تلك الالتزامات المتداخلة. ولكن هل تجرؤ السعودية، لتسهيل تمويل حرب اليمن، على وقف/تأجيل صفقات استيراد العتاد العسكري من الغرب؟ أو هل تستطيع إدامة "التحالف العربي" فيما لو أوقفت أو قلّصت الدعم المالي الذي تقدمه لنظام السيسي في مصر؟ صعوبة هذه الأسئلة وغيرها تزداد حين نأخذ بعين الاعتبار قلة خبرة محمد بن سلمان صاحب القرار الحاسم ضمن الطاقم الحاكم في البلاد.
وما يزيد مصاعب حكام السعودية هو أن حكام أبو ظبي، حلفاءهم ومنافسيهم في الوقت نفسه، يبيعون أيضاً أقساماً من استثماراتهم الخارجية لتغطية حاجاتهم هم أيضاً للسيولة النقدية. ولعل المفارقة أن تكون إيران، وهي تستعيد أموالها المجمدة في الغرب، هي أحد الأطراف المستفيدة من ضائقة الأوضاع الاقتصادية في كل من البلدين. كما أنّ إيران، إن لم تتهور بالتدخل العسكري المباشر، هي المستفيدة إقليمياً من استمرار انغماس البلدين في مستنقع الحرب الأهلية في اليمن، واستنزاف قدراتهما في حرب عبثية لا يستطيعان حسمها وحتى الخروج منها بطريقة مشرِّفة.
في منتصف الشهر الماضي، تولى الضجيج الإعلامي تسويق مشروع "التحول الوطني" الذي قدمه ولي العهد باعتباره طريقاً جديداً للتنمية في السعودية اعتماداً على خطة وضعتها مؤسسة ماكنزي الأميركية. لم تُستشر أية جهة سعودية في الموضوع، رغم ما تزخر به السعودية من خبراء تخطيط اقتصادي. لا تختلف خطة ماكنزي لتنمية السعودية عما قدمته للبحرين والإمارات قبل سنوات، وخاصة تأكيدها إطلاق حرية السوق وتقليص الدور الرعائي للدولة. إلا أنّ تلك الخطة تتوقع أن يبدأ التمهيد لإصلاح السوق الاقتصادي بإزالة معيقات ذلك الإصلاح بما فيه الفساد. المعضلة التي تواجه مخططي ماكنزي في السعودية (كما في البحرين والإمارات) هي أن الفساد هو أداة من أدوات الحكم في هذه الدول. فلا يمكن إزالة الفساد من السعودية أو غيرها ما دامت العوائل الحاكمة تستخدمه في توزيع فوائض الريع، ضمن كل عائلة حاكمة من جهة وبين شرائح الوجهاء التقليديين والمحْدثين من جهة أخرى.
تشير متابعة ما نُشر عن "مشروع التحول الوطني" إلى أنّه ليس سوى محاولة لإعلان إنجاز لم يتم. وهو ليس أكثر من خطة خمسية أخرى، ما تختلف فيه عن سابقاتها هو أنّها تتضمن البدء بتنفيذ عدد من توصيات صندوق النقد الدولي، والتي من بينها تقليص الإنفاق الحكومي وخاصة في مجال الخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية. وسيؤدي هذا التقليص إلى خصخصة أكثر من عشرين قطاعا حكوميا. وتضمنت الإجراءات المعلنة لاحقاً إنهاء دعم أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية، بما فيها الوقود والكهرباء والماء، وفرض رسوم جديدة بما فيها ضريبة القيمة المضافة.
وبعد عام، لا يمكن الحديث حتى عن بوادر تحقيق إنجازات فعلية. بدأ سلمان عهده برفع مستوى الآمال بقدرته على تحويل المملكة إلى الدولة الإقليمية الأكثر نفوذاً، وقائدة للأمة العربية والعالم الإسلامي. وبدأ الإعلام السعودي يستخدم عبارات ردد مثلها إعلام صدام حسين في الثمانينيات من قبيل إن "دور السعودية القيادي في المنطقة بات ضرورة وليس خياراً". إلا أنّ الدور القيادي لا يتحقق بمجرد إعلان الرغبة فيه. وهو بالتأكيد لا يتحقق عبر القرارات المرتجلة وزيادة الصخب الإعلامي حولها.

مقالات من السعودية

مسار الحركة النسوية السعودية

ما نجحت فيه الحركة النسوية كحركة حداثية البنية، هو أنها اول حركة سعودية منذ عقود تكسر كل الحواجز الطائفية والمناطقية بل وحتى الطبقية، وتكوِّن جمهوراً واسعاً من الجنسين من ذوي...

الفضاء العام السعودي الجديد

تمتد عملية نسخ الأمير للنموذج الاماراتي الاقتصادي الفُقاعي الى عملية نسخ تام لعملية إحكام سطوة السلطة على المجال العام في البلاد، وانه لا يمكن لأي كان التفكير خارج الإطار الاستهلاكي...

للكاتب نفسه