التجارة بالضمير الاجتماعي: كيف تُعرّي الحروب مجتمعاتها؟

يتقدّم نموذج "المواطن السلعة" في سوريا على غيره من نماذج اجتماعية محتملة، وتتقدّم معه أنماط الحياة الاستهلاكيّة التي لا تنتج قيماً ولا سلعاً حقيقيّة، بل تستهلك كل الرداءة التي يمكن إنتاجها وتسويقها في زمن الحرب.
2019-04-18

أيمن الشوفي

صحافي من سوريا


شارك
ياسر صافي - سوريا

تتلوّن الحياة داخل سوريا بأصبغةٍ تستدرجها سنوات الحرب والفاقة، ويصير العوز إلى السكينة الاجتماعيّة التي تولّدها حوامل السياسة والاقتصاد معاً، مأزقاً يومياً بأحمالٍ لا تُطاق، إذ تتداخل عوامل لم تكن بالحسبان في إعادةِ تشكيل منظومة العلاقات الاجتماعيّة، والوعي المجتمعي، وذلك بتسويقِ قيمٍ جديدة تقارب حدود الهذيان في أحيانٍ عديدة، حيث استساغة القتل، أو تقليل قيمة الإنسان وتحويله إلى مجرّد تحصيل استثماري مادي بائس يتطابق مع اتساع خارطة الموت والفقر والغلاء.

ويظلّ السؤال الذي يلاحق أنفاس السوريين في الداخل: هل تدهورت المفاهيم المعيارية لدرجة تدعو إلى رثاء الذات الجمعية، وهل بالإمكان استحضار أدوات معرفيّة متواضعة لقياس ذلك البلاء؟

الجريمة، امتدادٌ لهذيانات أخرى

تتجنّب السلطة في سوريا ترويج أرقام الجرائم سنوياً، إذ أنها اكتفت عام 2017 بالتصريح عن عدد جرائم القتل التي بلغت نحو 570 جريمة، وقع أغلبها في العاصمة وريفها.

غير أنّ احتجاب الأرقام الرسمية عن الصدور عام 2018 لا ينفي بالضرورة إمكانيّة الاستنجاد بأدوات بحثٍ بسيطة تعتمد على ما تنشره وسائل الإعلام الرسميّة والخاصة علّها تقدّم مؤشراتٍ ذات دلالة استنتاجيّة. ويكفي استعراض بعض تلك الجرائم لتبيان هشاشة العلاقات الاجتماعية التي استفزّتها سنوات الحرب والفقر والتقنين والموت المجاني. ففي يومٍ واحدٍ فقط حدثت ثلاث جرائم قتل في منطقة مصياف التابعة لمحافظة حماه (تخضع لسيطرة السلطة) وذلك يوم 24 تموز / يوليو عام 2018. وفي أواخر شهر كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه قَتل مراهق في منطقة "جديدة عرطوز" التابعة لريف دمشق جدّته وزوجها بهدف السرقة، وكانت حصيلة جرائمهِ مبلغ مليون ونصف ليرة (ثلاثة آلاف دولار تقريباَ) بعد تهديده لباقي أفراد الأسرة بالقتل بما فيهم خالته ووالدته وأشقاؤه أيضاً.

قبل ذلك، وفي أواخر شهر آذار/ مارس من عام 2018 قتل رجل في منطقة "ركن الدين" وسط العاصمة زوجته، ومعها ثلاثة أشخاص آخرين، ثم وفي مطلع شهر تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه وقعت جريمة قتلٍ في دمشق لأجل سرقة مبلغ 40 ألف ليرة (أقل من مئة دولار)... وتلك عيّنة انتقائية فقط من مجموع الجرائم التي حدثت العام الماضي، حيث اتسم بعضها بتعدد الضحايا، وبعضها الآخر بصغر عمر القاتل (أقل من 18 سنة).

وهذا النوع من العنف المجتمعي لم يكن مألوفاً في جرائم الأعوام التي سبقت، ليس فقط لأن نحو 70 في المئة من السوريين انزلقوا إلى تحت خط الفقر الأدنى (أقل من دولار واحد في اليوم) بحسب أرقام الأمم المتحدة لعام 2018، بل لأنَّ عواملاً أخرى تعاضدت فيما بينها بحيث مكّنت العنف من الاستقرار داخل البنية الاجتماعية، خاصة في المدن الكبيرة مثل دمشق وحلب، ثم في مدن الساحل والجنوب، منها انصراف المؤسسات الأمنية والضابطات العدليّة إلى تدعيم أمن النظام السياسي على حساب أمن المجتمع، الذي تركته لتدابير مليشيات سلّحتها بنفسها، أو سكتت عن تسليحها. وتلك روجت السلاح بين الناس، وأعطتهم دروساً في الاستعلاء على القانون الجزائي وعلى سواه. كما أن تفوّق منطق التصفيّة الجسدية بالقصف أو بالقتل أمام الكاميرات، استحضر نموذج العنف السلوكي الذي يصل إلى حدّ القتل، وبرّره أيضاً. إضافةً إلى أنّ معايشة مشاهد الدمار بصورةٍ يومية أخذت تخلق ظلالاً لها داخل مصفوفة العلاقات الاجتماعية، الواعية منها وغير الواعيّة، بحيث يصير قبول الجثة البشرية مماثلاً لقبول البناء المدمّر، فكلاهما هيكلان للفناء والعدم.

السوريون، فئران لتجارب الغذاء؟

ليس استساغة الجريمة هو المؤشر الوحيد على تدهور المعايير القيمية للمجتمع السوري. ثمّة أيضاً التلاعب بصحة الناس بوصفها قيمة متدنيّةَ الفائدة، مقابل تحقيق المكاسب الماليّة بوصفها قيمةً عالية الفائدة. وهذا توصيف منهجي جديد للقيم جاءت به سنوات الحرب ومعها احتكار السلطة، لترمي بالمجتمع إلى عتمةٍ يصعب الانفكاك منها، إذ يكفي أن نعلم أنَّ مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك بدمشق أعلنت عن ضبط 782 مخالفة غش خلال الستة أشهر الأولى من العام الماضي، من بينها 83 مخالفة خاصة باللحوم، وصار الحديث عن بيع "شاورما" معدّة من لحم الحمير في أحد أشهر مطاعم دمشق للوجبات السريعة، مسألة قابلة للتصديق، والتناقل على ألسنة الناس وشبكات التواصل الاجتماعيّة.

خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي تمَّ إغلاق 124 منشأة صناعية في ريف دمشق معظمها كان معاملاً لإنتاج الكونسروة والألبان والأجبان والخبز ومحال لبيع اللحوم الحمراء.. وبحسب وزارة التجارة، فإن العسل والحليب واللحوم والزيوت والمشروبات والعصائر هي أكثر المواد التي يصيبها الغشّ في سوريا.

كما وجدت مديرية الشؤون الصحية التابعة لوزارة الصحة السورية في أواخر شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي مادة مسرّطنة داخلة في تركيب أحد أنواع العصير المعروض للبيع داخل الأسواق السورية، وهذا بالغ الخطورة لكنه ينسجم مع ارتفاع نسبة الغش في المواد الغذائية التي وصلت إلى 80 في المئة خلال عام 2018، كمؤشرٍ آخر على استمرار سقم المنظومة القيمية، وما يتبع لها من مظاهرٍ عامة وسلوكيّات "براغماتية" خالصة.

وبحسب تصريحٍ لمديرية المخابر في وزارة التجارة الداخلية فإن العسل والحليب واللحوم والزيوت والمشروبات والعصائر هي أكثر المواد التي يصيبها الغشّ في سوريا. وخلال التسعة أشهر الأولى من العام الماضي تمَّ إغلاق 124 منشأة صناعيّة في ريف دمشق معظمها كان معاملاً لإنتاج الكونسروة والألبان والأجبان والخبز ومحال لبيع اللحوم الحمراء.. وغيرها.

بيع الجنس والمتعة، تجارة الحرب الرائجة

ازدهر بيع الجنس والخدمات الجنسية في سوريا خلال سنوات الحرب أكثر من سابقاتها، ليس لأن ضبّاطاً ومسؤولين في السلطة هم الذين يديرون شبكات الدعارة، بل للتمادي في تحويل المواطن إلى مجرد سلعه يسهل بيعها، أو تأجيرها، أو تحويله إلى مجرّد سوق تجارية لتصريف السلع الفاسدة.

يصير التوسّع في بيع الجنس متطابقاً مع التوسّع في بيع السلع الفاسدة والترويج لها، ومتطابقاً أيضاً مع البنية النفسية للجريمة، وهي تستسهل تحويل الإنسان إلى مجرّد جسم بلا حواس.

ونموذج "المواطن السلعة" هو أحد أهم وأحدث منجزات السلطة في علاقتها بالمجتمع ونمط الوصاية عليه. وهكذا يصير التوسّع في بيع الجنس متطابقاً مع التوسّع في بيع السلع الفاسدة والترويج لها، ومتطابقاً أيضاً مع البنيّة النفسية للجريمة وهي تستسهل تحويل الإنسان إلى مجرّد جثّة بلا حواس، ليصير من غير المدهش أن تعلن إدارة الإتجار بالبشر التابعة لوزارة الداخلية السورية أواخر العام الماضي عند اكتشافها لواحدة من شبكات الدعارة المنتشرة في العاصمة، أن التحقيقات وصلت إلى أسماء فنانين وفنانات متورطين في تقديم الخدمات الجنسيّة المدفوعة لبعض كبار التجار ورجال الأعمال، ومعها تأمين كلّ مستلزمات "إبهاج الحواس" من مخدرات وسواها. وتلك ليست الشبكة الوحيدة التي تعلن السلطات السورية عن اكتشافها مؤخراً، إذ ثمة العديد من مثل ذلك في مدينتي "جرمانا" و"جديدة عرطوز" التابعتين إدارياً لريف دمشق.

بذلك يتقدّم نموذج "المواطن السلعة" في سوريا على غيره من نماذج اجتماعيّة محتملة، وتتقدّم معه أنماط الحياة الاستهلاكيّة، التي لا تنتج قيماً، ولا سلعاً حقيقيّة، بل تستهلك كل الرداءة التي يمكن إنتاجها وتسويقها، وكل ذلك بفعل دورة الحياة القصيرة للموجودات داخل دائرة الحرب، واحتكار السلطة المطلق.

مقالات ذات صلة

مقالات من سوريا

للكاتب نفسه