الإدمان فى مصر: حملات لا تتوقف ومدمنون يعافرون

هذه حكايات لمدمنين من مختلف انحاء مصر يحكون تفاصيلاً نتعرف من خلالها على كيفية خروجهم بأقل خسائر ممكنة، بعيداً عن الأبواق الإعلامية وأضواء الكاميرات، وبالاعتماد على أنفسهم.
2019-04-04

إنجي الطوخي

صحافية من مصر


شارك
سعاد عبد الرسول - مصر

إذا ذكرت كلمة "إدمان" تأتى مباشرة إلى الأذهان صورة شخص نحيل بالي الجسد يغطيه بملابس مهلهلة، غادرته الحياة فلم يتبقَ منه سوى عينان جاحظتان وهالات سوداء وعظام وجه بارزة، ورشفة أنف. ولكن لأن الحياة لها أكثر من وجه، فهناك صورة أخرى للمدمنين لم يتم التركيز عليها، وهي لأشخاص إستطاعوا التخلص من إدمانهم وعادوا لممارسة حياتهم بشكل طبيعي، يرون أن الإدمان ليس وصمة بل هو مرض أو ابتلاء أو اختبار مروا به ونجحوا في اجتيازه بعيدا عن بهارات السينما التي تجعل حياة المدمن تنتهي دوماً بالموت.

حملات كثيرة أطلقتها السلطة، آخرها كان حملة "الكشف عن تعاطى المخدرات" عقب حادثة محطة السكة الحديد بالقاهرة، حيث كشفت التحقيقات أن سائق القطار المنكوب تعاطى المخدرات وقت وقوع الحادث (ما لا ينفي سائر اسباب الحادث العائدة الى سوء حال السكك الحديد). فقد أثبتت التحاليل وجود عينات من مخدر "الاستروكس" فى دم السائق. سباق شديد بين كافة أجهزة ومؤسسات الدولة للمشاركة فى الحملة، كانت أبرز خطواتها إجراء تحاليل عشوائية لموظفي الدولة بحثاً عن أثر المخدرات في اجسامهم. لم تكن تلك هي الحملة الأولى، فقد بدأت منذ عامين حملة "اختار حياتك" تحت شعار "أنت أقوى من المخدرات"، وكانت تحت إشراف صندوق مكافحة الإدمان التابع لوزارة التضامن الاجتماعي، والتي قالت عنها وزيرة التضامن أن عدد المتفاعلين معها تجاوز الـ70 مليوناً.

هذه حكايات لمدمنين من مختلف انحاء مصر يحكون تفاصيلاً نتعرف من خلالها على كيفية خروجهم بأقل خسائر ممكنة، بعيدا عن الأبواق الإعلامية وأضواء الكاميرات، وبالاعتماد على أنفسهم.

أدمان فى ليلة العيد بدعوة من الأصدقاء

عبد الرحمن (19 عاماً)، يعيش فى مصر القديمة فى منطقة تدعى "درب نبلسية":

"بدأت إدماني فى ليلة العيد من سنتين لما أصحابى بدأوا يعزموا عليا علشان نغير جو باعتبار أن رمضان خلص بقى وعايزين نفرح، ومن وقتها حياتى اتخربت، ورحلة الأدمان بدأت بـ"الأستروكس"، كنت بشتغل أي حاجة وكل حاجة علشان أقدر أجيب ثمن الحقنة أو حتى الشمة اللى بتصبرني فى الليل، وفى النهاية لاقيت نفسي بنهار وحياتي بتضيع وأبويا صاحب محل الجزارة وأخواتى البنات سيرتهم على كل لسان، وآخر مرة ضربت فيها بانجو صحيت لاقيتنى ضربت أخواتى البنات وخربت الشقة، فقررت أوقفه بنفسي. بدأت تدريجياً بتقليل الجرعة، والحقيقة المؤلمة أن التوقف عن الإدمان ده عايز صبر فوق الصبر. ونجحت خلال 6 شهور، واللي أقدر أقوله إن حياتي اتغيرت وبقيت أحسن، بدأت اشتغل فى الجزارة مع أبويا، والفلوس بحوشها علشان اشتري موتوسيكل، الحاجة اللي مش قادر اتخلص منها أن لسه آثار التجربة ظاهرة على جسمي من حيث وزني اللي مزادش".

وفاة الأب وغياب الرقيب

أحمد اسماعيل 24 سنة طالب بكلية تجارة من محافظة القليوبية:

"لم أقلع عن الإدمان إلا من عام ونصف بعد أن اضطررت لمواجهة الموت بسبب جرعة زائدة من المخدر لم يتحملها جسدي ودخلت العناية المركزة. أما السبب الثاني فكان زواج أختي. عندها تغيرت حياتى، حيث بدأ زوجها يقدم لي بشكل غير مباشر القدوة التي أفتقدها في حياتي منذ وفاة أبي. والحقيقة أن ذلك كان قراراً صعباً بعد أكثر من 10 أعوام من الإدمان. وبمساعدة أمي تمّ الأمر، فعدت لوزني الطبيعي وأستطيع تناول أي نوع من الطعام وأن أنام بهدوء، كما خطبت فتاة وعلى وشك الزواج منها. أما ما يشغل بالي فهو البحث عن عمل. في النهاية تعاطي المخدرات حلو من بره، وحلو لما بيوديك لدنيا تانية بدل الألم اللي بتعانيه واللي ساعات بتبقى واقف عاجز أمامه. لكن الحقيقة أنه عبارة عن وحش بيبلعك وبيبلع معاه حياتك وفرحك وعلاقاتك ومستقبلك وعمرك ما بتعرف تخرج منه إلا بمعجزة. وقد بدأت التعاطي بعد وفاة أبي بعام، كان عمري وقتها 13 عاماً، بدأت مع أقارب أمي، كان دا عندهم علامة الرجولة، ولمدة 10سنوات جربت كل أنواع المخدرات تقريباً، استروكس، حشيش، بانجو، بودرة هيروين، صراصير سم فيران، خلطات شعبية.. عائلتي المكونة من والدتي وشقيقتي عانوا بشدة معي حتى خرجت من نفق الإدمان المظلم، كنت أضرب أمي، وبيتنا كان معروفاً وسط الجيران بأنه منزل مشاجرات منتصف الليل التي تُسمع فيها كافة أنواع الشتائم بالإضافة إلى تكسير محتويات المنزل، وعمري ما أهدأ إلا لما آخد فلوس لشراء المخدر، أمي كانت تعيط كل الوقت".

خوفي من الإعدام أو السجن ساعدني على الإقلاع

منير عصام في الثلاثينات يسكن في منطقة الهرم، يعمل صباحاً فى أحد المكاتب الخاصة وليلاً سائق:

"قلت لنفسى هاشرب نفسين وخلاص مع أصحابي، بس الموضوع طلع مش سهل بالمرة. مرة في مرة لاقيتني مش قادر أوقفه، بدأت رحلة إدمان بالحشيش ونتيجة شحه في السوق قررت الاعتماد على "شيخ الشباب" وهو "الكبتامين" المخلوط بمواد عشبية من العطار أو من عند محلات العلف، وهو معروف عنه أنه مخدر قوي سمعت أنه يتسخدم كمهدئ للثيران. وبعد فترة دخلت المرحلة الخطرة في الإدمان، ولم أعد قادراً على التحكم في تصرفاتي، لغاية لمّا مرة اتخانقت مع حد في الشارع وأنا تحت تأثير المخدر وفتحت له دماغه وبطنه وكان هيموت فيها لولا ستر ربنا. ولو ده حصل كنت لبست بدلة الإعدام من غير كلام. فاضطريت أني أدفع للشاب مبلغ مالي كبير من أجل التنازل عن المحضر، وبعدها ساعدتني أمي فى أن أدخل مصحة للمدمنين، وتكفلت هي بمصاريفها اللي وصلت لـ21 ألف جنيه في خلال 14 يوم بس، ولما خرجت أخذت علي نفسي عهد أني عمري ما هارجع للزفت ده تاني. وأكتر حاجة مستفزة لاحظتها هي المبالغ المالية الضخمة التي تطلبها المصحات من أجل توفير علاج، حاجة صعبة أوي، يعنى أنا أمي اضطرت تبيع ذهبها، ولكن لو حد تاني أفقر مني هيعمل أيه؟ اعتقد الموضوع لازم يبقى فى وقفة".

"أقلعت عن الأدمان من أجل أولادي"

أحمد.ج 41 عاماً، صاحب محل للأجهزة الإلكترونية في ألماظة في مدينة نصر:

"لما وصلت لسن 36 سنة، وقفت مع نفسي أني لازم اوقف التعاطي لأني اصبحت بنى آدم مدمر لمدة 20 سنة، حياته عبارة عن نوم بالنهار وبالليل زي الخفاش بيشتري جرعته يشربها يعمل دماغ حلوة وينبسط وبس. ضربت كل شئ ممكن الواحد يتخيله، بانجو وحشيش وبرشام، دماغ صراصير، وعملت كل شئ ممكن لتوفير مال المخدرات، سرقت، حورت، كذبت، نافقت، ولجأت إلى كثير من الطرق للإقلاع عن الإدمان مثل تغيير المنطقة التي أسكنها لثلاث مرات. وعندما لم يجدِ الأمر، قررت السفر خارج مصر إلى الجزائر وليبيا وتونس، وفشلت ايضاً. فقررت اللجوء إلى حيلة أخرى وهي الزواج ولكن لم ينجح الأمر وظللت على حالي حتى أنجبت ابني الأول، فلجأت إلى مركز لعلاج الإدمان، وتعرضت لـ6 انتكاسات فى 6 سنوات، وكل مرة أروح لوحدي احجز نفسي فى المصحة. آخر انتكاسة كانت من سنة تقريباً، انتكست لكن بسرعة حجزت نفسي في المصحة وطلبت أن استمر 6 شهور كاملة في المكان لضمان عدم عودتي للإدمان، وأقدر أقول أن الفضل فى ذلك لأولادي محمد وسيف، وطفلي القادم. فدوما أنا أفكر ما ذنبهم أن يكبروا ليروا أبيهم شخص مستهتر ضائع يدمر حياتهم بسبب مزاجه، وأيضا زوجتي التي كانت تدفعني للتخلص من الإدمان. وهي بعد أن علمت بإدماني لم تسعَ للانفصال بل تحملتني. أما السبب الثالث والأخير فهو رغبتي فى حياة طبيعية مثل أي شخص، وكانت بتصعب عليا نفسي أرجع تاني للحياة الضايعة اللى كنت عايشها، والحقيقة اللي أقدر أقولها بعد ما بطلت إدمان، الشخص المدمن مش زي ما بيظهر فى وسائل الإعلام، شخص مخيف، بل أحياناً هو شخص ضعيف جداً يحسد الناس من حوله على أرادتهم القوية وعلى حياتهم الطبيعية".

جعلت العلاج من الإدمان مصدر رزقي

محمد.س 47 عاماً، يعمل في مجال مساعدة المدمنين على الإقلاع عن تعاطي المخدرات:

"لمدة 25 سنة عشت فى وحل المخدرات، فتخطيت الأربعين من عمري وحياتي بلا معنى تماماً، فلا زوجة ولا أبناء، وحتى أهلي فقدوا الأمل بي، وكل ما أجنيه من أي عمل أنفقه على المخدر، وأصدقائي وأقاربي صار عندهم أولاد كبار ولهم حياتهم الهادئة الطبيعية، فقررت الإقلاع عن المخدرات، ومرت ثلاث سنوات وشهرين استطعت فيهم التوقف تماماً عن تناول أي مخدر، والإرادة القوية بداخلي لم يكن مصدرها الوحيد رغبتي بل "زمالة المدمنين المجهولين" الذين ساعدوني على الإقلاع عن طريق الالتزام بـ12 الخطوة، وكان الشرط الوحيد لانضمامي لهم هو أن تكون لدي رغبة قوية في الإقلاع عن المخدرات وعدم العودة إليها مرة أخرى. وبعد التخاص من الادمان، ظلت حياتي بلا هدف، فقد تخطيت الأربعين ولا يوجد أي عمل مناسب لمؤهلي فقررت الاستفادة من تجربتي والعمل على مساعدة المدمنين، وبدأت العمل فى المصحات والمراكز العلاجية بوصفي مدرب يساعد الشباب على الإقلاع عن الإدمان. وبفضل الخبرة التي اكتسبتها من الزمالة وتركيزي على الـ12 خطوة الخاصة، قدرت انجح. كما أنشأت صفحة على الفيسبوك باسم "خبرات التعافي من المخدرات"، هدفها جذب أكبر عدد من الشباب المدمن وأعطاؤه أمل بأنه يمكن الإقلاع والتعافي من الإدمان. فمن خلال الصفحة أكتب كلام إيجابي عن أهمية الإرادة الإنسانية، وبحاول أكلم الشباب اللي بيحاولوا يوقفوا وبرشدهم لأهم الأماكن العلاجية سواء كانت مراكز أو مصحات نفسية وكمان بعرّفهم على الزمالة، ولو حد حب نتقابل ونتكلم بعمل كده".

***

تتخطى نسبة الإدمان بين المصريين، التي تقدر بـ10 في المئة منهم، النسبة العالمية وهي 5 في المئة. وينتشر تعاطي المخدرات بين الطلاب وحتى تلامذة المدارس، وهو يصل بين الذكور الى ثلاثة أضعاف ما هو بين الإناث كمعدل وسطي.

مقالات من مصر

السيسي يخترع في السياسة والاقتصاد

البناء هجين، وهو ليس بالتأكيد قطاعاً عاماً، ولا تحركه مصلحة السكان بل الربحية الرأسمالية القصوى التي تتوفر هنا بشكل قسري، بالمصادرة والاحتكار. وهذا تناقض عجيب غريب، إذ يتم توليد الحالة...

نقابة الصحافيين المصرية: الرواية

منى سليم 2019-07-03

نقيب الصحافيين – المعارض السياسي السابق المعروف - يعلن انه ضد "مدرسة الإدانة"، ثم حين يتفاوض يكتفي بالاعتراف بالصحافيين "النقابيين" فقط، بل ويغفل بعضهم، ويرتضي بإحالتهم جميعاً لقائمة الجنائيين! وقد...

للكاتب نفسه

حصاد معرض القاهرة الدولي للكتاب: حكايات المواطن التي لم يروها أحد

حكايات المواطن داخل المعرض يبدو صوتها خافتاً مقارنة بضجيج تصريحات المسئولين، وأخبار الفنانين والمثقفين. كان من الضروري التركيز على حركة المواطن في آخر مساحة للحرية ممنوحة له، وهي الحصول على...

الصحافة المصرية تقاوم الاحتضار

هناك سعي لإعادة الزمن للوراء بغاية السيطرة، كاعتماد مصدر واحد للمعلومة هو المؤسسات الحكومية بكل أشكالها.. في الوقت الذي تتيح وسائل التكنولوجيا الجديدة سرعة تداول المعلومات وانتشارها الكبير.