في مصر: سياسات تؤسس لإقطاعيات كبيرة، وتُنهك صغار المزارعين

تسعى السلطات المتعاقبة منذ حقبة السادات وحتى اليوم الى خلق قطب زراعي جديد أكثر ربحية، بعيداً عن الكتلة الزراعية الأصلية على ضفتي النيل. وهو يقوم على تركيز ملكيات شاسعة بأيدي الشركات الخاصة الكبرى، المحلية منها والأجنبية، وكذلك وعلى وجه الخصوص، الجيش، الذي يحظى بتخصيصات زراعية ضخمة.
2019-03-12

حسام ربيع

صحافي من مصر


شارك
فرات شهال الركابي - لبنان

تم دعم هذه المطبوعة من قبل مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المطبوعة أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

على بعد 50 كيلومتراً من شمال غرب مدينة "6 أكتوبر" القريبة من القاهرة، تتراءى في الأفق، وسط الصحراء القاحلة، مزارع شاسعة تمَّ استصلاحها على مساحة 170 ألف فدان (1)، بينما يعمل عمال الحفر والاستصلاح على قدم وساق للوصول بهذا المشروع إلى مليون فدان خُصصت فقط لسبعين من كبار المستثمرين والشركات الخاصة وبعض أجهزة الدولة. وللوهلة الأولى، يتبادر إلى الذهن التكلفة الباهظة لهذا المشروع الضخم الذي تنفذ الحكومة فيه حفر آبار المياه، وتوفر أجهزة الري والخدمات الباقية، ومن بينها محطة كهرباء بطاقة 500 ميغاوات، بينما يحصل المستثمرون على الأراضي بأسعار مخفضة جداً وتسهيلات دفع كبيرة.

يشكل هذا المشروع الذي يعرف باسم "مستقبل مصر"، حجر أساس في استراتيجية أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي لاستصلاح 1.5 مليون فدان في المرحلة الأولى، وصولاً إلى 4 ملايين فدان، معتمداً في تنفيذها على وزارة الزراعة والجيش، من خلال تدشين شركة تحت اسم "تنمية الريف المصري"، تضم قيادات من الطرفين.

يحظى المليون ونصف المليون فدان بدعاية كبيرة وخطابات حكومية متكررة، بتصويره كـ"مشروع قومي" سيغير مستقبل مصر وسيحقق أمنها الغذائي. غير أن التوجهات الحالية للسلطات المصرية تحت حكم السيسي تفصح عن حقيقة أخرى. فالدولة تسعى لخلق قطب زراعي جديد أكثر ربحية، قائم على تركيز ملكيات شاسعة بأيدي الشركات الخاصة الكبرى، المحلية منها والأجنبية، وكذلك، وعلى وجه الخصوص، الجيش - الذي يحظى بتخصيصات زراعية ضخمة في هذا المشروع - بعيداً عن الكتلة الزراعية الأصلية على ضفتي النيل. ويبدو السيسي متأثراً بهذه السياسة وبمزارع الجيش الرابحة والمتناثرة في كل مكان، التي أقيمت على امتداد حقب متعاقبة، منذ قرار الرئيس الأسبق أنور السادات السماح للجيش بدخول الإنتاج المدني.

ليس غريباً ملاحظة توجيه الحكومة جزءاً كبيراً من الاختصاصات المالية لقطاع الزراعة لهدف تنفيذ هذا المشروع الذي يرعاه السيسي ويشكل جزءاً أساسياً من برنامجه الرئاسي، على الرغم من أن الارتماء في الصحراء شكّل تجربة محفوفة بالمخاطر منذ نصف القرن المنصرم، في ظل النقص الكبير للمياه، مما قد يحوله إلى مشروع أشباح مثل سابقاته (2).

وبعيداً عن هذا الوجه الجميل لغزو الصحراء واستصلاحها، يبدو الوضع قاتماً على ضفتي النيل. فهذه التوجهات الحكومية فاقمت من الأوضاع المتردية والهشة للمزارعين والقرى التي تتدهور منذ سياسات الانفتاح التي تبناها الرئيس السادات خلال سبعينات القرن المنصرم، وما تلاها من قوانين خدمت الإقطاعيين والشركات الكبرى على حساب صغار المزارعين.

سياسات ليبرالية لقطاع الزراعة

لاقى مجيء السيسي عام 2013 ترحيباً داخل أوساط صغار المزارعين في مصر الذين رأوا فيه صورة جنرالٍ عسكري جديد سينتهج مسار الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، الذي أجرى إصلاحات زراعية ضخمة خدمت جزءاً كبيراً منهم. إلا أنهم سرعان ما صدموا بسياسات ليبرالية متشددة مست قطاع الزراعة. ففي 2014، قررت الحكومة إلغاء معظم الدعم المقرر لمدخلات الإنتاج الزراعي، كما لم تتدخل لمساعدة المزراعين بعد قرار تحرير العملة الوطنية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016. رافق ذلك خفض الإنفاق على قطاع الري للأراضي الزراعية مع شكوى كثيرٍ من المزارعين من تدهور القنوات وانخفاض المياه بل وعدم وصولها إلى بعض الأراضي، لاسيما في الدلتا ومحافظات بعيدة عن مجرى النيل مثل الفيوم بغرب مصر.

وتسببت هذه السياسات الليبرالية المتراكمة منذ حكم السادات في ارتفاع أسعار الأسمدة نحو 4 أضعاف ما كانت عليه منذ نهاية 2014، لتصل إلى 5600 جنيه للطن بدلاً من 1500 جنيه. كما ارتفعت أسعار البذور بنسبة 100 في المئة، وارتفع سعر الديزل والمبيدات الحشرية. كما رفعت وزارة الأوقاف التي تمتلك 390 ألف فداناً زراعيّاً بحسب أرقام رسمية، الإيجارات لصغار المزارعين من 1800 جنيه للفدان خلال عام 2013، إلى 5700 خلال عام 2019. كل هذا تسبب في تآكل الربح الهامشي للمزارعين في دولة تعاني من فجوة هائلة في الدخل، ما جعل الزراعة مهنة غير مفضّلة للأجيال الجديدة.

وقد تولدت ظاهرتان مهددتان للزراعة على ضفتي النيل على المدى البعيد، أولها هجرة الأجيال الشابة من القرى إلى المدن الكبرى، لاسيما القاهرة، فضلاً عن الخارج، للهرب من الظروف المعيشية الصعبة ونقص الخدمات المتفاقم في قراهم، وكذلك للبحث عن عمل لمساعدة أسرهم. أما الثانية فتتمثل في لجوء الكثير من المزارعين – لا سيما عقب ثورة كانون الثاني/ يناير 2011 – إلى بيع أراضيهم بهدف البناء والحصول على مكسب كبير وسريع يعوض عدم كفاية العائد المادي من الزراعة. وبحسب تقديرات حكومية، فإن المساحات التي فقدتها مصر لغرض البناء بعد الثورة تتراوح بين 84.66 ألف فدان و120 ألف فدان. وتنفذ الحكومة المصرية حملات إزالة واسعة للتعديات على الأراضي الزراعية كمحاولة لكبح عمليات البناء التي تزحف على الأراضي الزراعية، كما تفرض غرامات مالية قاسية على آخرين.

سياسات تُحوِّل المزارعين من ملاك إلى "عمال بالأجر"

بحسب آخر إحصاء لجهاز التعبئة والإحصاء الحكومي المصري للعام المالي 2016-2017، تبلغ مساحة الأراضي المزروعة الكلية في مصر بنحو 9.13 مليون فدان (بعض الباحثين يرجحون أن هذه الأرقام مبالغ فيها). يضم الريف القديم في الوادي والدلتا حوالي 6.95 مليون فدان. وتساهم الزراعة بحوالي 14.7 في المئة من إجمالي الدخل القومي في مصر.

سلطت ثورة الضباط الأحرار في عام 1952 النور على ظروف صعبة وقاسية عاشها صغار المزارعين في مصر في ظل سياسات استعمارية حولت مصر إلى مقاطعة إنتاجية تخدم الخزانة في لندن. وكانت حقبة ما قبل تلك الثورة قد شهدت تركيزاً هائلاً للحيازات الضخمة من الأراضي الزراعية في أيدي إقطاعيين قليلين وعائلات من أصول خارجية يحظون بنفوذ سياسي مزدوج من الملك والسلطات الاستعمارية. ففي الوقت الذي يمثل صغار المزارعين 94.3 في المئة من اجمالي الحائزين، فهم لم يمتلكوا سوى 35.4 في المئة من الاراضي الزراعية.

ومع الإطاحة بالملَكية وإعلان الجمهورية في بداية خمسينات القرن الماضي، مرت سياسة الدولة تجاه ملكية الأراضي الزراعية بثلاث مراحل. بدأت بإقرار جمال عبد الناصر سلسلة من قوانين الإصلاح الزراعي، من خلال وضع حد أقصى للملكية لإضعاف نفوذ رجالات النظام البائد، ولكسب ودّ الطبقات الفقيرة. وفي عام 1952، خفض عبد الناصر الملكية القصوى للأراضي إلى 200 فدان للفرد و400 فدان للأسرة، قبل أن تُخفض المساحة من جديد إلى حد أقصى 50 فدان للفرد ومئة فدان للأسرة بحلول عام 1969. ووزعت الدولة بعض هذه الأراضي الزائدة، بالإضافة إلى الأراضي التي تمت مصادرتها من أملاك أسرة محمد علي، على صغار المزارعين، سواء للملكية أو للإيجار مقابل أقساط طويلة الأجل، قبل أن تلغى هذه الأقساط. وجراء هذه السياسات، ارتفع نصيب فقراء وصغار الفلاحين من الأرضي الزراعية ليصل إلى 57.1 في المئة عام 1965 بعدما كان 35.4 في المئة. وبحسب دراسة للباحث حسنين كشك (3)، ترافقت هذه الإصلاحات مع تقديم مدخلات إنتاج مدعومة من الحكومة عبر جمعيات زراعية انتشرت في جميع القرى. واستطاعت الدولة من خلال هذه الجمعيات التحكم بالمحاصيل التي تتم زراعتها، وكذلك تحكمت في عملية شرائها. كما كانت الجمعيات الزراعية تتكفل بتقديم القروض للمزارعين مقابل المحاصيل.

لكن سرعان ما بدأت هذه المكاسب التي جناها المزارعون من السياسات الاشتراكية لعبد الناصر تتقلص مع مجيء خليفته. فلم يمر عام على إعلان وقف الحرب مع إسرائيل في 1973، حتى أقر أنور السادات القانون رقم 69 لعام 1974، والذي ألغى بموجبه وصاية الدولة على الأراضي الزراعية، كما رفع الحراسات عن الأراضي التي صادرتها هيئة الإصلاح الزراعي من كبار الملاك خلال عهد عبد الناصر، وسلّمها لورثتهم، بعد إخلائها من المزارعين الذين كانوا يحوزونها بالإيجار من الدولة. وتسبب ذلك بفقدان مئات صغار المزارعين للأراضي التي كانوا يزرعونها. ثم جاء قانون الأراضي الصحراوية لعام 1981، الذي رفع الحد الأقصى لملكية الفرد إلى ألفي فدان، وللأسرة إلى 3 آلاف فدان، وللشركات إلى 10 آلاف فدان.

وشكل هذان القانونان معاً ضربة لقرار الحد الأقصى للملكية الذي وضعه عبد الناصر، وباباً لفترة جديدة تسمح بتركيز الأراضي في أيدي رجال أعمال وشركات صاعدة خلال حقبة الانفتاح في السبعينات السالفة، وستفرض نفسها فيما بعد خلال حقبة الرئيس التالي، حسني مبارك. وأثرت هذه السياسات بقوة على نسب الحيازة الزراعية لصغار المزارعين – الذين يشكلون 90 في المئة من مجمل الحائزين للأراضي. إذ انخفضت المساحة التي يحوزها هؤلاء إلى 53 في المئة - بحسب تقرير "التعبئة والإحصاء" لعام 1981 عن المساحة المنزرعة - مقارنة بـ 57.1 في المئة لعام 1965.

ومع مجيء مبارك، تصاعدت سياسات التحرير الاقتصادي والزراعي وتشجيع تدفق رأس المال الخاص على قطاع الزراعة - لاسيما مع ضغوط صندوق النقد الدولي جراء القرضين الذين حصلت عليهما مصر في بداية التسعينات - من خلال سياسات تستهدف خفض الدعم على مدخلات الإنتاج الزراعي من البذور والأسمدة، وأيضاً الاستمرار في إضعاف دور الجمعيات التعاونية الزراعية، على حساب بنك التنمية الزراعية الذي بات يلعب دوراً في تقديم القروض للمزارعين.

لم يمر عام على إعلان وقف الحرب مع إسرائيل في 1973، حتى أقر أنور السادات القانون رقم 69 لعام 1974، الذي ألغى بموجبه وصاية الدولة على الأراضي الزراعية، كما رفع الحراسات عن الأراضي التي صادرتها هيئة الإصلاح الزراعي من كبار الملاك خلال عهد عبد الناصر، وسلّمها لورثتهم بعد إخلائها من المزارعين الذين كانوا يحوزونها بالإيجار من الدولة.

وفي عام 1992، أصدر مبارك قانون "إصلاح العلاقة الإيجارية بين المالك والمستأجر" - الذي دخل حيز التنفيذ في 1997 - لينسف بذلك الجزء الأكبر مما تبقى من مكتسبات المزارعين من إصلاحات عبد الناصر الخاصة بالأمان الإيجاري، إذ سمح هذا القانون بتحرير أسعار إيجار الأراضي الزراعية تماماً وإمكان استعادة كبار الملاك الأراضي التي كانوا يستأجرها منهم المزارعون. وبحسب الباحث صقر النور (4)، تسبب القانون بطرد حوالي 904 ألف مستأجر (أي ما يعادل 31,1 في المئة من عدد حائزي الأراضي)، وخرجت 431 ألف أسرة خارج دائرة الحائزين، وتحولوا إلى العمل بالأجرة في المزارع عند كبار الملاك أو في قطاعات أخرى. كما تسبب القانون في ارتفاع إيجار الأراضي الزراعية من 200 جنيه للفدان إلى 800 جنيه (بزيادة 4 أضعاف) خلال الخمس سنوات الأولى من تطبيقه، قبل أن يصل إلى 17 ضعفاً بحلول عام 2009.

وتسبب هذا القانون في تظاهرات واشتباكات بين صغار المزارعين من جهة، والملاك والشرطة من جهة أخرى، في أكثر من 100 قرية أغلبها في الدلتا ووسط مصر، خلفت في مجملها 32 قتيلاً و751 مصاباً من المزارعين. كما تعرض الكثير من المزارعين للترهيب والاحتجاز غير القانونيّ والتعذيب على أيدي الشرطة، بحسب أرقام رصدها "مركز الأرض لحقوق الإنسان".

غير أن السياسات الليبرالية التي تبناها مبارك اكتسبت طابعاً تصديرياً من خلال التشجيع على تركيز الملكية الإقطاعية - الذي كان هدفاً واضحاً لقانون 1992- وتقليص الحيازات الصغيرة وخصخصة الأراضي المملوكة للشركات الزراعية الحكومية إضافة إلى إعادة تسعير بعض المنتجات، لاسيما الفواكه، وإطلاق مشروع استصلاح مليون فدان لزراعة محاصيل تصديرية سيطر عليها كبار الملاك ورجال نافذون في الدولة. نتج عن هذه السياسات انخفاض مساحة الحيازات في أيدي صغار المزارعين إلى 47.2 في المئة بحلول عام 2000، بدلاً من 53 في المئة عام 1981، في حين ارتفعت الحيازات الزراعية المتوسطة (من 5 إلى 20 فدان) إلى 27.9 في المئة، تقع في أيدي 8.5 في المئة من الحائزين، بينما استأثر 1.1 في المئة من الحائزين بنحو 24.9 في المئة من المساحة الزراعية، وفق "التعداد الزراعي السابع لوزارة الزراعة" الصادر عام 2000 (آخر إحصاء في هذا الشأن).

بحسب احصاءات لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وتقرير مركز التعبئة والإحصاء عن المساحات المزروعة في مصر لعام 1981 والتعداد السابع للحيازات الزراعية 1999/2000.

وفق "التعداد الزراعي السابع لوزارة الزراعة" الصادر عام 2000

وتسبب تخصيص نظام مبارك مئات آلاف الأفدنة من أراضي الاستصلاح الزراعي لرجال أعمال وأعضاء في "الحزب الوطني" الحاكم حينها، وأيضاً لشركات خليجية بأسعار متدنية، وسط فضائح فساد كبيرة، بغضبٍ واسع في مصر خلال الأعوام الأخيرة لحكم مبارك. فحصلت "الشركة المصرية الكويتية"، التابعة لـ"مجموعة الخرافي" الكويتية على 28 ألف فدان في الظهير الصحراوي غرب مدينة العياط، مقابل 200 جنيه للفدان (رقم أقل بكثير من سعر الإيجار الموضوع لصغار المزارعين وفق قانون المالك والمستأجر). في حين سهلت أيضاً "الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية" لرجل الأعمال إبراهيم الدسوقي البنا الاستيلاء على مساحة 37 ألف فدان في منطقة وادي النطرون. كما حصل رجل الأعمال سليمان عامر على 750 فدان من الأراضي بطريق القاهرة - الإسكندرية في الفترة بين عامي 1997 و2005، حولها إلى منتجعات سياحية بدلاً من زراعتها.

وكشف تقرير لـ"هيئة التعمير والتنمية الزراعية" بوزارة الزراعة، نشر في أيار/ مايو 2017 عن استيلاء 810 شركات على مساحة من الأراضي الصحراوية تبلغ 2.8 مليون فدان منذ عهد مبارك وخلال فترة ما بعد الثورة، واستثمار جزء كبير من هذه الأراضي في قطاعات إنشائية بدلاً من زراعتها، موضحاً أن مستحقات الدولة من هذه الأراضي تخطت 300 مليار جنيه.

وفي تقرير تحت عنوان "بالأرقام: الذين نهبوا ثروة مصر" نشر بعد 4 أيام من الإطاحة بمبارك عام 2011، استدلت صحيفة "الأهرام" الحكومية بتصريحات رئيس "الجهاز المركزي الوطني لاستخدامات الأراضي" حينها، عمر الشوادفي، بأن نحو 16 مليون فدان تم الاستيلاء عليها من قبل "مافيا الأراضي" - للزراعة ومشروعات أخرى - في عهد مبارك. كما كشف التقرير عن تخصيص الحكومة 100 كيلو متر من الأراضي شمال غرب خليج السويس، لخمس جهات ضمت أربعة رجال أعمال بارزين في الحزب الوطني وهم أحمد عز، أمين السياسات السابق بالحزب - الذي باع جزءاً من نصيبه إلى مجموعة الخرافي الكويتية - ومحمد فريد خميس ومحمد أبو العينين ونجيب ساويرس.

كشف تقرير لـ"هيئة التعمير والتنمية الزراعية" في 2017 عن استيلاء 810 شركة على مساحة من الأراضي الصحراوية تبلغ 2.8 مليون فدان منذ عهد مبارك وخلال فترة ما بعد الثورة، استثمر جزء كبير من هذه الأراضي في قطاعات إنشائية بدلاً من زراعتها، وبلغت مستحقات الدولة من هذه الأراضي تخطت 300 مليار جنيه.

في عهد مبارك، استولى نواب مجلس الشعب في محافظة أسيوط على 1500 فدان على طريق أسيوط/ البحر الأحمر. كما استولى آخرون على مساحة 3500 فدان بمركز أبنوب بأسيوط، على أراض كانت مخصصة لغابة شجرية. وفي أسوان، سيطر 28 من رجالات الحزب الحاكم على 223 ألف فدان.

يشرح سعيد خليل (5)، المستشار الفني السابق لـ"الجنة استرداد الأراضي" التي شكلتها السلطات الحالية، أن الاستيلاء على الأراضي خلال عهد مبارك بالمخالفة للقوانين، وكذلك التخصيصات الجائرة للأراضي، كانت أحد الأسباب في ارتفاع السخط ضد نظامه، موضحاً أن العديد من الشركات متورطة في عمليات الاستيلاء، مثل "شركة كيان" التي استولت على 32.642 فدان من أراضي الاستصلاح، وكذلك شركة "الريف الأوروبي" التي استولت على حوالي 500 ألف فدان.

رافق ذلك سيطرة رجال نافذين في عهد مبارك ونواب في مجلس الشعب، على الظهير الصحراوي للأراضي الزراعية في المحافظات الجنوبية. على سبيل المثال، استولى نواب مجلس الشعب في محافظة أسيوط على 1500 فدان على طريق أسيوط/ البحر الأحمر. كما استولى آخرون على مساحة 3500 فدان بمركز أبنوب بأسيوط، على أراض كانت مخصصة لغابة شجرية. وفي أسوان، سيطر 28 من رجالات الحزب الحاكم على 223 ألف فدان.

عطاءات لشركات خليجية

سمحت السياسات الليبرالية خلال حكم مبارك بتهافت شركات سعودية وإماراتية وكويتية لاستغلال هذه الأراضي وتحويلها إلى سلة غذاء تخدم بلادهم. فعلى الرغم من تبني السلطة خطابات دعائية ضخمة بأن المشروعات الاستصلاحية الجديدة، لاسيما "توشكي" و"شرق العوينات" التي أطلقتها في النصف الثاني من التسعينات في جنوب غرب مصر، تستهدف تشكيل دلتا جديدة في ذلك المكان تقلل من الضغط على وادي النيل وتجذب الأجيال الشابة لزراعة مساحات شاسعة تغذيها آبار المياه وبحيرة ناصر الجنوبية.. لكن بمراجعة أرقام توزيع الأراضي المعروضة في هذه المشروعات، ييرز أن أكبر المستفيدين من هذه المشروعات هي شركات خليجية.

ففي مشروع "توشكى" - الذي يمتد على مساحة 540 ألف فدان (بمعدل 5.9 في المئة من مساحة الأراضي المزروعة في مصر البالغة 9.13 مليون فدان) - حصلت شركة "المملكة للتنمية الزراعية"، التي يملكها الامير الوليد بن طلال على 100 ألف فدان، يستصلحها على أربع مراحل. ومثلها، حصلت "شركة الراجحي" السعودية على 100 ألف فدان في المشروع نفسه. كما حصلت "شركة الظاهرة" الإماراتية العملاقة على مساحة مماثلة. وفي نيسان / أبريل 2010، احتفت شركة الراجحي بإنتاج أول محصول من الشعير على مساحة 25 ألف فدان، الذي يعد "باكورة إنتاج مبادرة الملك عبد الله للاستثمار الزراعي الخارجي" بحسب وصف الشركة حينها. كما أعلنت "شركة الظاهرة" الإماراتية عن توقعاتها ببلوغ حجم إنتاجها من القمح في المشروع نفسه إلى 300 ألف طن بحلول عام 2016. وبهذه الأرقام، تكون حيازة الشركات الخليجية الثلاث في هذا المشروع تبلغ 55.5 في المئة من مساحته.

ولاقى مشروع "شرق العوينات" المصير نفسه، إذ تستحوذ شركة "رخاء للاستثمار الزراعي" السعودية على 24 ألف فدان في هذا المشروع وتزرع منها 10 آلاف فدان بالقمح والبرسيم الحجازي والبطاطس والذرة. كما تستغل شركة "جنات للاستثمار الخارجي" المملوكة من قبل تكتل شركات زراعية سعودية على 10 آلاف هكتار وتزرعها بالشعير والأعلاف والقمح. وتستحوذ "مجموعة العقيل الاستثمارية" على 21 ألف فدان في شرق العوينات ومحافظات أخرى. ومن الإمارات، تمتلك شركة "جنان" 160 ألف فدان في شرق العوينات ومحافظة المنيا، بصعيد مصر، استغلتها في البداية لإنتاج علف الماشية وتصديره إلى أبو ظبي، قبل أن تغير سياستها عام 2013 باتجاه زراعة القمح بدلاً من الأعلاف، في حين تمتلك "شركة الظاهرة" 16185 فدان في شرق العوينات تنتج 50 ألف طن متري من الأعلاف ونحو 100 ألف طن من القمح سنوياً.

قدمت مشروعات "توشكى" (540 ألف فدان)، و"شرق العوينات" التي أطلقت في النصف الثاني من التسعينات السالفة في جنوب غرب مصر، على أنها تستهدف "تشكيل دلتا جديدة" تقلل من الضغط على وادي النيل وتجذب الأجيال الشابة لزراعة مساحات شاسعة تغذيها آبار المياه وبحيرة ناصر الجنوبية. وبمراجعة أرقام توزيع الأراضي هناك، ييرز أن أكبر المستفيدين هي شركات خليجية.

وعلى الرغم من أن الاستيلاء على الأراضي من شركات ورجال أعمال ومقربين من مبارك كان أحد شواحن الغضب التي أشعلت ثورة يناير 2011، إلا أن الشركات الأجنبية لم تتخلَّ بعد قيام الثورة عن الأراضي التي حصلت عليها خلال حكم مبارك، باستثناء شركة الوليد بن طلال التي تنازلت عن 75 ألف فدان غير مستغلة في "توشكى" - قبل شراء "جهاز الخدمة الوطنية" التابع للجيش النصيب الباقي من الشركة - ومقاضاة "شركة الخرير" الكويتية بسبب الأراضي التي حصلت عليها بشبهات فساد في العياط، ونيّتها البناء فوقها بدلاً من استصلاحها. بل على العكس، شجعت الحكومات المتعاقبة بعد ثورة يناير 2011 استمرار وتوسع استيلاء الشركات الخليجية على الأراضي المصرية، وتصويره كتدفق للاستثمارات الأجنبية على مصر، عبر السماح للكثير من هذه الشركات باستغلال المراحل التالية من الأراضي التي خصصت لهم في عهد مبارك، لاسيما في "توشكى"، وكذلك شراء أراضٍ جديدة، إذ حصلت شركة "جنان" الإماراتية، مثلاً، على 10 آلاف فدان من حكومة الجنزوري عام 2012 لإقامة مزرعة للماشية في جنوب الوادي.

ومع تولي السيسي الرئاسة في النصف الثاني من عام 2013، حظيت الشركات الخليجية من الدول التي شكلت داعماً أساسياً لحكمه، بأولوية في الحصول على أراضي الاستصلاح الزراعي، إلى جانب الجيش، خاصة في مشروع 1.5 مليون فدان الذي أطلقه السيسي في كانون الأول/ ديسمبر 2015. فقبل تسعة أشهر من إطلاق هذا المشروع، أبدت شركة "الظاهرة" الإماراتية رغبتها دخول المشروع، موضحة أن وزارة الزراعة المصرية عقدت اجتماعاً مع 30 شركة خليجية لمناقشة إجراءات تنفيذ المشروع.

وفي كانون الثاني/ يناير 2017، أعلنت شركة "الريف المصري" المشرفة على المشروع، تقدّم شركات خليجية وسعودية وإماراتية ويونانية وكويتية للحصول على قطع أراض في المشروع بحد أدنى 10 آلاف فدان.

وفي آب/ أغسطس من العام نفسه، أعلنت وزارة الزراعة المصرية توقيع بروتوكول تعاون مع شركة كورية جنوبية لزراعة 300 ألف فدان في جنوب شرق منخفض القطارة، شمال غرب مصر، لزراعة "الاستيفيا" (Stevia) لإنتاج السكر بهدف التصدير، حيث لا تمتلك مصر مصانع لإنتاج السكر من هذه النبتة. كما كشفت "الشركة المصرية الكويتية" التابعة لمجموعة الخرافي في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي عن بنائها مصنعاً ضخماً للأخشاب على مساحة 30 فدان، حصلت على أرضه مؤخراً في محافظة المنيا، وسط مصر. كما تفاوض الحكومة المصرية للحصول على 6 آلاف فدان بالقرب من محطات الصرف الصحي لإقامة غابة شجرية لتغذية المصنع. وفي كانون الأول / ديسمبر 2018، أعلنت مجموعتا "الغرير" و"موربان" الإماراتيتين التوصل لاتفاق مع "البنك الأهلي المصري"، المملوك من قبل الدولة، لاستصلاح 180 ألف فدان غرب المنيا، لزراعة البنجر (الشمندر) وإقامة أكبر مصنع للسكر في العالم.

إهمال متعاظم للريف

هذا التوجه القائم على دعم تركيز الحيازات الزراعية الضخمة المعدة للتصدير، وتركيز اهتمام الحكومات المتعاقبة على توفير بعض الخدمات داخل المدن، التي يشكل غضب ساكنيها مصدر إزعاج مباشر لها، بالإضافة إلى السياسات الاقتصادية الليبرالية المتسارعة التي يتبناها السيسي، كلها أثرّت سلباً على الإنفاق المتعلّق بالقرى الريفية والزراعة فيها.

فعلى الرغم من أن ثورة يناير لفتت أنظار السلطات إلى ضرورة تقديم خدمات للأهالي خوفاً من تكرار انتفاضات سياسية واجتماعية، إلا أن القرى ظلت خارج حساباتها، كون غضب الريف تجاه السلطة يبدو غير مؤثر وغير منظم.

وتشتكي العديد من القرى نقصَ الخدمات مثل انخفاض عدد المدارس بالمقارنة مع عدد المواطنين، فضلاً عن تردي جودة مياه الشرب وانقطاعها المتكرر، وغياب الصرف الصحي وغياب الخدمات الصحية، يضاف إلى ذلك افتقار القرى لمشاريع صناعية يمكنها استيعاب الأيدي العاملة من الأجيال الشابة، بدلاً من هجرتها إلى المدن وتشكيلها عشوائيات تنمو بشكلٍ مضطرد على أطراف تلك المدن.

يقع حوالي 76 في المئة من الأراضي الزراعية في وادي النيل والدلتا، ويمتاز بخصوبته العالية وسهولة حصوله على المياه بالمقارنة مع الأراضي الصحراوية، وقد شكلت هذه الكتلة هدفاً لسلسلة سياسات حكومية رامية للتغلب على "مشكلة" الحيازات الصغيرة.

في 2018 شنت الحكومة حملات إزالة واسعة لمشاتل الأرز في العديد من محافظات الدلتا، باعتبار هذه الزراعة شرهة للمياه. كما أثار قرارٌ مماثل لتقليص المساحات المزروعة بقصب السكر والموز، للسبب نفسه، تخوفاً  من تشريد الآلاف من الأسر ممن يعتمدون على هذه الزراعات.

أحد المشكلات الكبرى التي تواجه المزارعين، هي عجز جزء كبير منهم عن سداد ديونهم للدولة. فـ"بنك التنمية الزراعي" الذي كان يستهدف في السابق حل المشكلات المالية للمزارعين عن طريق تقديم قروض لهم بضمان أرضهم، أصبح بمثابة البعبع الذي يطاردهم، مع ملاحقات قضائية تصل حدَّ سجن مزارعين بسبب عدم تمكنهم من الدفع. وقد طرحت مسألة إسقاط ديون الفلاحين في مصر عقب ثورة يناير 2011، لكن وزير الزراعة السابق، أيمن فريد أبو حديد، أنهى في أيار/ مايو 2014 هذا الجدل بإعلانه عدم إسقاط ديون الفلاحين البالغة 3.4 مليار جنيه.

ولأن حوالي 76 في المئة من الأراضي الزراعية يقع في وادي النيل والدلتا، ويمتاز بخصوبته العالية وسهولة حصوله على المياه بالمقارنة مع الأراضي الصحراوية، فقد شكلت هذه الكتلة هدفاً لسلسلة سياسات حكومية رامية للتغلب على مشكلة الحيازات الصغيرة، والاستفادة القصوى منها من خلال توجيه المزارعين لمحاصيل بعينها تخدم الاحتياجات الداخلية أو النواحي التصديرية.

وقدمت الحكومة الكثير من التحفيزات لزراعة محاصيل ذات أهداف تصديرية، مثل الموالح والبطاطس. ووفق تقرير "التعبئة والإحصاء"، بلغت المساحات المزروعة بالبرتقال في مصر 306.9 ألف فدان في عام 2017، بنسبة إنتاج وصلت إلى 3.2 ملايين طن، لتنافس إسبانيا على المرتبة الأولى كأكبر مصدر للبرتقال. كما تستهدف الحكومة زيادة المساحة المزروعة بالنباتات العطرية لخدمة التصدير وجلب ملايين الدولارات لمصر، من خلال استراتيجية إعادة توجيه 69 ألف فدان لزراعة هذه النباتات في محافظة بني سويف، بجنوب القاهرة.

لكن مع بداية أزمة نقص المياه وتوجه إثيوبيا لملء سد النهضة، أكبر سد في إفريقيا على مجرى النيل، بدأت الحكومة المصرية بتشديد سياستها لتقليل زراعة المحاصيل الشرهة للمياه. وفي 2015، أصدرت الحكومة، قراراً بحظر زراعة الأرز في الصعيد ووسط وجنوب الدلتا، كما شددت من الغرامة المقررة على مخالفي القرار، قبل أن تتجه لإزالة المزارع المخالفة. وفي 2018، شنت الحكومة حملات إزالة واسعة لمشاتل الأرز في العديد من محافظات الدلتا. كما أثار قرارٌ مماثل لتقليص المساحات المزروعة بقصب السكر والموز للسبب نفسه، تخوفاً لدى مزارعين يعتمدون على هذه الزراعات كمصدر رئيسي لدخلهم، الذين قالوا إنه يهدد بتشريد الآلاف من الأسر.

تظهر السياسات الليبرالية المتراكمة خلال العقود الثلاثة الأخيرة في مصر، تحول الزراعة إلى قطاع يخدم كبار الملاك والشركات الكبرى، مع انخفاض دور المزارع الصغير في هذه المنظومة، أو محاولة توجيهه لخدمة سياسات تستهدف دفع التصدير. هذه السياسات أسقطت المزارعين الصغار في فقر شديد تراكم مع انخفاض العائد الزراعي عاماً بعد آخر، ليهدد مهنة الزراعة ومستقبل القرى في مصر.

محتوى هذه المطبوعة هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

_____________
1- الفدان وحدة قياس للمساحة وهي تعادل 4200 متر مربع أو 0.42 هكتار.

2- وهو ما يحذِّر منه كتاب "أحلام الصحراء لمصر: تنمية أم كارثة؟" للباحث الهولندي ديفيد سيمز.

3- نشرها على "المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية" في شباط / فبراير 2010.

4- مدرِّس الاجتماع الريفي بكلية الزراعة في جامعة جنوب الوادي بمصر ، الدراسة منشورة على academia.edu.

5- مقابلة خاصة لـ"السفير العربي".

مقالات من مصر