الأرض في مصر: صراع النفوذ والثروة والبقاء

الأرض هى المفتاح الرئيسي لفهم طبيعة الحكم في مصر، ليس لكونها مجتمعاً زراعياً بل لتركيز السلطة على الأرض، والتعامل مع السكان بمنطق يتمحور حول إخضاع مجموعات من البشر يقيمون على مساحة معينة، أو حول كيفية انتزاع السكان من الأرض وإزاحتهم.
2019-04-15

علي الرجّال

باحث في علم الاجتماع السياسي متخصص في الدراسات الأمنية، من مصر


شارك
فرات شهال الركابي - لبنان

تم دعم هذه المطبوعة من قبل مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المطبوعة أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

الأرض هي محور السيادة وبسط نفوذ السلطة في مصر، وهي محور الصراع الاجتماعي بين جميع الأطراف، حتى داخل جهاز الدولة نفسه، وهي المصدر الرئيسي للثروة.
ولكن ما هي الأرض؟ ولماذا هي محور الصراع الاجتماعي في مصر؟ والمقصود هنا هو كل ما يتعلق بالمساحات الزراعية سواء داخل الوادي، أي أراضي الدلتا والصعيد المشهورة بالزراعة تاريخياً، أو أراضي الاستصلاح الزراعي التي بدأت في التشكل منذ نهاية عصر الملك فاروق ثم مع مشروع الإصلاح الزراعي مع عبد الناصر، وإعادة توزيع الأرض كمدخل مهم للنظام الناصري في إعادة توزيع الثروة وتشكيل طبقات اجتماعية جديدة. وهناك أيضاً الأراضي الزراعية المستصلحة في الصحراء مثل إقليم التحرير والنوبارية شمال غرب القاهرة. ونقصد بالأرض أيضاً كل المساحات الصحراوية الشاسعة التي تمثل الامتداد العمراني لمصر، مثل مصر الجديدة ثم في السبعينات الفائتة مدينة نصر، وفي التسعينات والألفية الجديدة السادس من أكتوبر والشيخ زايد والمجتمعات والمدن المسيّجة التي شهدت طفرة كبيرة منذ نهاية القرن الماضي، وما زالت مستمرة في التوسع، وهي تحيط بالقاهرة، وصارت في العقد الأخير تحيط بالإسكندرية أيضاً. كذلك يقصد بها المساحات الشاسعة على البحر المتوسط أو البحر الأحمر. وحتى داخل حيز المدينة والقرى أو على أطرافها، فالأرض الزراعية أو القابلة للاستثمار العقاري كانت مركزاً رئيسياً للصراع والسيطرة. ويمكن رصد الاستيلاء على مثل هذه الأراضي في القاهرة والإسكندرية ومدن القنال والعديد من مدن الدلتا والصعيد بهدف التوسع الديموغرافي في ما عرف بأحزمة العشوائيات.

الأرض في مصر ليست فحسب كل مساحة قابلة للزراعة، بل وكذلك للاستثمار العقاري والخدمي والصناعي أيضاً. وإشكالية الأرض تتجسد في سؤالين: من يملك الحق في الأرض؟ وفي ماذا تُستخدم؟ كما هناك سؤال الإدماج والتهميش، سواء في حق الولوج إلى الأرض، أو الاستفادة بما يتعلق بالتنمية الخدمية أو الصناعية أو العقارية التي ستنتج عن تخصيص الأرض. وأخيراً هناك سؤال من سينتزع أرضاً لصالح من؟ وبأي تكلفة؟

I- محطات

يمكن رصد ثلاث محطات لتحولات الصراع حول الأرض واستخدامها في مصر منذ الخمسينات وإلى اليوم.

- الإصلاح الزراعي

المحطة الأولى هي إعادة توزيع الأرض الزراعية والتخطيط العمراني والاستثمار العقاري الذي تولت إدارته الدولة بالكامل. ثم الارتداد على هذه الاستراتيجية مع السادات وقانون 1974 الذي أعاد الحيازات الكبرى مرة أخرى لكبار الملاك على مستوى الأرض الزراعية. وفي هذه الفترة أيضاً بدأ سوق الاستثمار العقاري الخاص في النمو بشدة، وأصبحت السمسرة والتجارة في الأراضي وفض النزاعات عليها بشكل عرفي مهناً شديدة الأهمية وجالبةً للثراء الفاحش، وهو قائم إلى يومنا هذا.

- عهد مبارك

تحولت الأرض إلى مجال للمضاربة و"التسقيع" (أي المملوكة بشروط ولكن المتروكة بلا استخدام) ومجالاً كبيراً لممارسة الفساد بين النخب الأمنية البيروقراطية والطبقات الصاعدة مع سياسات الانفتاح الاقتصادي والنخب الرأسمالية الجديدة التي أعيد تشكّلها بين أطراف مختلفة منها النظام السياسي نفسه، ومنها أيضاً الولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج. وهي الفترة نفسها التي شهدت التوسع في المدن السياحية والعشوائيات. ووجد هذا النمط مع مبارك توحشاً وصدامات عنيفة حول الأرض، سواء الزراعية منها أو المخصصة للاستثمار العقاري. قام مبارك سنة 1992 بتغير قانون إيجار الأرض الزراعية. ونص القانون رقم 96 لسنة 1992 بشأن تعديل بعض أحكام المرسوم بقانون 178 لسنة 1952 الخاص بالإصلاح الزراعي، على إنهاء عقود الإيجار بانتهاء السنة الزراعية 96/97. فنشبت مئات الانتفاضات الصغيرة في جميع قرى مصر من الصعيد إلى الدلتا، بين ملاك الأراضي والمزارعين وقوات الأمن. وقد وثق أغلبها "مركز الأرض". وقطعت الطرق والقطارات وأحرق العديد من الجمعيات الزراعية. وشهدت هذه الفترة تحالفاً واضحاً بين الملاك ورجال الشرطة والبلطجية. ويرصد "راي بوش" من جامعة ليدز البريطانية تعذيباً روتينياً وممنهجاً للمزارعين، ووقوع أكثر من 87 حالة وفاة، و550 إصابة، و800 حالة اعتقال حدثت بسبب الصراع على الأرض حتى شباط/ فبراير 2000. واستمراراً للنهج نفسه وقعت أحداث "سراندو" (1) في دمنهور بين عامي 2005 و2006 وكانت بين المزارعين من جهة، وعائلة صلاح نوار والداخلية والبلطجية من جهة أخرى، وشهدت وقائع تعذيب واحتجازاً للنساء واعتقالاً للمزارعين وسقوط امرأة ضحيةً للتعذيب.

تخلى مبارك تدريجياً عن الاستثمار في دعم صغار الفلاحين ومشاريع الاستصلاح الزراعي للشباب، في مقابل تخصيص مساحات واسعة من الأراضي الصحراوية للاستثمار الزراعي. وخلق هذا الأمر طبقة كبار ملاك آخرين. وتوسعت زراعة الفاكهة مثل البرتقال، الذي نافست فيه مصر بقوة في التصدير، لتتفوق على إسبانيا في بعض الأوقات، وزراعة الأعشاب بغرض التصدير أيضاً ومحاصيل بستانية مختلفة. وتوقفت مصر عن الاهتمام بمحاصيل مثل القمح. وفي الدلتا انتشرت زراعة الأرز والمزارع السمكية وتشكلت من خلالها ثروات طائلة حتى العام 2005، على الرغم من صراع مصر مع أثيوبيا على حصتها من ماء النيل و"سد النهضة".

قام مبارك بتغيير قانون إيجار الأرض الزراعية، معدلا بعض أحكام قانون الإصلاح الزراعي، منهياً عقود الإيجار بانتهاء 1979، وقد نشبت مئات الانتفاضات الصغيرة في جميع قرى مصر من الصعيد إلى الدلتا. ووصلت مساحة الأراضي المنهوبة خلال حكم مبارك إلى نحو 16 مليون فدان، أو نحو 67 ألف كيلومتر مربع.

ومع اشتداد أزمة السكن وفشل الحيازات الزراعية الصغيرة في درّ عائد مربح على أصحابها، ومع ضرورة إيجاد أراضٍ للسكن، تحول الصراع على الأرض من أجل الزراعة إلى ما يعرف بـ"كردون" المباني (سلاسل من البناء) المخالف على أراضٍ زراعية. وهذا محور صراع طويل بين السلطة وقطاعات فقيرة تستولي على الأرض من أجل السكن، منذ السبعينات الفائتة وإلى اليوم. تجسد هذا داخل الريف نفسه أو في قلب المدن الكبرى مثل القاهرة والإسكندرية. وهكذا توسعت العشوائيات. وتحولت مناطق كثيرة لما يعرف بالإصلاح الزراعي إلى مناطق سكنية شبه عشوائية بعد فشل الزراعة. وهي مناطق كان الصراع عليها أكبر حيث يحمل أبناء هذه المناطق حيازات لهذه الأراضي، كما قامت السلطات بإدخال الخدمات والمرافق العامة لها مثل الكهرباء والماء وبتحصيل فواتيرها. ومع بداية الألفية الجديدة اشتد الصراع على هذه الأراضي، مثل أراضي المنتزه وطوسون بالإسكندرية، وصار القضاء الإداري ساحة تنازع كبيرة بين الأمن والمحافظة والمستثمرين العقاريين من جانب، والأهالي من جانب آخر.

وعلى الرغم من الانخفاض النسبي لقيمة الأرض الزراعية، لكنها ظلت محوراً مهماً للصراع الاجتماعي بين العائلات الكبرى والقبائل على ملكيات الأرض أو التنافس فيما بينهم في الاستيلاء على أراضي الدولة. وتحفل تقارير "مركز الأرض" (2) بآلاف الحالات التي يقع ضحيتها المئات كل عام نتيجة استخدام السلاح الناري.

وقد اتسم عصر مبارك بظاهرتين متناقضتين: الاستيلاء على أراضي الدولة عن طريق وضع اليد نتيجة لرخاوة السلطة وللفساد، كما تحولت العشوائيات إلى هاجس اجتماعي وأمني للسلطة ومصدراً للخطر يجب تطويقه وحصاره. والظاهرة الثانية هي نهم النخبة الرأسمالية الجديدة بقيادة جمال مبارك في الانقضاض على الأراضي وطرد السكان، مثلما حدث في التسعينات الفائتة من طرد للفلاحين ولكن هذه المرة في المناطق المسكونة. كذلك التوسع في تخصيص الأرض والاستثمار الخليجي في مجالي الزراعة والعقارات. فكانت "شركة إعمار" الإمارتية و"عليّان" السعودية ومجموعة "الخرافي" من كبار المستثمرين العقاريين في مصر، وبالأخص في المدن الجديدة أو القرى السياحية على البحر الأحمر. وهو ما ساعد سوق العقارات على النمو بشدة في عهد مبارك، بوجود الصعوبات البيروقراطية والرشاوي والعمولات وهيمنة الدولة واحتكارها للأرض، وهي أمور يشتكي منها مجتمع رجال الأعمال والمال إلى يومنا هذا على الرغم من تقاربهم مع النخب الأمنية والاستفادة المتبادلة.

وفي عام 2010، أصدر "الجهاز المركزي للمحاسبات" تقريراً مهماً للغاية حول ملف تخصيص وبيع أراضي الدولة، التي كانت مخصصة للاستصلاح والاستزراع، رصد فيه آلاف المخالفات والتجاوزات التي وقعت خلال السنوات الماضية، وتناول تحويل الأراضي المخصصة للزراعة (3.5 مليون فدان)، بيعت بأبخس الأثمان إلى منتجعات سياحية فاخرة وقصور، وبخاصة الأراضي الموجودة على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي، والساحل الشمالي.

وكشف تقرير آخر صدر عن "الاتحاد العربي لمكافحة الجرائم الاقتصادية وغسيل الأموال"، قيمة الأراضي التي تمّ الاستيلاء عليها سواء من خلال وضع اليد أو لفعل قوانين تمّ تشريعها، ووصلت قيمتها إلى 900 مليار جنيه. وأشار إلى أن أراضي وأملاك الدولة، خلال الأنظمة السابقة، تعرضت لتعديات صارخة وخطيرة تمت بالمخالفة للقانون والدستور، وبمساعدة مسؤولين سابقين تربحوا نظير تخصيص هذه الأراضي. ووصلت مساحة الأراضي المنهوبة إلى نحو 16 مليون فدان، أو نحو 67 ألف كيلومتر مربع.

أصدر الجهاز المركزي للمحاسبات تقريراً في العام 2010 حول ملف بيع أراضي الدولة التي كانت مخصصة للاستصلاح والاستزراع، رصد فيه آلاف المخالفات والتجاوزات، وتناول تحويل الأراضي الزراعية (3.5 مليون فدان) إلى منتجعات سياحية فاخرة وقصور، وبخاصة منها الموجودة على طريق مصر - الإسكندرية الصحراوي، وفي الساحل الشمالي.

كذلك رُصدت مساحات شاسعة للمدن الجديدة، مثل "مدينتي" و"الرحاب" التي خصصت لرجل الأعمال التابع لـ"الحزب الوطني" (حزب السلطة) هشام طلعت مصطفى، والتي تحولت إلى قضية فساد كبيرة بعد ثورة 2011. وتوسع مبارك في تحويل منطقة "العين السخنة" إلى منتجعات وقرى سياحية، والساحل الشمالي وجنوب سيناء وبعض مدن البحر الأحمر. وخصصت مساحات كبيرة لرجل الأعمال الشهير المقرب من مبارك شخصياً، حسين سالم، الذي ما زال هارباً في إسبانيا بعد اتهامه في قضايا فساد مختلفة تتعلق بمنحه أراضٍ. وتحوّل الاستثمار في الأرض و"تسقيعها" والتجارة بها إلى أحد أهم سبل الاستثمار بسبب احتفاظ العقارات والأراضي بقيمتها في مواجهة التضخم، وهو يعتبر أكثر مجالات الاستثمار أماناً في مصر ومستودعاً للقيمة.

- بعد الثورة

وبعد الثورة واجه أغلب رجال الأعمال في عهد مبارك (حسين سالم، هشام طلعت مصطفى، حبيب العدلي، وزير الإسكان نفسه إبراهيم سليمان، وآخرون ذخرت المحاكم بقضاياهم في هذا الشأن) قضايا فساد تمحور أغلبها حول الاستيلاء على أراضي الدولة سواء بوضع اليد أو بتخصيص أراضٍ لهم من قبل السلطة بأسعار لا تتناسب مع أسعارها الحقيقية في السوق. وانتهت العديد من القضايا بالتصالح مع الدولة ودفع بعض التعويضات.

ولهذا فلا عجب أنه منذ اشتداد رياح النيوليبرالية بعد العام 2005 إلى اليوم، تكررت محاولات السلطة والمستثمرين طرد السكان من مناطقهم. والأمثلة كثيرة. ففي عام 2006 دفعت السلطة سكان منطقة "المفروزة" بالإسكندرية لإخلاء مساكنهم بالعنف لصالح توسيع "ميناء الدخلية". وفي عام 2008 استيقظ سكان منطقة طوسون بشرق الإسكندرية على عملية اجتياح شنها الأمن المركزي لطردهم بعد أن قررت المحافظة وبعض رجال الأعمال الاستثمار العقاري هناك. وكذلك محاولة الجيش الاستيلاء على جزيرة القراصية بالنيل في القاهرة في 2008 ومؤخراً محاولة الجيش طرد وتهديد سكان جزيرة الوراق لإخلائها. وأيضاً نجاح الدولة في إخلاء مثلث ماسبيرو لصالح رجل الأعمال ساويرس.

النظام السياسي شن إذاً حرباً كبيرة على سكان عدة مناطق لإخلائها بالقوة، وكان كل هذا مصحوباً بآليات بطش وقمع جماعي وترويع وإرهاب للمواطنين وسجن لذويهم واعتقال أسر بأكملها للمساومة والإخضاع. وفي الأخير يتم إنتاج نمط من الحكم استعماري وبوليسي الصفة. ولهذا لا عجب من ضرورة عسكرة الشرطة بشكل دائم بعيداً عن خوف الدولة من الثورات أو الجانب السياسي. فالعسكرة هنا لها ضرورة واسعة ومهمة في الحوكمة نفسها.

II- الخرائط والجهات المختصة والصراع على الاراضي

أصبح الحصول على خريطة تفصيلية لمصر أمراً في غاية الصعوبة، وذلك منذ عام 1952. بل إن زكريا محي الدين (الأب المؤسس للأجهزة الأمنية المعاصرة في مصر) كان شديد الحرص على هذا الأمر. الخرائط كانت وإلى اليوم تمثل هاجساً أمنياً شديد الحساسية للسلطات المصرية، وأمراً تخطيطياً ومدخلاً للثروة، وتعزز هذا بعد "الانفتاح" مع حكم السادات، لأن خرائط تخطيط الأراضي هي ما تمكِّن قطاعات مختلفة (قريبة من السلطة بحكم الفساد أو التقارب بين برجوازية الدولة والبرجوازية الجديدة الصاعدة مع الانفتاح، وقريبة من الأجهزة الأمنية وبالأخص الجيش) من الولوج إلى الأرض والاستثمار فيها أو "التسقيع" أو لعب دور الوساطة والسمسرة. وقد عمل بعض رجال الدولة المقربين من صناعة القرار أو من صناع القرار أنفسهم، كسماسرة معلومات عن الأراضي.

وفي الألفية الجديدة صار الأمر أكثر فجاجة، حيث أصبح وزير الإسكان هو أحد الشركاء في "بالم هيلز" التي تقوم ببناء المدن المسيجة والاستثمار العقاري، وعمل بعض الموجودين في المناصب الحكومية كاستشاريين في شركات المضاربة العقارية.

- الخرائط كنز محكم الإغلاق

استخلاص خريطة مفصلة للاستثمار أو التخطيط الاقتصادي أمرٌ ما زال إلى يومنا هذا شديد الصعوبة. وتكمن المشكلة الرئيسية في جانبين: إما أن الخريطة سرية وحصرية بالجهات الأمنية وبعض الأجهزة التخطيطية، ويتم بالتالي التعتيم عليها، أو تتعدد الجهات المنوطة بإدارة الأراضي في مصر، وتخصيصها وما يتعلق بتصريحات مختلفة للقيام بأي نشاط عليها. فالجهات تتوزع بين وزارة الدفاع، المحافظة، الوزارات المتقاطعة أو المالكة للأرض، والأوقاف. بالإضافة إلى ذلك فهناك الجهات المطلوب موافقتها مثل وزارة الدفاع ووزارة الإنتاج الحربي والدفاع المدني والمجلس الأعلى للآثار. والوصول إلى هذه الهيئات وتصريحاتها أمر مكلف ويتطلب قدراً كبيراً إما من القدرة على النفاذ إليها أو من الفساد أو من الأثنين معاً.

ويشير المهندس المدني الراحل، والناشط السياسي، رمضان جاب الله، أن الخريطة جزء متعلق بالأرض كمصدر رئيسي وحاسم للثروة، وبالأخص منذ اﻻنفتاح وتقدم المواصلات وتقنيات رصف الطرق وعمل مدن جديدة. وقد أصبح مجرد الحصول على الخرائط، سواء القديمة أو الحديثة أو المستقبلية، يعني الثروة المباشِرة. فقد نجحت بعض الجماعات النافذة في البيروقراطية والأمن في الحصول على خرائط الطريق الدولي بالإسكندرية، وكانت خرائط مسرّبة، وحققت بذلك ثروات كبيرة بولوجها للمعلومات حول الأرض وسبل استثمارها. وكذلك الحال مع الطريق الدائري في القاهرة. ويكمل جاب الله: "وفي تجربة لي مع مصلحة المساحة، وهي الجهة المدنية التي تعطي الخرائط - المفروض أنه يُحصل عليها ببساطة - طلبتُ خريطة لمنطقة حدائق الأهرام فأعطوها لي بعد مماطلة بيروقراطية وتقديم أوراق... وكانت الخريطة عبارة عن لوحة بيضاء ليس فيها أي خط. فقلت لهم: هل طُبعت بالخطأ؟ أجابوا: ﻻ، هي هكذا، عندنا إصدار سبعيني (من سنوات السبعين الفائتة) ولكي تحصل على مرادك اذهب إلى مكتب حي الهرم. وطبعاً حجم فساد مكاتب الأحياء معروف، ومنه إخفاء الخرائط بين الحي ومصلحة المساحة لمصلحة التجار والسماسرة، ﻷن مجرد معرفة معلومات عن الأراضي بشكل مفصل هي ثروة في السمسرة. هذا جانب يؤكد المعنى الأمني، لارتباطه بالثروة على عدة مستويات. من أول أرض الفطيم – "إيكيا" و"المول" - في القاهرة الجديدة التي تؤكد خرائطه أنه أخذ من شارع عمومي وأغلق لحسابه، إلى خرائط القطع الصغيرة لحساب هذا أو ذاك من الفاسدين في السلطة".

تأتي مصر في المرتبة 119 من أصل 185 اقتصاداً على مؤشر تسجيل الملكيات طبقاً لتصنيف البنك الدولي، وأحياناً تتراوح المدة الزمنية المطلوبة لتسجيل الأراضي ما بين 10 إلى 15 سنة.

وعلى الرغم من كل هذه التعقيدات و"الغلبة" الأمنية والبيروقراطية على الأرض في مصر، فكفاءة الدولة في تسجيل الأراضي شديدة التواضع، كما أن حجم الاستيلاء ووضع اليد على أراضي الدولة هو الآخر أمر متكرر. وتشير د. سحر عبود (3) في تقرير لها صادر عن "المركز المصري للدراسات الاقتصادية" إلى "عدم وجود نظام معلومات متكامل ومحدث عن الأراضي في مصر. وتأتي مصر في المرتبة 119 من أصل 185 اقتصاداً على مؤشر تسجيل الملكيات طبقاً لتصنيف البنك الدولي ". وأحياناً تتراوح المدة الزمنية المطلوبة لتسجيل الأراضي ما بين 10 إلى 15 سنة.

- الجيش أكبر مستثمر في الأرض

بسبب تعقيد الإجراءات وجهات الاختصاص، تلجأ النخبة الحاكمة نفسها، عن طريق رئيس الجمهورية، لتخصيص الأراضي بقرارات جمهورية مباشرة أو بالأمر المباشر. فبعد مبارك، يعتمد السيسي على تخصيص الأرض لصالح القوات المسلحة أو لجهات أجنبية بقرارات جمهورية، مثل قراراته المختلفة التي قامت بتخصيص عدة أراضي لملك البحرين في شرم الشيخ ومعاملته كمصري، أو منح قطعة أرض مساحتها 164 فداناً لأمير الكويت بعدما أصدر قانوناً بمعاملته كالمصريين.

ولقد نجح السيسي في الدخول إلى لعبة الأرض بقوة. ونجح في تحويل الجيش إلى أكبر مستثمر في الأراضي بمصر. فخلال عهد السادات، منح قرار رئاسي (صادر عنه في عام 1977) حق امتياز إدارة جميع الأراضي غير الزراعية وغير المستثمَرة للجيش، فجعل هذا القرار المؤسسة العسكرية أكبر قيّم على الأراضي الحكومية في البلاد، معطياً سيطرة لا محدودة على الأرض لجهاز إدارة المساحة العسكرية، إحدى إدارات الهيئة الهندسية بالقوات المسلحة المصرية.

صدر قانون في 2014 معني بتنظيم الأراضي التي يرفع الجيش يده عنها. وهو يتيح للمؤسسات الفرعية التابعة للقوات المسلحة تكوين شركات، إما منفردة أو بالشراكة مع القطاع العام أو الخاص، ما يعني تسهيل تحويل الأراضي العسكرية للأغراض المدنية والصناعية والاستثمارية. وقد أصبح مجرد الحصول على الخرائط، سواء القديمة أو الحديثة أو المستقبلية، يعني الثروة المباشِرة.

إلا أن تحويل الجيش لمستثمر كان يحتاج لقرار آخر. وفي عام 2014 صدر قانون معني بتنظيم الأراضي التي يرفع الجيش يده عنها. وفي هذا القانون استُحدث بند يتيح للمؤسسات الفرعية التابعة للقوات المسلحة تكوين شركات إما منفردة أو بالشراكة مع القطاع العام أو الخاص، وهو ما يعنى تسهيل تحويل الأراضي العسكرية للأغراض المدنية والصناعية والاستثمارية ومشاركة الجيش بقيمة هذه الأراضي فقط، وهو ما يعني أيضاً إضافة استثمار الأرض إلى مزايا الجيش بعدما كان المعمول به هو وضع اليد في أيام السادات، أو تخصيص 5 في المئة من مساحة الأراضي المبنية للجيش، وهو الوضع المطبق في عصر المخلوع مبارك، حيث منح مبارك الجيش حق بناء ما يقرب من 5 في المئة من مجموع المساكن التي شُيّدت في البلاد من قبل الجيش ولأجل الجيش، دون أن يُعمم حق استثمار هذه الأراضي. أما الآن فصار يحق للجيش الأمرين معاً، كما يشير "تقرير صادر عن المعهد المصري للدراسات"(4).

- شراكات الجيش

واستكمالاً لسياسات التخصيص المباشر، أصدر السيسي قراراً جمهورياً رقم 57 لسنة 2016، خصص أراضي العاصمة الإدارية الجديدة وتجمّع زايد العمراني المزمع إنشاؤهما على ما يناهز 16 ألف فدان، لـ"جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة"، كي يضطلع بتنفيذ المشروع. كما نص القرار على إنشاء شركة مساهمة تتولى إدارة اﻷراضي، وتضم مساهمات من جهازي مشروعات أراضي القوات المسلحة، ومشروعات الخدمة الوطنية. وأصدر الرئيس قراراً رقم 108 لسنة 2018 بالموافقة على إعادة تخصيص قطع من أراضي الدولة في "العلمين" (إحدى مدن محافظة مطروح على البحر الأبيض المتوسط) لاستخدامها في إنشاء "مدينة العلمين" السياحية الجديدة عليها. وكان أبرز ما جاء في متن القرار المنشور بالجريدة الرسمية هو القيام بعمليات إعادة تخصيص ونقل ملكية بين أكثر من جهة، من وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي والقوات المسلحة، إلى "هيئة المجمعات العمرانية الجديدة".

وبهذه الإجراءات نجح السيسي في إعادة موضعة الجيش في الاقتصاد المصري بعيداً عن المشروعات الخدمية والإنتاجية التابعة له، والتي تطورت منذ نهاية السبعينات الفائتة إلى اليوم. فالآن يقف الجيش كشريك رئيسي لأي استثمار عقاري أو خدمي على الأرض، وبقية الأطراف الفاعلة في الاقتصاد، سواء من رجال الأعمال المصريين أو المستثمرين الأجانب، عليها العمل إما بشراكة مع الجيش أو المرور من خلال موافقته. على كلٍ كانت الأرض مناط نزاع بين النخبة النيوليبرالية بقيادة جمال مبارك والقوات المسلحة. ولقد أزاحت الثورة هذه العقبة من أمام الجيش.

وعلى الرغم من قدرة السلطة على اتخاذ مثل هذه القرارات، لكن وفي أحيان كثيرة يتم الطعن بها قانونياً ودستورياً لأنها تحتوي على خلل قانوني يمكن أن ينقلب على السلطة نفسها. وهو ما يحاول بعض المحامين والنشطاء القيام به الآن في الإسكندرية حيث قام الجيش بالاستيلاء على أراضٍ كبيرة، وشواطئ منطقتي "سيدي جابر" و"مصطفى كامل" لصالح مشاريع ترفيهية ينفذها بنفسه، ولكنه يوكلها فعلياً من الباطن إلى شركات خاصة، أو يبيع ويؤجر لها هذه المساحة، أو يقوم بتخصيص حق انتفاع بها لمدى زمني معين. والفجوة القانونية هنا أن هذه المساحات هي حق عام للناس، وبالأخص الشواطئ، ولا يجوز التفريط بها للقطاع الخاص أو الاستيلاء عليها.

III- الأرض والقانون والحكم الاستعماري

الأرض هى المفتاح الرئيسي لفهم طبيعة الحكم في مصر، ليس لكونها مجتمعاً زراعياً بل لتركيز السلطة على الأرض، والتعامل مع السكان بمنطق يتمحور حول إخضاع مجموعات من البشر يقيمون على مساحة معينة، أو حول كيفية انتزاع السكان من الأرض وإزاحتهم.

قديماً - وبقدر كبير من الاختزال - كان المطلوب ضمان ولاء سكان إقليم معين وانتزاع الخراج منهم، وكذلك الأفراد للتجنيد. وهو ما جعل الطابع العسكري للحكم هو الغالب على أي نمط آخر، وجعل تقنية الحكم الأساسية هي السيطرة العسكرية وحصار حيز ما. وهذا استتبع أن تكون طبيعة البنية القانونية - سواء الحديثة أو التي في طور التحديث مثلما كان الحال أيام الخديويات في مصر - قائمة على العقوبة الجماعية، وكان نظام الأمن أيضاً بعيداً عن المدن وقائماً على نظام المسؤولية الجماعية. ولهذا ظل القانون (الفرمانات الخديوية) يتيح - حتى دستور عام 1923 الذي النص على فردية العقوبة - ممارسة أخذ الأسرى من المجتمع للمساومة، أو التفاوض أو للضغط على الجاني لتسليم نفسه.

وقد عاد نمط الحكم القائم على الترويع الجماعي من أجل إخلاء السكان من الأرضي الزراعية في التسعينات الفائتة، في ظل إدارة مختلفة ومشاريع مختلفة وبنية قانونية متعارضة في كثير من الأوقات مع تقنيات الحكم البوليسي. وفي الألفية الجديدة عاد هذا النمط مع الأرض القابلة للاستثمار العقاري والسياحي. وعلى سبيل المثال هناك معضلة الأرض في منطقة الساحل الشمالي، وهي نموذج موضِّح لشكل الاستثمار السياحي والعقاري في الأرض، حيث يتم تهميش السكان ثم إدماجهم في "العملية التنموية" وما حملته من شبكات زبائنية، وعلاقات سلطوية وتعقيدات قانونية.

كان الساحل الشمالي طبقاً للتقسيم الإداري لمحافظة الإسكندرية منطقةً حدودية. كانت بوابة التفتيش تبدأ عند الكيلو متر الثامن عشر أو عند منطقة الدخيلة. وما بعد ذلك فهي منطقة حدودية صحراوية ذات ساحل ممتد. كانت قيمة الأراضي الساحلية في هذه المنطقة لا تُذكر، وكانت بلا أي قيمة مالية أو اقتصادية. فالمنطقة كانت خارج حسابات مشاريع التنمية والعمران في مصر. وكان الجيش يتحكم في أغلب الأراضي الساحلية من خلال سيطرة سلاح حرس الحدود على الساحل. وبما أن الأرض كانت بلا قيمة، فكان النزاع عليها بين الجيش والسكان، محدوداً أو معدوماً، في حالة استحواذ الجيش على بعض النقاط لبناء وحدات لحرس الحدود. إلا أن المعادلة قد تغيرت تماماً مع قرار السلطة بتحويل هذا الساحل لمنطقة سياحة داخلية، وبناء ما يعرف بالقرى السياحية. ومن هنا بدأ الصراع على الأرض بين السكان والدولة والمستثمرين.

أغلب هذه الأراضي هي تاريخياً ملك أبناء المنطقة من القبائل والعائلات المختلفة. وكانت كل عائلة تعرف حدود أرضها ونفوذها في الجغرافيا. بالطبع كانت تقع خلافات على الأراضي بين العائلات نفسها وكانت المجالس العرفية تتولى حلها عبر اللجوء للشيوخ ذوي الخبرة في الأراضي، والذين كانت لديهم قدرات وحدس عالي ومعرفة تاريخية بملكية الأراضي تاريخياً وتوزيعها بين العائلات. لم يكن هذا الحال قائماً فحسب في المناطق التي تسكنها القبائل العربية المعروفة باسم "أبناء علي". بل كان في الدلتا مجالس عرفية مشابهة مكونة من الوجهاء والأعيان، أو من رجال الدولة والعِمد والمشايخ. وكانوا يميزون حدود الحيازات في بعض المناطق بالنخل. فعند النخلة "أ" تبدأ حدود حيازة ما وتنتهي أخرى.

كان الساحل الشمالي لمحافظة الإسكندرية منطقة حدودية صحراوية بلا قيمة مالية أو اقتصادية. وكانت المنطقة خارج حسابات التنمية والعمران، ويتحكم الجيش بأغلبها من خلال حرس الحدود، والنزاع عليها بينه وبين السكان محدوداً أو معدوماً. إلا أن المعادلة تغيرت مع قرار السلطة بتحويلها لمنطقة سياحة داخلية، وبناء "القرى السياحية". فبدأ الصراع على الأرض بين السكان والدولة والمستثمرين.

وكان الحال وما زال، أن الأرض هي مصدر النفوذ والثروة والقوة والوجاهة الاجتماعية. ولهذا كان يمكن أن يمتد نزاع ما على الأرض إلى القتل أو إلى اقتتال بعض العائلات لعقود على رقعة ما. وكثير من الأراضي الزراعية في "أدكو" (في محافظة البحيرة غرب الدلتا، وعاصمتها مدينة دمنهور ويحدها شمالاً البحر الأبيض المتوسط) على سبيل المثال أيضاً ليست مسجلة، واعتمد المزارعون هناك على أحد قوانين الإصلاح الزراعي القائل بأن من استصلح أرضاً فهي ملك له. وبالفعل قاموا باستصلاح ما يعرف بـ"الكيزان" الرملية لزراعة العنب والتفاح وبعض المحاصيل البستانية. ولكن في الوقت نفسه عجز المزارعون عن تقنين أوضاعهم، وهم اليوم يواجهون معضلة كبيرة حيث اتهمتهم المحافظة بأنهم بلطجية يستولون على أراضي الدولة، وكلا الطرفين يعتد بالقانون!

مع دخول هذا الشكل الجديد من التوسع العمراني والاستثمارات السياحية والخدمية، ظهرت معضلة كبيرة وهي وضع اليد والملكية التاريخية لأبناء المنطقة. فأغلب الأراضي ليست مسجلة أو مقننة. وفي المقابل تؤكد الدولة على سيادتها وملكيتها للأرض. وقد واجه المستثمرون معضلة تتعلق بهوية الحائزين على هذه الأرض. وكان الحل العرفي هو السبيل. فالمستثمر يقوم بدفع ثمن الأرض للدولة، أو يقوم باستخلاص أوراقها من وزارة الدفاع ("الهيئة العسكرية لأراضي القوات المسلحة") أو من إدارة الإصلاح الزراعي، ثم يقوم بدفع تقدير عرفي لأصحاب الأرض. كانت العائلات والقبائل هناك تشعر بالضغينة وأن أرضهم تسلب منهم. وفي مقابل هذا فرضوا ما يعرف بـ"الغفرة" و"العجارة" (وهو راتب شهري مقابل التأمين أولاً، واحتكار جلب مواد البناء وأحياناً العمالة ثانياً). لكن الأمر لم يمر بسهولة، والنزاع على كثير من الأراضي هناك ما زال عنيفاً حتى اليوم. ولم يمر الكثير من الوقت بعد قرار الدولة بالاستثمار السياحي في هذه المنطقة حتى اندلعت انتفاضة صغيرة في نهاية السبعينات الفائتة في "أبو تلات"، وهي منطقة تقع بعد الكيلو متر الواحد والعشرين شمال غرب الإسكندرية. إذ وقع خلاف على الأرض بين أحد قادة الشرطة وعائلة هناك، واندلع العنف بين الشرطة والأهالي، وحاصرت قوات "الداخلية" المنطقة، وانتهى الأمر بالتفاوض بعد تقليم أظافر البدو، وترويعهم كما يرى بعض قادة الداخلية. وقد ازدادت أسعار الأراضي الساحلية هناك حتى وصلت إلى 11 مليون جنيه مصري للوحدة السكنية، حيث يتراوح سعر المتر الواحد ما بين 30 إلى 40 ألف جنيه في بعض القرى السياحية. وظلت الدولة تتوسع شمال غرب المنطقة مع مستثمرين أكثر قوة ونفوذاً، وظلت المعادلة هكذا حتى "ثورة يناير 2011". وعند قيام الثورة، حافظت العائلات والقبائل المختلفة على الميثاق العرفي والتزمت بالغفرة، وبالفعل قامت بتأمين المنطقة وقراها المختلفة بالكامل.

هناك في سلوك السلطة ما يشبه الطبيعة الاستعمارية القائمة على إزاحة السكان الأصليين وعدم دمجهم. وترغم السلطة جميع الأطراف على المساومة وتدفعهم إلى الرشوة والعنف.

ولكن هذه المنطقة تشهد صراعات دائمة على الأرض. فمثلاً هناك صراع قائم بين بعض المزارعين من الدلتا الذين قاموا باستصلاح مساحات كبيرة من الأراضي للزراعة وبعض الجماعات من أبناء المنطقة الذين لا ينصاعون للعرف ولا للقانون، وبعض رجالات الدولة من القضاء والشرطة. ليس المقصود هنا ترجيح أحقية أحد من المتصارعين على الآخر. ولكن الالتباس في القانون، وعدم تحديد الملكيات مع ارتفاع قيمة الأرض جعلها محوراً للصراع الدائم، سواء كانت للاستصلاح الزراعي أو للاستثمار السياحي والخدمي.

لا تتوقف حدود الصراع على هذه الجهات. فالجيش نفسه الذي اعتبر (قانونياً) بأنه يستطيع الاستحواذ على أي أرض غير زراعية لصالح أهداف عسكرية وأمنية ولوجستية، وجد نفسه على أعتاب صراع عنيف في العام 2015 على أرض المفاعل النووي بمنطقة "الضبعة". فالجيش قام بإزاحة السكان من هذه المنطقة، وفي المقابل قام السكان بتمرد صغير واحتلوا الأرض رافضين الإزاحة القسرية. فلجأ الجيش لإظهار أنياب شديدة العنف ضد السكان لردعهم. وفي أقاويل لبعض سكان المنطقة، قام الجيش بعمل حالة من "فرش" القوات لتهديد الأهالي، وحلقت الطائرات فوق الرؤوس. وانتهى الأمر كما هو الحال دائماً بالتفاوض بعد ردع وإرهاب الأهالي، وتعويض الجيش لأصحاب الأراضي. فلدى الجيش مشروع كبير وطموح في هذه المنطقة وهو حالياً ينتهي من بناء العاصمة الصيفية في مدينة العلمين الجديدة... ما يجلب المستثمرين الأجانب وشركات الأمن الخاصة ومزيد من عسكرة المنطقة. وهذا بلا شك سيؤدي إلى تغير كافة المعادلات الأمنية والاجتماعية والعرفية هناك.

هناك في سلوك السلطة ما يشبه الطبيعة الاستعمارية القائمة على إزاحة السكان الأصليين وعدم دمجهم. وترغم السلطة جميع الأطراف على المساومة وتدفعهم إلى الرشوة والعنف.

محتوى هذه المطبوعة هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

____________________
1- مركز الأرض (2005)، عفواً سيادة النائب العام، تقارير أخرى توثق أحداث قرية سراندو مركز الأرض لحقوق الإنسان، سلسلة المجتمع المدني، العدد رقم 17.
2- عشماوي، سيد (2001)، الفلاحون والسلطة، على ضوء الحركات الفلاحية المصرية (1919-1999)، دار مريت، القاهرة.
3- عبود، سحر (2018)، منظومة إدارة أراضي الدولة في مصر: الوضع الحالي ومقترحات التطوير، المركز المصري للدرسات الاقتصادية.
4- إبراهيم، مصطفى (2018)، أراضي الدولة في مصر: من المالك؟ المعهد المصري للدرسات.

مقالات من مصر

للكاتب نفسه

اليسار في مصر: حدوده وآفاقه في عالم 2011

قراءة سريعة لتاريخ الحركة اليسارية المصرية في مختلف مراحلها، وللتغييرات التي طرأت عليها. وتبرز خلال محاولة فهم مآلاتها سمة مركزية رافقت كل تلك التغييرات، مخترقة الشروط المحيطة بها: غياب طرح...

سيناء: مهاجرون ومهرّبون وعساكر

في موضوع الهجرة عبر سيناء، تتداخل وظائف الأجهزة الأمنية ودورها الاستخباراتي والتجسسي مع التجارة والفقر والفساد. هكذا تنفلت الأوضاع على الرغم من حضور الأجهزة الأمنية وشدة المراقبة على المكان. وهكذا،...