مسألة الأرض في الجزائر: بين العدالة والنجاعة

هناك أكثر من 3 ملايين هكتار من الأراضي الفلاحية غير المستغلة، وهي تساوي 67 في المئة من الأراضي الصالحة للزراعة، هذا علاوة على تبذير هذا المورد النادر قصد بناء منشآت وأحياء سكنية، برفع التصنيف الزراعي عن آلاف الهكتارات من الأراضي ذات الجودة العالية لإنجاز بناءات في كل مناطق البلاد..
2019-04-06

الأخضر بن شيبة

كاتب من الجزائر


شارك
من دفتر:
مسألة الأرض
فرات شهال الركابي - لبنان

تم دعم هذه المطبوعة من قبل مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المطبوعة أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

تكتسب مسألة الأرض حساسية كبرى في الجزائر كونها ارتبطت بصفة أساسية بعنف استعمار استيطاني عمل على الاستيلاء على أراضي الأهالي بالقوة وبتسخير القوانين واستعمال الأدوات والضغوط الاقتصادية. ولا يمكن إغفال ذكر هذا البعد التاريخي كي يتسنى فهم تطور السياسات الفلاحية المنتهجة بعد الاستقلال. كما ارتبطت مسألة الأرض أيضاً بالسياسات الشاملة للدولة التي تراوحت بين نزعة اشتراكية ذات طابع خاص ـ للتمييز عما كان يجري في البلدان الاشتراكية في أوروبا الشرقية سابقاً ـ وليبرالية مترددة لم يتم تبنيها بشكل صريح.

تدمير وسلب استعماري ممنهج

قبل الاستعمار الفرنسي، الذي بدأ سنة 1830، كان الطابع الجماعي يسيطر على العقار الفلاحي. فكانت هناك أراضي "العرش"، التي هي أصلاً تابعة لمجال الحاكم لكن تستفيد منها "العروش" (القبائل) بصفة حرة، إذ بإمكان الفلاح استغلالها ولكن ليس بإمكانه بيعها أو مبادلتها.

كما كانت هناك أراضي "مِلك"، وهو ما يُعرف بالملكية الخاصة الكلاسيكية، ولكنها تخضع في أغلب الأحيان إلى مبدأ الشيوع. المُلاك المشتركين في قطعهم يستغلونها بانفراد وهي تكون غير قابلة للبيع. فقد كان مبدأ الشيوع قاعدة للتماسك العائلي القوي السائد في عالم الريف الجزائري. كما كانت هناك أراضي حبوس (وقف) وأراضي "البايلك" التي لم تكن هي أيضاً قابلة للبيع أو التنازل وتستغل بطريقة جماعية.

خلق مبدأ الاستغلال الجماعي للأرض توازناً وتكافؤاً في العيش حافظ على الانسجام الاجتماعي العام. وكان ذلك أهم ما استهدفه الاستعمار عبر تدمير نظام الملكية العقارية الفلاحية في الجزائر. وتمثلت الغاية في تفكيك المجتمع التقليدي المتماسك، والاستحواذ على الأراضي لتلبية حاجات استعمار استيطاني، واغتصاب أراضي الأهالي قصد "تحرير" قوة عمل تُوظَف في الاقتصاد الاستعماري الناشئ.

وقد أدت العملية الاستعمارية الممنهجة إلى تدمير شبه كلي لنسيج المجتمع التقليدي في الجزائر. وعملت القوانين التي تمّ سنها على ضرب نظام الشيوع الذي كان يجعل من بيع الأراضي أمراً مستحيلاً. كما استهدفت مجال أراضي العرش والوقف الذي كان استعمالها الجماعي يضمن وسيلة عيش متوازن بين السكان وإن كان متفاوتاً.

وقد تمّ ذلك بعنف رهيب حيث عمل الجيش الاستعماري على طرد القبائل من أراضيهم، ثم إعلانها "أراض غير مزروعة" ليتم توزيعها على "المعمّرين" الوافدين. كما أعلنت أراضي العرش والبايلك ضمن مجال المنفعة العامة وتم طرد الفلاحين منها وتعويضهم أحياناً بأراضِ قاحلة. وكان قانون "فارني" (1873) الوسيلة القانونية التي سمحت، تحت مسمى "توثيق الملكية الفردية للجزائريين" بتدمير نظام الشيوع. كما أدى إقراض الفلاحين بفوائد ربويّة كبيرة إلى عجزهم السريع عن الدفع وبالتالي الاضطرار إلى بيع أراضيهم.

بكل هذه الوسائل المستعملة من عنف وقوانين وأدوات اقتصادية تعرّض عالم الريف في الجزائر إلى تحول جذري. وعشية انطلاق الثورة في الفاتح نوفمبر/ تشرين الأول عام 1954، كان توزيع العقار الفلاحي يتميز بعدم تكافؤ رهيب. فكانت أفضل الأراضي في يد المعمرين الأوروبيين، وقد تحول جزء كبير من الفلاحين الجزائريين إلى عمال زراعيين موسميين. وحسب الاحصائيات آنذاك، كان 6.6 مليون هكتار من أجود الأراضي في حوزة مليون معمر أوروبي بينما كان 4.6 مليون هكتار في حوزة 8.7 مليون من الأهالي الجزائريين. مع الإشارة إلى أن قيمة الأراضي التي كانت بين أيادي الأوروبيين تساوي 3 أضعاف تلك التي يحوزها الجزائريون.

كان استغلال الأرض جماعياً هو ما يوفر توازناً وتكافؤاً في العيش حافظ على الانسجام الاجتماعي العام. وكان ذلك أهم ما استهدفه الاستعمار عبر تدمير نظام الملكية العقارية الفلاحية في الجزائر.

وعشية انطلاق ثورة 1954، كان توزيع العقار الفلاحي يتميز بعدم تكافؤ رهيب، إذ كانت أفضل الأراضي في يد "المعمرين" الأوروبيين، وتحول جزء كبير من الفلاحين الجزائريين إلى عمال زراعيين موسميين.

وهكذا كان وضع الريف الجزائري عشية انطلاق الثورة التحريرية كارثياً بكل معنى الكلمة، بسبب الوضعية الاقتصادية والاجتماعية لسكان الريف الذين تحولوا إلى أجراء، بعد أن أجبروا على ترك أراضيهم. ولم يبق من أصحاب الأرض الجزائريين سوى فئة من كبار الملاك تمركزوا بصفة فعلية مع المستعمِر مما سمح لهم بالمحافظة على أراضيهم وممتلكاتهم.

وليس بالغريب إذاً أن يكون الريف هو من تحمل العبء الأكبر في الثورة الجزائرية وأعطاها طابعها الشعبي القوي والعنيد. وتعرض عالم الريف إبَّانَ حرب التحرير إلى معاملة قاسية حيث قامت القوات الاستعمارية بطرد السكان من أراضيهم وتجميعهم في محتشدات قصد عزل الثوار عن السكان. وكان لذلك الأثر الوخيم على ما تبقى من الريف الجزائري وهو ما أثر كذلك على السياسات المنتهجة بعد الاستقلال.

التسيير الذاتي كجواب عفوي عند الاستقلال

على الرغم من الإشارات في أدبيات الحركة الوطنية إلى ضرورة الإصلاح الزراعي، لم يكن هناك تفكير دقيق في الموضوع. وعند الاستقلال طُرحت مسألة استعجالية تتمثل في التكفل بمجال زراعي أصابه خلل كبير بسبب الهجرة الجماعية للمعمرين الفرنسيين. وأصبحت المزارع الكبرى مهجورة ومتروكة بين أيادي العمال الزراعيين الذين عملوا بسرعة على ضمان الموسم الفلاحي الجاري آنذاك. وقد انتظموا على شكل لجان تسيير قصد المحافظة على عمل هذه المزارع وضمان الموسم. وهكذا ظهرت، بكثير من العفوية وكضرورة استعجالية، أول بوادر نظام التسيير الذاتي. تمّ ذلك بدون تأطير مباشر أو توجيه من طرف الدولة الناشئة أو من جبهة التحرير. "ميثاق طرابلس" المصادق عليه خلال مؤتمر بالعاصمة الليبية في نهاية أيار/ مايو 1962، لم يكن يشير إلى نظام التسيير الذاتي الذي أحدثه العمال بشكل عفوي. كما أن هذا النظام كان عملياً وسيلة للحماية من استحواذ ملاك إقطاعيين جدد على الأراضي التي خلفها كبار المعمرين الفرنسيين.

لم تظهر نصوص قانونية تنظِّم التسيير الذاتي في القطاع الفلاحي حتى صدور مراسيم 18 آذار/مارس التي قررت بأن توضع الأملاك الشاغرة تحت الوصاية الإدارية. فهناك المرسوم 63 ـ 88 الذي يتعلق "بالأملاك الشاغرة" في المجال الصناعي والتجاري والمالي والمنجمي والمستثمرات الفلاحية والغابية. أما المرسوم 63 ـ 89، فهو يتعلق بتنظيم الفلاحة والإصلاح الزراعي وتمّ بموجبه إنشاء "الديوان الوطني للإصلاح الزراعي" كمؤسسة عامة مكلّفة ببرنامج الإصلاح الزراعي وتسيير "المزارع المتروكة من طرف أصحابها".

كانت هذه المراسيم تتعلق بأكثر من 22 ألف مزرعة، مساحتها الإجمالية تقدر بنحو 2.2 مليون هكتار. ويرتكز التسيير الذاتي على "الجمعية العامة للعمال" التي تعيّن لجنة تسيير فتختار هذه بدورها رئيساً لها. كما تمّ تحديد توزيع المداخيل بحيث يؤخذ جزء منها ليُدفع للمجموعة الوطنية، فيما يشكِّل المتبقي منها مداخيلاً للمستثمرات الفلاحية المسيرة ذاتياً. وقد عقد مؤتمر للفلاحين، في تشرين الأول/ اكتوبر 1963، شارك فيه الفلاحون من كل مناطق الجزائر. وهي مرحلة تميزت بنوع من الحماس والرومانسية ودامت حتى سنة 1964.

كما أن المرحلة الاستعمارية تركت آثارها حيث أحدثت تحولاً عميقاً في الذهنيات. وإذا كان تقنين نظام التسيير الذاتي قد سمح بمواصلة سير العمل، فإنه لم يحسم الأمر في قضية الملكية. وهو بدأ يتآكل عملياً لصالح تسيير مباشر من طرف الدولة عبر نظامها البيروقراطي وتأطير الحزب. وتراجعت استقلالية لجان التسيير أمام تأطير وزارة الفلاحة، وتحول الفلاحون العاملون في المزارع المسيرة ذاتياً إلى أجراء يشرف عليهم مؤطرون تقنيون يمثلون وزارة الفلاحة. كما انحصر نظام التسيير الذاتي فقط في الأراضي التي كانت لدى المعمِّرين. وبقيت غالبية الفلاحين الفقراء الذين كانوا يعيشون في الأراضي ذات المردودية الضحلة بعيدة عن هذا النظام الفلاحي. وظل باقي القطاع المتمثل في ملكيات صغيرة وفقيرة شبه مهمل، مما جعل العائلات تتركه وتنزح نحو المدن. وهكذا استمر إلى ما بعد الاستقلال حيث تدهور وضع الفلاحين خلال 132 سنة من الاستعمار. فلم يمس التغيير في المجال الاجتماعي، مثل المنح العائلية والضمان الاجتماعي، سوى القطاع "الاشتراكي" والعمال الأجراء في قطاع الفلاحة. ولم يطل هذا التغيير القطاع التقليدي إلا سنة 1971 مع انطلاق الثورة الزراعية.

"الثورة الزراعية"

ركز نظام هواري بومدين، الذي أخذ زمام الأمور بعد تنحية أحمد بن بلة في 19 حزيران/ يونيو 1965، على بناء الدولة والجيش. وهي اهتمامات سياسية تتعلق أساساً بتثبيت الحكم، ولم يضع قطاع الفلاحة من ضمن الأولويات. ولكن الأمر تغير مع صدور المرسوم 71ـ 73 في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 1971 المتعلق بـ"الثورة الزراعية"، وهو الذي لا يكتفي بتأميم الأرض بل ينوي خلق شروط استصلاحها وتثمينها لفائدة الجماهير الريفية، رافعاً مبدأ "الأرض لمن يخدمها".

أنشأت الحكومة "صندوقاً وطنياً للثورة الزراعية" ووضعت تحت تصرفه أملاك الدولة وأملاك الحبوس وأيضاً أراضي الجماعات المحلية الأخرى، أي ما يقارب 1.5 مليون هكتار. وفي السنة الأولى من تطبيقه، تمّ توزيع ما يقارب 620 ألف هكتار، مما أدى إلى إنشاء أكثر من 3400 مستثمرة فلاحية لحوالي 44 ألف مستفيد. واختلفت أشكال هذه المستثمرات بين التعاونيات الفلاحية للإنتاج التابعة للثورة الزراعية والتعاونيات الفلاحية للاستغلال المشترك، وأشكال أخرى.

وفي حزيران/ يونيو 1973 انطلقت مرحلة ثانية أكثر إثارة للجدل كان هدفها تأميم أراضي الملاك الغائبين الذي قدر عددهم بأكثر من 34 ألفاً. كما استهدفت الحد من حجم الملكيات العقارية الكبيرة والتي كانت تقدر بنحو 16 ألف ملكية. وكان يفترض أن تُضَم الأراضي المؤممة إلى الصندوق الوطني للثورة الزراعية. ونالت هذه العملية تأييد ودعم اليسار الجزائري المنضوي آنذاك تحت لواء "حزب الطليعة الإشتراكية" سليل الحزب الشيوعي الجزائري، وقد عمل على تجنيد الطلبة في إطار حملات تطوعية في الريف قصد "توعية" الفلاحين ومساعدتهم على مواجهة ما كانوا يسمونه "مناورات الإقطاع الجزائري".

اختصرت حصيلة "الثورة الزراعية" لسنة 1971 في إعادة توزيع 1.1 مليون هكتار، وبناء 200 قرية فِلاحية اشتراكية من ضمن مشروع الألف قرية. وإذا كانت الثورة الزراعية تثير حتى اليوم حنين جهات من اليسار بسبب نواياها "الطيبة" في إحداث عصرنة لقطاع الريف ضمن توجه تقدمي، فإن التأطير البيروقراطي شكل حاجزاً كبيراً أمامها.

ولكن العملية عرفت مقاومة شديدة من قِبلِ التيار المحافظ وأيضاً من طرف البرجوازية الجزائرية التي كانت حاضرة في أجهزة الدولة وعملت على ألاّ تذهب بعيداً. وقد مسّت هذه العملية حوالي 26 ألف مالك بتأميم مساحة تقدر بنحو 500 ألف هكتار.

أما المرحلة الثالثة المتعلقة بالقطاع الرعوي فلم يُكتب لها أي نجاح بسبب المقاومة العنيدة لكبار المربين. وبالتالي فقد تمثلت حصيلة الثورة الزراعية لسنة 1971 في إعادة توزيع 1.1 مليون هكتار، وبناء 200 قرية فلاحية اشتراكية من ضمن مشروع الألف قرية.

اذا كانت الثورة الزراعية تثير حتى اليوم حنين جهات من اليسار بسبب نواياها "الطيبة" في إحداث عصرنة لقطاع الريف ضمن توجه تقدمي، فإن التأطير البيروقراطي شكل حاجزاً كبيراً أمامها. كما أحدت تحويل الفلاحين إلى شبه موظفين تسيباً أثّر بصفة ملحوظة في الإنتاج، وهو ما أعطى صورة سيئة للثورة الزراعية استغلها المناوئون للنزعة التقدمية، الذين سيعملون على إنهائها ضمن سياق سلطوي عام مُنادي "بالانفتاح".

الإصلاح الزراعي 1987، أو "الانفتاح" المحتشم

بعد وفاة الرئيس هواري بومدين في كانون الأول/ ديسمبر 1978 دخلت الجزائر مرحلة جديدة تمثلت في توجه نحو "الانفتاح" الليبرالي، المحتشم في البداية. وقد جرت محاولة إصلاح لم تذهب بعيداً سنة 1981 قبل أن يتم في سنة 1987 اعتماد ما سُمي بإعادة تنظيم القطاع الفلاحي. وكان هدفه إعادة تحديد وتوطيد حقوق وواجبات مجموعات المنتجين. وعمل الإطار القانوني الجديد على إعادة تحديد حجم المستثمرات حيث أنشئت مجموعات فلاحية جماعية مشكلة من 4 إلى 11 عضواً ومجموعات فلاحية فردية عندما لا تتوفر شروط إنشاء مجموعة جماعية. ولكن التسرع في تنفيذ العملية أدى إلى توزيع 10 في المئة من الأراضي خارج إطار القانون مما دفع بالملاك الذين أممت أراضيهم في الماضي إلى الاحتجاج والتوجه إلى المحاكم.

وإذا كانت السياسة الزراعية قد تطورت تدريجياً نحو "الخروج" من النظرة الإيديولوجية لمسألة الأرض بحثاً عن المردودية، فإن النتائج المرجوة لم تتحقق. فقانون 1987 يقر بحق الاستفادة من الأرض وحق التملك على أصول المستثمرات الفلاحية. وكان يفترض أن يشكل ذلك دفعاً للقطاع، غير أن الذي نتج عنه في الواقع هو مشاكل عدة، مثل فقدان استقرار القاعدة العقارية وتحويل الأراضي والمباني التابعة لها عن غايتها الفلاحية، وانخفاض الاستثمارات، وتطور ظاهرة البيع المسبق للمحاصيل..

ولتدارك الأمر صدر القانون رقم 90-25 في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 1990 المتعلق بالتوجيه العقاري ليكون إطاراً للسياسة الفلاحية. ولكنه جاء في طابع عام حيث اكتفى بتصنيف أنواع الأراضي (زراعية أو ذات غاية زراعية، غابية أو ذات غاية غابية، أراضي مغطاة بنبتة الحلفاء أو ذات غاية لزراعة الحلفاء، أراضي صحراوية، أراضي حضرية أو قابلة للبناء، مساحات ومواقع محمية). واقتصر القانون على توجيهات عامة معيداً الأمور إلى قوانين خاصة، في حين أنه لم يصدر أي نص تنظيمي يحدد كيفية تطبيق هذه التصنيفات.

وهو وضعٌ خلق تردياً عاماً، خاصة إذا عرفنا أن من ضمن مساحة فلاحية محتملة مقدرة بـ47 مليون هكتار، يوجد 8.5 مليون هكتار منها فقط قابلة للاستغلال المكثف.

كما أدى الطلب القوي على السكن بالسلطات إلى إطلاق العنان للنصوص التي تسمح برفع التصنيف عن المساحات الزراعية. وتم في هذا الصدد إصدار نصوص تنظيمية تسمح برفع التصنيف عن مساحات من العقار الفلاحي بطريقة تدعو للدهشة حسب أخصائيين. وهو اتجاه مقلق في وقت كانت قد ظهرت نزعة عالمية تشتري فيها بلدان عديدة في العالم أراضٍ زراعية في أماكن أخرى من المعمورة لضمان مستقبلها الغذائي. ولا يستوعب هؤلاء الأخصائيون كيف تقوم الجزائر بتبذير هذا المورد النادر وغير المتجدد قصد بناء منشآت وأحياء سكنية. وهكذا رُفع التصنيف الزراعي عن آلاف الهكتارات من الأراضي ذات الجودة العالية لإنجاز بناءات في كل مناطق البلاد تقريباً. وتستمر الظاهرة حتى اليوم على الرغم من إدخال مادة جديدة في الدستور، سنة 2016، تنص على ما يلي: "تضمن الدولة الاستعمال الرشيد للموارد الطبيعية والحفاظ عليها لصالح الأجيال القادمة. تحمي الدولة الأراضي الفلاحية، كما تحمي الدولة الأملاك المائية العمومية. ويحدد القانون كيفيات تطبيق هذه المادة" (المادة 19 من الدستور الجزائري).

التحول إلى نظام الامتياز

لمعالجة حالة الركود السائدة في قطاع الفلاحة، تمّ مع بداية سنة 2000 تنفيذ مخطط وطني للتنمية. وقد خصصت أموال هامة لبرامج دعم الفلاحين قصد تحديث المستثمرات. وإذا كان بعض التحسن قد سُجّل، فإن الحصيلة العامة تبدو متواضعة بالنظر للمجهودات المخصصة لذلك. ويرى بعض الأخصائيين أن تنفيذ هذا المخطط عانى من غياب التحضير ومن تسيير بيروقراطي ومن غياب المتابعة.

سمح صدور قانون التوجيه الفلاحي سنة 2008 بتسوية وضعيات مختلفة للعقار الفلاحي، حيث منحت ضمانة قانونية لأصحاب المستثمرات الزراعية. واستفاد هؤلاء من حق الامتياز، وقد بلغ عددهم لغاية أيار/ مايو 2018 حوالي 219 ألف فلاح على مساحة 2.4 مليون هكتار تابعة لأملاك الدولة. وتأكد هذا التوجه نحو انفتاح أكثر وضوحاً في قانون 14 آب/ أغسطس 2010 المحدِّد لشروط وكيفيات استغلال الأراضي الزراعية التابعة لأملاك الدولة الخاصة. وهو قانون يكرس مبدأ الإمتياز لصالح الجزائريين بناء على دفتر شروط لمدة 40 سنة قابلة للتجديد. ويتعلق الأمر بأعضاء المستثمرات الفلاحية الجماعية والفردية، كما هو قابل للتنازل لصالح ذوي الحقوق. ويدفع أصحاب هذا الامتياز رسماً سنوياً يتم تحديده في قانون المالية... كما تمّ فتح مجال الامتياز لفائدة استصلاح الأراضي في المناطق السهبيّة والصحراوية. وقد سجل تهافت كبير للحصول على هذا الامتياز في حين ذكرت الصحافة حالات عديدة لمستفيدين تحصلوا على مساعدات وقروض مالية ولم يقوموا بشيء على الإطلاق، مما دفع بالدولة إلى اتخاذ قرار يقضي باسترجاع الأراضي التي لم تُستثمر.

كما تطرق مسؤول عن التنظيم العقاري في وزارة الزراعة في نيسان/ إبريل 2018 لمسألة أراضي العرش وضرورة استغلالها. وقدر مساحة هذه الأراضي ما بين 2 و2.5 مليون هكتار والتي، بحسب ما قال، يتعين "استغلالها قصد تثمين هذه الأراضي ثم تدعيم الفلاحين بعقود إدارية". مشيراً إلى أن هناك أكثر من 3 ملايين هكتار من الأراضي الفلاحية غير المستغلة أي ما يقدر بنحو 67 في المئة من الأراضي الصالحة للزراعة.

مع بداية الألفية الجديدة أقر تنفيذ "مخطط وطني لتنمية الفلاحة". وقد خصصت أموال هامة لبرامج دعم الفلاحين قصد تحديث المستثمرات. وسُجّل بعض التحسن إلا أن الحصيلة العامة تبدو متواضعة بالنظر للمجهودات المخصصة. فقد عانى تنفيذ هذا المخطط من غياب التحضير ومن تسيير بيروقراطي ومن غياب المتابعة.

كما حصل في السنوات الأخيرة جدل كبير بخصوص مزارع نموذجية تابعة للدولة (أنشئت سنة 1990 بموجب القانون المتعلق بالتوجيه العقاري) وعددها يقارب 190 مزرعة تتراوح مساحتها بين 50 و70 هكتار متخصصة في إنتاج المواد النباتية والحيوانية الضرورية لإنجاز مخططات الإنتاج الوطني. وتمثل ذلك في خصخصة شبه سرية لجزء من هذه المزارع النموذجية في 2017 من طرف حكومة عبد المالك سلال بحجة أنها متروكة وغير مستغلة. وقد قام خلفه بإلغاء هذه القرارات حيث جمّد التنازل عن 25 مزرعة فلاحية نموذجية.

ولكن، وبغض النظر عن الرهانات الإيديولوجية الحاضرة منذ الاستقلال والتي هي انعكاس لصراعات حول توجيه الملكية العقارية التابعة للدولة، فإن المشكل الأكبر في الجزائر هو ضعف المساحات الصالحة للزراعة بالنظر إلى التطور الديمغرافي، وهو كذلك بهدف ضمان حدٍ مقبول من الأمن الغذائي.

محتوى هذه المطبوعة هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

مقالات من الجزائر

الجزائر: الحراك والجيش

2019-06-01

"كيف يمكن تعطيل القدرة على الأذى التي تملكها أجهزة المخابرات والبوليس السياسي الذي يسيج أفقياً وعامودياً المجتمع بكل مؤسساته كما الدولة؟ كيف سيُجبر هؤلاء على الحضور الى طاولة مفاوضات بغاية...

للكاتب نفسه