التعليم لـ"الصفوة": جامعة الإسكندرية مثالاً

من يحق له ان يتعلم في مصر، وبالاخص في مراحل التعليم الجامعي العليا؟ هل هو من يستطيع دفع مصاريف متعاظمة كل عام أم هم أصحاب التقديرات الدراسية الممتازة؟ نتكلم هنا عن الجامعات الرسمية وليس الخاصة. والأدهى أن أيّ شكل من أشكال الاحتجاج بات غير مسموحٍ به، حتى إن كانت وقفات صامتة دون هتاف.
2019-01-24

سارة نديم

باحثة في علم الاجتماع التربوي، من مصر


شارك
أحمد عثمان - مصر

خارج مكتب إدارة الدراسات العليا بإحدى كليات جامعة الإسكندرية، عُلِّق إعلان لمن يريد من الطلاب الالتحاق بالماجستير أو الدكتوراه (فصل ربيع 2019). يبدأ الإعلان بكلمة "رسوم" وتحتها رُصَّت بنود المصروفات المطلوبة:
- رسم سحب ملف القبول: 300 جنيه
- قيمة الساعة المعتمدة: 300 جنيه (يبلغ عدد ساعات الماجستير في هذه الكلية 32 ساعة، والدكتوراه 42 ساعة، والدبلوم 24 أو 30 ساعة)
- تحسين خدمة تعليمية (سنوية): 1000 جنيه للدبلوم، 2000 جنيه للماجستير، 4000 جنيه للدكتوراه
- رسوم إدارية سنوية: 1000 جنيه.

لم يتضمن الإعلان، الذي يوجد مثيله معلقاً في كل كليات الجامعة ومعاهدها العليا، أية إشارة إلى شرط الحصول على تقدير عالٍ مثلا أو اجتياز اختبارات معينة، أو أي استثناء لأوائل الدفعات أو الحاصلين على تقدير "ممتاز". فالقدرات العلمية ليس لها أي وزن هنا، المعيار الوحيد هو قدرتك على "دفع" عدة آلاف من الجنيهات.. هذا بخلاف المصاريف التي يتحملها الطالب بشكل شخصي لشراء ما يحتاجه من كتب، أو مواد وأجهزة (بالنسبة للكليات العملية)، وتكاليف الدورات والتصوير والطباعة، وحتى حجز قاعة المناقشة..

حتى 200 في المئة زيادة

تعود القضية إلى الفصل الدراسي السابق (خريف 2018) حين صدر قرار مجلس الجامعة في 30 آب/ أغسطس برفع المصروفات المقررة على الطلاب الراغبين في استكمال دراساتهم العليا. وكان نظام الساعات المعتمدة هذا قد عُمِل به في جامعة الإسكندرية منذ حوالي 10 سنوات، تحت شعار "التطوير". قبله كان نظام الالتحاق برسوم محدودة، وكانت أولوية القبول لأصحاب التقدير الأعلى، بينما في النظام الجديد ارتفعت الرسوم ولم يعد التقدير معياراً. بلغت تكلفة الساعة في البداية 50 جنيها للماجستير و60 جنيها للدكتوراه، لتشهد أول زيادة في خريف 2013 فتصبح الساعة بـ 80 جنيها للماجستير وبـ 120 جنيها للدكتوراه، ثم تضاعفت مرتين خلال عام واحد: 150 للماجستير والدكتوراه في ربيع 2018، و300 لكليهما أيضا في خريف العام نفسه.. مع مضاعفة البنود الأخرى كرسوم تحسين الخدمة التعليمية والرسوم الإدارية.

فنجد - على سبيل المثال- دبلوم كلية الصيدلة تضاعف من 6 آلاف جنيه للعام الدراسي السابق إلى 12 ألف جنيه للعام الحالي، ودبلوم كلية رياض الأطفال قفز من 1700 جنيه إلى 10500 جنيه، وطالب الماجستير بكلية الآداب بعد أن كانت مصروفاته في الفصل الدراسي الواحد تتراوح بين بضعة مئات و 1200 جنيه كحد أقصى، صارت تبلغ في المتوسط حوالي 4 آلاف جنيه. وقس على هذه المعدّلات مصروفات الكليات الأخرى...

لم يتضمن الإعلان، الذي يوجد مثيله معلقاً في كل كليات الجامعة ومعاهدها العليا، أية إشارة إلى شرط الحصول على تقدير عالٍ مثلاً أو اجتياز اختبارات معينة، أو أي استثناء لأوائل الدفعات أو الحاصلين على تقدير "ممتاز". فالقدرات العلمية ليس لها أي وزن هنا. المعيار الوحيد هو قدرتك على "دفع" عدة آلاف من الجنيهات.

كانت هذه الزيادة الجنونية في المصروفات صادمة للطلاب ومثيرة لاستيائهم إلى أبعد مدى، فحاولوا تنظيم صفوفهم للتحرك ضد القرار في أكثر من مسار - وهي بالطبع تحركات حرّة خارج إطار أي تنظيمات طلابية "رسمية" داخل الجامعة - فأنشأوا مجموعة على فيسبوك أسموها "لا لزيادة المصاريف التعجيزية"، وقاموا بإعداد قوائم بأسمائهم لرفع الأمر لجهات أعلى كمجلس الوزراء والمجلس الأعلى للجامعات، اللذين أحالا شكواهم إلى الجامعة من جديد! وكذلك إعداد جداول بالأسعار الجديدة المعلنة بكل كلية ومقارنتها بالأسعار القديمة. كما تواصلوا مع عدد من أعضاء مجلس النواب الإسكندريين، تقدّم أحدهم بطلب إحاطة لرئيس مجلس الوزراء ووزير التعليم العالي، لم يسفر عن شيء. وكان الطلاب قد أعدّوا جداول توضح نسبة زيادة تكلفة الساعة في كل كلية لتفنيد ما ردّت به الجامعة من أن النسبة لم تتجاوز الـ10 في المئة المنصوص عليها في اللائحة، وقد تراوحت نسبة الزيادة كما رصدها الطلاب بين 81 في المئة و200 في المئة. وكان النائب المنتمي لتكتل 25-30 قد أرجع زيادة المصروفات في المؤسسات التعليمية إلى موافقة أغلبية مجلس النواب على موازنة التعليم، وسياسة الحكومة الداعية لأن تبحث كل جامعة عن مصادر تمويل لتلبية احتياجاتها، وفقاً لما نقلته عنه الصحف.

أشكال الاحتجاج كلها ممنوعة

أما الخطوة الأبرز فتمثلت في تجمّع الطلاب أمام مبنى الجامعة لتسجيل اعتراضهم والمطالبة بمقابلة رئيس الجامعة أو نائبه للعودة للائحة المصروفات القديمة. بعض الطلاب كان يأتي خصيصاً من محافظات أخرى قريبة للمشاركة في هذه الوقفات التي نُظّمت أكثر من مرة، وبعضهم كان يحرص على الحصول على إذن صباحي من عمله كي يتمكن من الحضور. مع دور مبادِر وبارز للطالبات بوجه خاص. لم يكن عدد المشاركين كبيراً جداً، لكنه مع ذلك كان مزعجاً للإدارة التي استخدمت مع الطلاب أسلوب الترغيب والترهيب لفضّ وقفاتهم، فكانت ترسل للطلاب المتجمعين بعض موظفيها لإقناعهم بالمغادرة على أن يتم توصيل مطالبهم للمسئولين، ولإخبارهم بأن ما يفعلونه "مخالف للقانون" إذ يمنع قانون التظاهر أي تجمع من أي نوع، لاسيما عندما أعدّ الطلاب أثناء إحدى الوقفات بعض اللافتات وقاموا برفعها بعد أن كتبوا عليها "يا رئيس جامعة الإسكندرية من حقي أن أتعلم"، و"شعار المرحلة اللي معهوش ما يلزموش"، فأيّ شكل من أشكال الاحتجاج بات غير مسموح به، حتى إن كانت وقفات صامتة دون هتاف.

مقالات ذات صلة

وبعد مماطلات استمرت لأيام، وأمام إصرار الطلاب، سُمح لوفد منهم يمثل كليات مختلفة بمقابلة نائب رئيس الجامعة لشئون الدراسات العليا. وعلى مدار ساعتين - كما حكى الطلاب - لم يتم إعطاؤهم الفرصة للتعبير عن وجهة نظرهم، وانتهي اللقاء على أن تتم مخاطبة إدارات الكليات لتخفيض بعض البنود، مع الإصرار على إبقاء سعر الساعة كما هو، ومن ثَم إبقاء مجمل المصاريف دون تغيير جوهري. بل إن كلية مثل كلية الآداب، التي رفضت طلب الجامعة بالتخفيض، ضاعفت -مرة أخرى - هذه البنود في الفصل الدراسي اللاحق!

تجمّع الطلاب أمام مبنى الجامعة لتسجيل اعتراضهم والمطالبة بمقابلة رئيس الجامعة أو نائبه للعودة للائحة المصروفات القديمة. بعض الطلاب كان يأتي خصيصاً من محافظات أخرى قريبة للمشاركة في هذه الوقفات التي نُظّمت أكثر من مرة، وبعضهم كان يحرص على الحصول على إذن صباحي من عمله كي يتمكن من الحضور.. مع دور مبادِر وبارز للطالبات بوجه خاص.

كانت تحركات الطلاب في بدايتها قوية ونشطة، واستطاعت أن تمثل ضغطاً ما، لكن زخمها تناقص تدريجياً. فعبر أسلوب المماطلة تمّ كسب الوقت وامتصاص غضب الطلاب إلى أن يمرر القرار، وذلك بإيهامهم بأن القرار قيد الدراسة والتغيير. فقد توقف مثلاً في بعض الكليات سداد الرسوم لفترة "إلى أن يُبتّ في أمرها"، وعندما قارب الفصل الدراسي على الانتهاء، وجد الطلاب أنفسهم أمام أمر واقع. فاضطر معظمهم لأن يسحبوا ملفاتهم، بعضهم قدّم أوراقه في جامعات إقليمية أخرى (لن تلبث بدورها أن تزيد مصروفاتها، فالمسألة مسألة وقت) وبعضهم صرف نظر عن استكمال الدراسة العليا، وبات عدد الطلاب في بعض الأقسام لا يتعدى طالباً واحداً، بينما أقسام أخرى خلت من أي طالب مستجدّ، باستثناء الطلاب العرب والأجانب الذين يدفعون بالدولار. في كليات أخرى، وُضِع مدى زمني لأسبوعين للدفع في حالة تجاوزه تزداد تكلفة الساعة إلى 400 جنيه. أما المسار القضائي فلم يثمر السير فيه، رغم تحمس البعض له كحل أخير ووحيد لتمكينهم من حقهم في استكمال دراستهم العليا، بينما تكاسلت عنه الأغلبية، ربما لعدم ثقة الطلاب في جدواه مع تعقد الإجراءات القضائية وطول مداها ومطاطية النصوص الدستورية والقانونية، إلى جانب عدم تنفيذ بعض الأحكام التي صدرت في قضايا سابقة على حد قول بعض الطلاب. وقبل كل ذلك وبعده، الحالة العامة من الخوف من أية ملاحقات أو مشكلات، والإحباط، وفقدان الثقة في القدرة على إحداث أي تغيير.

وعلى الرغم من محاولات الطلاب العديدة لإيصال أصواتهم للصحف والمواقع، كان التناول الإعلامي للقضية ضعيفاً وعابراً، لا يتناسب مع قضية تمسّ بشكل مباشر المستقبل العلمي والثقافي للبلد، إذ لم يجرِ تبنيها من قبل الصحافة المصرية التي باتت منخفضة السقف وحساسة جداً تجاه أي شكل من أشكال النقد، مما يجعل أبرز الصحف - التي تصنّف "مستقلة" - تتدخل بالحذف والقصّ من مقالات كتّابها دون إذنهم.

ما حدث في جامعة الإسكندرية خلال الأشهر الماضية يمكن اعتباره نموذجاً لقضايا أخرى، فمن الممكن أن نستبدل بكلمة التعليم هنا كلمات أخرى عديدة، كالعلاج الطبي أو حتى الاستمتاع بشاطئ البحر!

في مجموعة "لا لزيادة المصاريف التعجيزية" على فيسبوك، نقل الطلاب ما كتبه أحد الأساتذة على صفحته في أعقاب قرار الجامعة بزيادة المصروفات، وكان يشغل قبل أشهر منصب وكيل إحدى كلياتها لشئون الدراسات العليا. كتب يقول إن القرار تأخر كثيراً "فيجب أن يدرك الجميع أن الدراسات العليا ليست تعليماً أساسياً ولا حتى تعليماً جامعياً عادياً ولا يجب أن يُنظر إليها بأي حال من الأحوال على أنها حق للجميع. فالماجستير والدكتوراه يجب أن تكون لصفوة المتعلمين فقط. الممتاز منهم وأوائل الخريجين يمكنهم الالتحاق بالسلك الجامعي، ومن يريد الالتحاق بالدراسات العليا من خارج السلك الجامعي يجب أن يدفع تكلفة تلك الدراسة كاملة. فمن غير المعقول ولا المقبول أن يحصل طالب الدراسات العليا على دعم للحصول على الماجستير والدكتوراه". لكنّ السلك الجامعي لا يستوعب أصلاً سوى واحد أو اثنين من كل دفعة سنوياً، وفي كثير من الأحيان لا يُعيّن أي طالب "وفقا لاحتياجات الأقسام"، وفي أحيان أخرى يشكو المتخرجون من افتقاد التعيين الى النزاهة المطلوبة. والنتيجة أن يُحرَم الكثير من "الممتازين وأوائل الخريجين" من فرصة استكمال دراساتهم العليا، لأنهم، وإن كانوا حاصلين على أعلى التقديرات، ليسوا من "الصفوة"، التي تتحدد هنا، وبالضرورة، وفقا لهذا الوضع، على أسس طبقية وليس علمية، ويُحرَم من ثمّ المجتمع من مواهب وكفاءات قادرة - إن أتيحت لها الفرصة - على تغيير واقعه للأفضل.

أثار هذا المنشور استياء الطلاب وتعليقاتهم الغاضبة، وقد ذكر أحدهم أن الأستاذ أكد من قبل أنه طوال مدة توليه منصبه كان يرفض كلّ طلب يقدمه له أيّ من طلاب الدراسات العليا لتخفيض المصروفات أو الإعفاء منها، فالدراسات العليا في نظره خدمة ينبغي ألا تتوفر سوى لمن يقدر على دفع مقابلها، ومن لا يقدر ليس مضطرا للالتحاق. وفي المجموعة التي لم تعد نشطة، وإن ظلت شاهدة على محاولات الطلاب وإنكسار أحلامهم، علّقت إحدى الطالبات على المنشور (الذي هو بالطبع ليس مجرد وجهة نظر شخصية) ملخصة الوضع بالقول: "معاك قرش اتعلم، معاكش اركن علي جنب لأنك من أبناء العامة والغوغاء".

ولأن ما حدث في جامعة الإسكندرية خلال الأشهر الماضية يمكن إعتباره نموذجاً لقضايا أخرى، فمن الممكن أن نستبدل بكلمة التعليم هنا كلمات أخرى عديدة، كالعلاج الطبي أو حتى الاستمتاع بشاطئ البحر!

مقالات من مصر

السيسي وإدارة الموارد في مصر

وضع السيسي الموارد تحت سيطرة الجيش بذريعة ضعف وترهّل هياكل المؤسسات المدنية للدولة، وعدم كفاءتها مقارنة بالجيش وأجهزته المختلفة. ولكن الأمر لا يرتبط فقط بالكفاءة، وإنما بالسيطرة وبالولاء.