زوجة ملك البحرين وتمكين نساء العالم

هناك "دور تزييني" تؤديه زوجات الملوك والرؤساء والشيوخ، إذ يقمن بما يمْكنهن من أنشطة من أجل أنْسَنَة أزواجهن الطغاة وتلميع أنظمة حكمهم.
2019-03-18

عبد الهادي خلف

أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة لوند ـ السويد، من البحرين


شارك
هيلين زغيب - لبنان

قبل أيام، وفي سياق اجتماع "لجنة أوضاع المرأة" في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، عُقد احتفال لتوزيع "جائزة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة لتمكين المرأة" التي تبلغ قيمتها 400 ألف دولار أميركي وتنقسم إلى أربع فئات. أعلنت لجنة التحكيم عن الفائزين الأربعة وهم: شرطة أبو ظبي (عن فئة القطاع الحكومي)، وشركة نيبالية (عن فئة القطاع الخاص)، وجمعية تنموية كينية (عن فئة المجتمع المدني) وإحدى الناشطات في الهند (عن فئة الأفراد).

جهود "مملكة البحرين في نشر ثقافة تمكين المرأة على المستوى العالمي"

في رسالتها إلى حفل التوزيع ذكرت الأميرة سبيكة إن رسالة الجائزة "هي خلاصة فكرية ومعرفية لخبرتنا الوطنية في مجال تمكين المرأة ومتابعة تقدمها في مملكة البحرين ]تضعها[ تحت تصرف المجتمع الدولي من خلال هيئة الأمم المتحدة للمرأة".

لم تنقطع طيلة الأيام الماضية إشادات الإعلام الرسمي بجائزة الأميرة. في تلك الإشادات الكثير من المبالغة. إلا إن المبالغة أمر لا مفر منه حين يتناول الإعلام الرسمي أخبار ما يفعله المسئولون في البحرين وخاصة في حال كان المسئول أحد أبناء أو بنات العائلة الحاكمة. فلا يقرأ الناس خبراً عن تخريج أحدهم/إحداهن من مدرسة أو جامعة إلا وأن يكون في الخبر إشارة إلى "درجة امتياز أو "مرتبة الشرف". ولا يدخل أحدهم/إحداهن سباقاً إلا وكان الأول على الجميع أو على الأقل "الأول في فئته". ولم يشذ الاحتفاء بجائزة الأميرة عن السلوك المعتاد للإعلام الرسمي. فهو يكرر في مختلف قنواته إن "جائزة الأميرة سبيكة هي إسهام منها ومن البحرين بتمكين نساء العالم".

تحتل البحرين حسب "المؤشر العالمي للفجوة الجندرية" لعام 2018 مرتبة متدنية (132 من بين 149 دولة) وهي أدنى مما كانت عليه في 2006 (كانت في المرتبة 102). أما فيما يتعلق بالتمكين السياسي فإن المؤشر يضع البحرين في المرتبة 143 وهي أدنى أيضاً مما كانت عليه في 2006 (كانت في المرتبة 110).

لم تُشر التقارير الإعلامية إلى مدى تجاوب الحاضرين والحاضرات في حفل التوزيع مع مبادرة الأميرة بوضع خلاصة خبرات مملكة البحرين في مجال تمكين المرأة تحت تصرف المجتمع الدولي. إلا إن بعضهم على الأقل يعرف إن ذلك لن يكون سهلاً، فمعيقات تمكين المرأة في البحرين ما تزال كبيرة وعصيِّة. فحسب "المؤشر العالمي للفجوة الجندرية" لعام 2018 تحتل البحرين مرتبة متدنية (المرتبة 132 من بين 149 دولة) وهي مرتبة أدنى مما كانت عليه البحرين في 2006 (المرتبة 102). أما فيما يتعلق بالتمكين السياسي فإن المؤشر يضع البحرين في المرتبة 143 وهي أدنى أيضاً مما كانت عليه في 2006 (المرتبة 110).

ما زال الطريق طويلاً أمام البحرين كي تصبح منارة لتمكين المرأة في مختلف أرجاء العالم. بل ما زال الطريق طويلاً أمام تمكين المرأة في البحرين. فالبطالة أكثر انتشاراً بين النساء. ومعيقات مشاركتهن في سوق العمل تحصر نسبتهن في حدود 39 في المئة من إجمالي المواطنين العاملين. وفوق ذلك فإن المرأة البحرينية رغم حصولها على حق الانتخاب والتصويت، ما تزال تعاني من تأثير عوامل سياسية وثقافية وبنيوية تنتقص حقوقها كمواطنة. فهي، على سبيل المثال، لا تستطيع أن تعطي جنسيتها لأطفالها. من جهة أخرى، يشير تقرير منشور في موقع "المجلس الأعلى للمرأة" (استناداً إلى بيانات "الهيئة العامة للتأمين الاجتماعي" لعام 2016) إلى ثبات الفجوة في الأجور بين الجنسين وتصاعدها. إذ يقل متوسط الأجر الشهري للمواطنة العاملة في القطاع الخاص عن أجر المواطن في جميع الفئات العمرية. ففي الفئة العمرية ما بين 20-39 سنة تحصل المرأة على 83 في المئة من أجر الرجل. وفي الفئة العمرية 40-59 سنة ينخفض الأجر الذي تحصل عليه المرأة إلى 44 في المئة من أجر الرجل.

الدور التزييني للسيدة الأولى في أنظمة القمع

تندرج هذه الجائزة تحت مسمى "الدور التزييني (أو "الدور الرمزي" كما تسميه الباحثة جين كينينمونت) الذي يتمثل في قيام زوجات الملوك والرؤساء والشيوخ بما يمكنهن من أنشطة من أجل أنْسَنَة أزواجهن الطغاة وتلميع أنظمة حكمهم. وللقيام بهذا الدور التزييني قد تحتاج زوجة الطاغية إلى مشروعٍ خيري أو مؤسسة وطنية أو نشاط فني أو رياضي يجتذب الاهتمام الإعلامي الإيجابي.

لتسهيل قيام زوجته بدورها التزييني، قرر الملك أن يؤسس "المجلس الأعلى للمرأة" وأن يوليها رئاسته. إلا إن تشكيل المجلس الأعلى لم يكن عبثاً. فلقد جاء ضمن سلسلة من جهود بذلتها السلطة لاحتواء مكونات المجتمع المدني بما فيها الجمعيات النسائية وجمعيات حقوق الإنسان.

رغم صلاحيات المجلس الأعلى الواسعة وتخويله "إبداء الرأي والبت في الأمور المرتبطة بمركز المرأة بصفة مباشرة أو غير مباشرة" إلا إن تأثيره السياسي محدود. فهو لم يستطع أن يتخلص من تبعات إنه مؤسسة تابعة للديوان الملكي تتعاطى مع الناس بفوقية وبريبة أمنية. وهو يركز، كغيره من المؤسسات الرسمية، على أنشطة التباهي التي يحيطها - مهما صغرت - ببهرجة إعلامية.

للترويج لانتخابات 2002 زارت الاميرة النساء في البيوت والحسينيات.. كانت تلك أول مرة يتجه مسئولٌ بحريني لمخاطبة النساء باعتبارهن مواطنات لهن حيثياتهن ولسن توابع لأقربائهن من الذكور. وها هي زوجة الأمير وأم ولي العهد تتحدث معهن بل تناشدهن أن يمنحن زوجها ثقتهن وأن يشاركن في الانتخابات لإنجاح مشروعه السياسي.

يشكل تكليف الأميرة سبيكة بهذا الدور خطوة غير مسبوقة حتمتها الظروف المعقدة التي رافقت تولي حمد مقاليد الحكم. فتقليداً لا تلعب نساء العائلة الحاكمة دوراً سياسياً معلناً ومعترفاً به. فهن غير ممثلات في مجلس العائلة الخليفية الذي ينظم شئونها ويفصل في نزاعاتها بعيداً عن أجهزة الدولة، وفي الغالب بدون ضجيج. لا يعني حرمان نساء العائلة الحاكمة من عضوية مجلس العائلة إنهن لا يمارسن بطرق غير مباشرة أدواراً سياسية فيه، وخارجه، عبر أزواجهن أو أولادهن أو عبر آخرين. ففي القصص المتداولة والتي لا يمكن التحقق منها نجد أخباراً عمّا قامت به هذه أو تلك من نساء العائلة لدعم فريق ضد آخر.

الأميرة في مواجهة المعارضة

كانت المهمة التزينية الأولى التي اضطلعت بها الأميرة سبيكة هي المشاركة في مواجهة جهود المعارضة التي دعت لرفض دستور 2002 ومقاطعة الانتخابات التي دعا الملك لها. جنّد الملك لتلك المواجهة جميع أجهزة السلطة ورموزها وأدواتها. وكانت زوجته إحدى تلك الأدوات الي استخدمها للتواصل مع النساء اللواتي منحهن الدستور الملكي الجديد حق الانتخاب والترشيح.

بصفاتها المتعددة (زوجة الأمير وأم ولي العهد ورئيسة للمجلس الأعلى) قامت الأميرة سبيكة بصحبة حاشية معتبرة بزيارات للنساء في منازلهن. وبتلك الصفات المتعددة أيضاً فُتحت للأميرة أبواب حسينيات ومساجد في الأحياء الشعبية لتلتقي بحشود من النساء اللواتي لم يلتقِ بعضهن قبلها بفرد من العائلة الحاكمة.

ما زال الطريق طويلاً أمام البحرين كي تصبح منارة لتمكين المرأة في مختلف أرجاء العالم. بل ما زال الطريق طويلاً أمام تمكين المرأة في البحرين. فالبطالة أكثر انتشاراً بين النساء. ومعيقات مشاركتهن في سوق العمل تحصر نسبتهن في حدود 39 في المئة من إجمالي المواطنين العاملين.

كانت تلك أول مرة يتجه مسئولٌ بحريني لمخاطبة النساء باعتبارهن مواطنات لهن حيثياتهن وليس باعتبارهن توابع لأقربائهن من الذكور. وها هي زوجة الأمير وأم ولي العهد تتحدث معهم بل تناشدهم أن يمنحن زوجها ثقتهن وأن يشاركن في الانتخابات لإنجاح مشروعه السياسي. وحسبما تمّ تناقله فيما بعد، شاركت الحاضرات في "حوار مفتوح من القلب إلى القلب"، فناقشن التمييز بين المرأة والرجل والتمييز الطائفي. (الوسط 15/10/2002).

لم تفلح جهود الأميرة سبيكة في رفع نسبة المشاركة في انتخابات 2002. إلا إنها نجحت في أن تترك إنطباعاً بأنها ليست كغيرها من أفراد عائلتها. فلقد استمعت النساء اللواتي حضرن لقاءاتها في البيوت والحسينيات إلى كلامٍ لم يعهدنه. فعامة الناس، بغض النظر عن خلفياتهم الطائفية والطبقية، لم يتعودوا على سماع أحدٍ من العائلة الحاكمة يخاطبهم إلا آمراً أو ناهراً أو زاجراً.

التزيين في الخارج لإبهار الداخل

لم تكرر الأميرة سبيكة زيارة الأحياء الشعبية واكتفت كغيرها من أفراد العائلة بحاشيتها من نساء النخبة متعددة الطوائف. ثم جاءت انتفاضة دوار اللؤلؤة وسقط فيها شهداء وضحايا ولم تتحرك الأميرة ولا مجلسها. بل صمتت هي ومجلسها حتى بعد أن دخلت القوات السعودية والإماراتية إلى البحرين في 15 آذار/ مارس 2011 وبعد أن فرض زوجها حالة الطوارئ وحاصرت قواته الأحياء والقرى نفسها التي تأثرت نساؤها بأحاديث الأميرة عن المواطنة المتساوية وعن نبذ الطائفية. بل هي لم تتحرك حتى لمواساة من فقد منهن زوجاً أو ابناً أو ابنةً. بدلاً من ذلك قررت أن تستمع لنصيحة صديقتها سوزان مبارك، زوجة الرئيس المصري الأسبق، "التي شجعتني"، كما ذكرت في مقابلة صحافية (الحياة 11/12/2004)، "على الخروج من البحرين وأقنعتني بأهمية ذلك للمرأة البحرينية".

مقالات من البحرين

للكاتب نفسه