الخداع والزيف: بوتفليقة لا يقدم ترشّحه لكنه لن يترك السلطة!

ضاق المجتمع الجزائري ذرعا بهذا النظام الفاسد والخبيث والعنيف. ويعلم المواطنون تماماً أن هناك استحقاقات كبيرة في الافق نتيجة تخبط وعدم كفاءة الذين يديرون البلاد. فالسياسة الاقتصادية الفاسدة تؤدي حتما إلى وضعيات صعبة.
2019-03-13

عمر بن درة

خبير اقتصادي من الجزائر، عضو في Watch Algeria


شارك
| fr
تصوير: ياسين بوعزيز

حوار مع عمر بن درة، أجرته الصحافية المستقلة فرانسين أينو في 12-03-2019

• ما رأيك في ما أعلن عنه بوتفليقة: قراره عدم الترشح لعهدة خامسة، وتأجيل الانتخابات الرئاسية، وتعيين حكومة وحدة وطنية، والدعوة إلى تنظيم ندوة وطنية لإعداد مشروع دستور جديد؟

هذا الإعلان - المدهش شكلاً ومضموناً - يعني بطريقة بالغة الوضوح أن المجموعة المحيطة ببوتفليقة لا تستسلم، وإنها تنوي المضي حتى النهاية في سعيها لتدعيم وتثبيت النظام الذي هزته تحركات شعبية غير مسبوقة. يتعلق الأمر مرة أخرى بمناورة جديدة. وهي في هذه الحالة وهمٌ خادع يُعْرَض بصفاقة على رأي عام متشكك، يرفض فعلياً هذا الاقتراح الزائف.

ما يشد الانتباه في اعلان 11 آذار/ مارس هو كونه ليس إلا إعادة صياغة للرسالة السابقة التي وجهت للشعب الجزائري يوم الأحد 3 آذار/ مارس. بوتفليقة كان أعلن في هذه الرسالة الأصلية نيته الترشح لعهدة خامسة لكن دون اكمالها، وذلك حتى - كما كتب باختصار - يهيئ المجال للإصلاحات الديمقراطية التي طالب بها الشعب الجزائري خلال مظاهراته الحاشدة التي انطلقت يوم 22 شباط / فبراير. فما الجديد في الاقتراحات التي قدّمها اليوم؟ يريد بكل بساطة أن يبقى في السلطة دون أن يتم انتخابه: لا يقدم ترشحه لكنه لن يترك السلطة. انها مناورة لكسب الوقت وفق سياسة الهروب إلى الأمام الديماغوجية نفسها، وفي تطابق تام مع المخاتلات التي أصبحت هذه الشخصية متخصصة فيها. يتعلق الأمر بكسب الوقت حتى يمكن لصانعي القرار أن يتوافقوا على خلافة تحظى بالإجماع وتحمي إقطاعات ومناطق نفوذ جماعات المصالح القائمة في السلطة.

• لكن على الرغم من كل شيء، هناك استقالة الوزير الأول أحمد أويحيى واستبداله بنور الدين بدوي الذي يصوِّره البعض وكأنه "غورباتشوف جزائري"..

لعبة الكراسي الموسيقية هذه ليس لها أي أهمية، فأحمد اويحيى هو مجرد منفذ أوامر بلا روح ولا ضمير، وليس له من ثقل سياسي غير دعم الشرطة السياسية له، وهو كان دائماً احد عناصرها المنضبطين والممكن استبدالهم بكل سهولة. وهذا ما يحصل بالفعل لأن البديل، وهو تابع مخلص ينتمي الى الدائرة المقربة من الرئيس، له مواصفات مشابهة جداً لأويحيى. ليس هناك من غورباتشوف أو مبعوث عناية إلهية أو صانع معجزات. هذا الكلام هو مثال حقيقي عن العبارات الجاهزة منقطعة الصلة بالواقع. وهي "صفات" نجدها عند كل رجال النظام!

في الواقع، نلاحظ إحداث وظيفة جديدة: نائب الوزير الأول. وقد عهد بالمنصب الجديد إلى واحد من اولئك الديبلوماسيين الذين يدينون بالفضل في مسيرتهم إلى الدور الذين لعبوه كمروجي دعاية "سياسة الاستئصال" (اجتثاث الاسلاميين) خلال عقد التسعينات من القرن 1990 الماضي، عشرية "الحرب القذرة" الرهيبة التي جرت فعلياً ضد المدنيين. تكليف هذا الرجل، الذي يُظهِر تاريخه طينته، بهذه المسؤولية يعني أن منظومة الحكم تسعى لطمأنة شركائها ورعاتها، أي فرنسا والولايات المتحدة الامريكية، عبر انتقاء شخصية حظيت بالوقت الكافي لتكوين علاقات داخل الأوساط السياسية في هاتين الدولتين القويتين. شخصية يمكنها أيضاً أن تقوم بعقد الصلات الضرورية عند اللزوم..

يجب أن نفهم جيداً أن الجزائريات والجزائريين يعرفون الشخصيات السياسية ويعلمون من هو مستقل ومن ليس كذلك، لم يعد بالإمكان خداعهم من هذه الناحية. وليست هناك أي فرصة لانتقال سياسي يحظى بالتأييد الشعبي حين يقوده اشخاص يعرف الجميع ارتباطهم بالنظام.

• هل هناك في هذا الإعلان الجديد تنازلات حقيقية أمام المطالب الشعبية، فعلى الرغم من كل شيء هناك التزامات محددة؟

الوعود لا تلزم إلا الذين يريدون تصديقها. فعندما تأتي من بوتفليقة الذي حكم رفقة شركائه البلاد طيلة عشرون عاماً طويلة ولا تريد أن تنتهي، يمكن القول انه يجب ان يكون المرء مفرط السذاجة حتى يعطي أي مصداقية لهذه الوعود. يتظاهر بوتفليقة بالتجاوب مع المطالب الشعبية لكنه لا يقدم أي تنازل فيما يتعلق بضمان انتقال سياسي تحت إشراف ديمقراطي. النوايا الحقيقية واضحة، الهدف هو شق صفوف الحركة الشعبية عبر تصوير عدم الترشح كتنازل عظيم ونصر كبير. يراهن "صانعو القرار" على فرضية أن جزءاً من الشعب سيرضيه هذا الانسحاب ويكتفي به. هذا الرهان يستهين بذكاء الناس. ولكننا حظينا بالوقت الكافي جدا للتأكد من أن ازدراء الشعب هو جزء من "التركيبة الجينية" للنظام..

• كيف سيتقبل الشعب الجزائري هذا الإعلان؟

أظهر هذا الشعب خلال الأسابيع الأخيرة درجة عالية جداً من الوعي السياسي، وقدرة على التمييز مثيرة للإعجاب. ومن دون أن نستبق ما ستكون عليه ردة فعل الراي العام إلا انه يمكن أن نتوقع أن هذا النص سيفحص على ضوء الخدع التي عوّد بها النظام المجتمع. على أي حال فإن دعوات التعبئة من أجل جمعة احتجاجات جديدة يوم 15 آذار/ مارس ورفض هذا المقترح/ الخدعة يجعلنا نعتقد ان المجتمع ليس مستعداً للتخلي عن معركته من أجل القانون والحريات.

في هذا الصدد هناك أهمية كبيرة لمظاهرات المساندة التي ينظمها المغتربون الجزائريون عبر العالم. هذا النضال السلمي للشعب من أجل الحرية والقانون يجب أن يُسمع صداه وأن يتم الدفاع عنه بعزم. يجب على الجاليات الجزائرية في الخارج، وبشكل خاص في فرنسا، أن تسمع صوتها وتضغط على السلطات الفرنسية التي تساند النظام الجزائري وتبذل قصارى جهدها لدعمه في الساحة الدولية. هذا التواطؤ مضر بمصالح الشعبين الجزائري والفرنسي. هذا التفاهم المعيب بين نخب السلطة الفرنسية وصانعي القرار الجزائريين يجب أن يتوقف.

ضاق المجتمع الجزائري ذرعا بهذا النظام الفاسد والخبيث والعنيف. ويعلم المواطنون ان هناك استحقاقات كبيرة في الافق نتيجة تخبط وعدم كفاءة الذين يديرون البلاد. فالسياسة الاقتصادية الفاسدة تؤدي حتما إلى وضعيات صعبة. إذا ما كان هناك في صلب هذا النظام شخصيات عاقلة ومسؤولة فيجب أن تلتحم بالشعب. تحتاج الجزائر لكل أبنائها والتفافهم وطاقتهم وخيالهم الخلاق لضمان غد أفضل وتفادي المنزلقات الخطيرة التي يقود هذا التنظيم للسلطة البلاد اليها بشكل محتوم.

ترجمه عن الفرنسية: محمد رامي عبد المولى

مقالات من الجزائر

عاشت الجزائر!

.. وأما "أطرف" ما في الأمر فهو حين تُفلس تماماً هذه الانظمة بحكم تمرد الناس على سوء أحوالها، أي حين يفشل الضبط السالف. فماذا تقول حينها؟ أن خطر "الفوضى" يتهدد...

للكاتب نفسه

ماذا تبقى من اليسار في الجزائر؟

عمر بن درة 2018-11-27

تعيش الساحة السياسية وقتاً معلقاً، فلا حق للقوى السياسية بالوجود كمنظمات وحتى كخطاب. ولكن وبمواجهة ليبرالية مافيوزية فرضتها الديكتاتورية، يتمسك الأهالي بتقاليد المساواة والعدالة المتجذرة بعيداً عن القطعيات والايديولوجيات. وفي...