السوريون المهزومون جداً، من يداوي خيباتهم؟

تتحدث السلطة القائمة في سوريا عن انتصارٍ عسكري وآخر سياسي، ولا يجد الناس ترجمةً لمدائح النصر تلك داخل مسار حياتهم اليومي، حيث يطردهم الغلاء إلى فجاجة التقشّف، ويهزمهم البؤس ويروّض حواسهم، فيحسدون الذين هاجروا إلى حياةٍ جديدة.
2019-01-30

أيمن الشوفي

صحافي من سوريا


شارك
أمجد وردة - سوريا

يتعلّق السوريون الأحيَاء في الداخل بحبالٍ واهية، يخشون أن تلتفَّ حول أعناقهم وتخنقهم على غفلة. فيما تتعامل السلطة القائمة مع كل المناورات السياسية الخارجية باعتبار أنها انتصارها "غير المسبوق" على ما تسمّيه "المؤامرة الكونيّة". تلك الدراما الفقيرة التي سئمَ منها الموالون قبل المعارضين – تجعل أنه لا فرق يجنونه بين أن تستولي فصائل المعارضة الإسلاميّة على ريف دمشق أو أن تغادرها باتفاقيّاتٍ أمميّة، إذ تجثم المعاناة على قلوب الناس في الحالتين معاً، فيغيب مازوت التدفئة في الشتاء، ومثله الكهرباء واسطوانات الغاز المنزلي. يحجبها المتنفّذون المقربون من السلطة كما العادة، ليدفعوا الناس دفعاً إلى توسّلِها في السوق السوداء التي يديرونها بأسعارٍ خارج تخمينات منطق تدبيِ الحياة الشحيحة التي ترتاد يومياتهم ولا تفارقها.

الحياة الباردة، وقوف على عتبة البقاء

يدور التفكير السياسي للنظام السوري حول كيفية بقائه بصيغته القائمة على الدولة الأمنيّة واحتكار السلطة المطلق، وهو بالتالي يزدري الظرف المجتمعي، ويضعه في مرتبةٍ ثانويّة. يتحدث عن انتصارٍ عسكري وآخر سياسي، ولا يجد الناس ترجمةً لمدائح النصر تلك داخل مسار حياتهم اليومي. حيث يطردهم الغلاء إلى فجاجة التقشّف، ويهزمهم البؤس، ويروّض حواسهم، فيحسدون الذين هاجروا إلى حياةٍ جديدة. لا فرق هنا بين فقراء النظام وفقراء مخيمات اللجوء، وهما الأكثرية. كلاهما تعرّض لقصف الشتاء الحالي، ولدغاتِ البرد والعتمة من عاصفتين متتاليتين، وكلاهما خارج حسابات السلطة القائمة، حتى أنّ فنّانين موالين للنظام مثل أيمن زيدان، وشكران مرتجى نعوا من خلال وسائل تواصلهم الاجتماعي الحياة في دمشق وفي سواها، وطالبوا رئيس الدولة بالتدخل شخصياً لإسعاف ما تبقّى من حياةٍ عرجاء يعيشونها. وفي هذا تمسّك بالنموذج البطريركي للحكم، حين يصير المجتمع نموذجاً مصغّراً عن الأسرة التي يديرها الأب، وفي هذا أيضاً نكو واضح عن منجزات حراك عام 2011 داخل المناطق التقليديّة لنفوذ النظام في العاصمة والساحل وفي الجنوب ذي الغالبية الدرزية. لا سياسةَ هناك، ولا مظاهرات احتجاجيّة تدلّل على رداءة الحياة ورثاثة أثوابها حين يرتديها الناس، بل هناك استكانةٌ اجتماعيّة يجري ترجمتها لغوياً إلى رسائل استغاثة. حتى أنّ معالجاً فيزيائيًّ هدّد بالانتحار إن لم يستجب الرئيس لمناشدات الناس بتحسين الشروط الآدميّة لحياتهم.

هل تغيّرت حياة السوريين، ولو على نحوٍ طفيف، بعد استعادة السلطة سيطرتها على ريف دمشق ومدينة حلب وعلى معبر نصيب الحدودي مع الأردن، وبعد عودة عدد من السفارات العربية لنشاطها الدبلوماسي المنقطع منذ عام 2011؟

تلك المناشدات والرجاءات تدحرجت تباعاً لتصير أقربَ إلى حملةٍ احتجاجيّة، بعدما انضمَّ إليها بعض الإعلاميين المواليين، والعديد من نشطاء صفحات التواصل الاجتماعي المحسوبين على معسكر النظام والسلطة، وكلّهم تشاركوا تدبيجَ نعيهم لحياةٍ تعاند الحدود الدنيا لشروط العيش الآدمي. ثمّ تبرّع إعلام المعارضة السورية تارةً للسخرية من تلك الحملة بوصفها استفاقةً متأخرة للعبيد، وتارةً للتصدّق عليها، ووصفها بثورةِ الموالاة المتأخرة، وآخرون اعتبروا أن حادث السيّارة الذي تعرّضت له الممثلة "المحتجّة" شكران مرتجى في شهر كانون الثاني / يناير من العام الحالي عملٌ مدبّر لمعاقبة الخارجين عن طاعة السلطات. وكلّ تلك الرؤى يبرّرها التجريب داخل السياسة لشعب اعتقل في سراديب الخوف طيلة نصف قرن، إذ أنّ المنطق الاستنباطي (الوصول من العام والكلّ إلى الخاص والجزء) يرشّح فرضية أن المشروع السياسي لا ينقطع داخل البنيّة الاجتماعيّة، ويتم بأشكالِ حراكٍ مختلفة، وإنْ ضمن فتراتٍ زمنيّة متباعدة. لكن المشكلة في اختيار الأدوات السياسيّة الفاعلة. وليست المناشدة إحداها على الإطلاق، بل هي تقهقر وانهزام سياسي. ولو بقيت احتجاجاً دون مناشدة لكانت أكثر إشراقاً وفاعليّة، ولو امتدت إلى حيّز الفعل السياسي الجاد، في الدعوة إلى تظاهرات أو وقفات احتجاجيّة داخل مناطق سيطرة النظام المصابة بسقم الصمت منذ ثماني سنوات، لكانت خطوةً سياسيّة اجتماعيّة متطورة. ولعلّ حادثة تفجير المفرزة الأمنيّة على المتحلّق الجنوبي التي عقبت حادثة سيارة الفنانة المحتجّة بيومٍ واحد تعيد إلى الأذهان، وربما إلى الواقع فرضيّة القبضة الأمنيّة المتشددة، بحجة مكافحة الإرهاب.

السوريون الباقون

ليس تدافع الاحتجاجات الراهن هو حملة الاحتجاج الوحيدة داخل مناطق سيطرة النظام، إذ سبقتها حملةٌ مشابهة أدارها نشطاء مدنيّون تحت شعارات ندّدت بالغلاء الفاحش، والبطالة، وانقطاع الكهرباء، وغياب مازوت التدفئة، وكانت عام 2015، العام الذي شهدَ أكبر موجة هجرة من مناطق السلطة إلى دول الاتحاد الأوروبي (ألمانيا على وجه التحديد). وقبل تلك الحملة، كانت أخرى أكثر تواضعاً، ورفعت شعار مقاطعة شركتي الخلوي بعدما رفعتا أجور خدماتهما أكثر من مرّة، لتصير أسعار المكالمات الخلويّة ومثلها الرسائل النصيّة هي الأعلى عربياً مقارنةً بمتوسط الأجور في سوريا. غير أنّ الحملة لم تُغيّر شيئاً من واقع معادلة النهب المنظّم لجيوب الناس، والتي لا يشفع لها إنشاء جمعيّة خيرية مثل "جمعيّة البستان" للتصدّق على فقراء النظام، التي تعود ملكيتها إلى رامي مخلوف صاحب إحدى شركتي الخلوي في سوريا.

لكن، هل تغيّرت حياة السوريين، ولو على نحوٍ طفيف، بعد استعادة السلطة سيطرتها على ريف دمشق ومدينة حلب وعلى معبر نصيب الحدودي مع الأردن؟ وبعد عودة عدد من السفارات العربية لنشاطها الدبلوماسي المنقطع منذ عام 2011؟ وهل يتنازل المتنفّذون المقربون من السلطة عن وصفاتِ ثرائهم الجديدة، وهم الذين يتلاعبون بسعر صرف الدولار متى يشاؤون، ويحجبون السلع والخدمات التي يريدون عن الناس، ويقدّمون بدائلاً عنّها في دوائر سوقهم السوداء؟ فالمشكلة إذاً ليست عندَ الوزراء أو أعضاء مجلس الشعب الذين يمتلكون سلطةً صوريّة لا فعليّة، ويكونون دريئةً مناسبة لقصف المستائين عند الضرورة (حملة الاحتجاج الحاليّة مثال على ذلك). احتكار السلطة المطلق يؤدي إلى تضخّم الميل الطبيعي باتجاه الفساد..

مقالات من سوريا

ترامب ونتنياهو: ومن الحب ما قتل!

ما الذي ستفعله قيادة اسرائيل بالمليونين ونصف مليون فلسطيني من الضفة الغربية، لو هي قررت ضمها باعتبارها "يهودا والسامرة"؟ وما هي فاعلة بغزة التي لن يبتلعها البحر. بل وما هي...

للكاتب نفسه