بن سلمان وهيئة الترفيه

يشير فشل "هيئة الترفيه"، بعد أكثر من سنتين ونصف على تأسيسها، إلى الأسباب ذاتها التي أدت إلى فشل "عاصفة الحزم" في تحقيق أهدافها! ففي الحالين - على اختلافهما - تتفاقم تحت إدارة بن سلمان عيوب النظام الاستبدادي في السعودية.
2019-01-10

عبد الهادي خلف

أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة لوند ـ السويد، من البحرين


شارك
سبهان آدم - سوريا

في عطلة السنة الجديدة، عَبَر أكثر من نصف مليون سعودي جسر الملك فهد الذي يربط ما بين بلادهم والبحرين. وفي محاولة لتخفيف تداعيات تدفق تلك الأعداد، قررت السلطات المعنية في البحرين السماح للسعوديين بالعبور إليها بدون إجراءات دخول للسيارات والأفراد. إلا إن تلك التسهيلات غير المسبوقة لم تمنع تكدس طوابير السيارات على عدة كيلومترات من الطرق المؤدية إلى المناطق التي تجتذب أغلب الزوار السعوديين. تجاوزت حركة السعوديين بإتجاه البحرين في عطلة بداية هذه السنة مثيلاتها منذ إفتتاح الجسر قبل 32 سنة. وكانت التوقعات المعلنة تشير إلى عكس ذلك إستناداً إلى عدة أسباب، من بين أهمها القرارات التي إتخذتها السلطات السعودية منذ 2016 بتقليص صلاحيات "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، علاوة على إنشاء هيئة رسمية للإشراف على الترفيه في المملكة.

الهيئة العامة للترفيه

تماشياً مع "رؤية 2030"، أصدر الملك السعودي أمراً (في 7/5/2016) بتأسيس الهيئة العامة للترفيه لتتولى تنظيم القطاع الترفيهي "وفق أفضل الممارسات الدولية، لخلق بيئة مناسبة لإقامة الفعاليات وممارسة الأنشطة الترفيهية"، علاوة على إجتذاب الإستثمارات إلى القطاع الترفيهي بما يخدم أهداف "الرؤية". مِثل "مبدأ سلمان" الذي ستبني السعودية عليه دورها الإقليمي المأمول، ومِثل مدينة نيوم وغيرها من بنود "رؤية 2030" التي سيقوم عليها مستقبل المملكة الاقتصادي، جاءت هيئة الترفيه لتخلق القنوات التي توفر - كما يقول برنامجها - الوسائل اللازمة لاثراء الحياة ورسم البهجة في المملكة وتوفير "الخيارات والفرص الترفيهية لكافة شرائح المجتمع في كل مناطقها". وتجاوباً مع هذا الدور المقرر لها أن تلعبه أعلنت الهيئة في شباط/ فبراير الماضي خططاً ومشاريعاً ضخمة تتطلب استثمارات حكومية في قطاع الترفيه تعادل قيمتها 64 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة. كما أعلنت أن برنامجها في العام 2018 وحده يتضمن إقامة خمسة آلاف فعالية فنية وثقافية وموسيقية وتعليمية، وعددٍ من المهرجانات المخصصة للعائلات والشباب والأطفال.

جاءت الأهداف المعلنة لهيئة الترفيه متطابقة وتصورات ولي العهد السعودي، ولكنها كانت أكبر بكثير مما هو متوفر في البلاد من خبرات وعناصر بشرية وبنى تحتية. لم يمنع ذلك الطبالون والإستشاريون والخبراء من تزيين الوضع، وتكرار الصياغات الوردية التي تؤكد صحة "الرؤية" وصحة الخطط المعدة لإنجازها. فمهمة هيئة الترفيه "أكثر من مجرد الترفيه" كما ذكر الإعلامي السعودي عبدالرحمن الراشد (الشرق الأوسط 12/10/2016). فهي ستُحدث "تأثيرات إيجابية واسعة، خصوصا على قطاع الشباب الذي يشكل أكثر من ستين في المئة من السكان"، وستُسهم إقتصادياً بتوفير جزء معتَبر من أكثر من 21 مليار دولار "تكلفها سياحة السعوديين للخارج في الإجازات"، علاوة على إيجاد متنفس "لعشرة ملايين غير سعودي (مقيم في المملكة) لا يجدون متنفساً يمكن أن يمضوا فيه أوقاتهم خارج العمل".

ولهذه الأسباب لم يكن غريباً أن تُولّى رئاسة مجلس إدارة هيئة الترفيه إلى شخصٍ موثوق به وبقدراته الإدارية وخبرته. فكان ذلك الشخص هو نفسه الذي يتولى أيضاً رئاسة مجلسي إدارة كلٍ من الهيئة العامة للصناعات العسكرية وصندوق التنمية السعودي.

تجاوزت حركة السعوديين بإتجاه البحرين في عطلة بداية هذه السنة (نصف مليون عبروا) مثيلاتها منذ افتتاح الجسر قبل 32 سنة، بينما كانت التوقعات المعلنة تشير إلى عكس ذلك إستناداً إلى تقليص صلاحيات "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وإنشاء هيئة رسمية للإشراف على الترفيه في المملكة.

وهنا تتبين مشكلة مزمنة تعاني منها الأنظمة الإستبدادية على إختلاف أشكالها. فهذه النظم غالباً ما تشترط الولاء قبل الكفاءة لدى كوادرها. ولذلك يتقلص مخزون العنصر البشري المؤهل والقادر على إدارة مؤسسات الدولة. عندها لا يجد النظام بداً من تحميل الثقاة ذوي الكفاءة مهمات متعددة في آن واحد، وتكليف الثقاة غير الأكفاء بمهمات ليسوا أهلاً لها. وهذا ما شهدناه بوضوح في السعودية بعد تولية بن سلمان. فصار الإداري الناجح مسئولاً عن ثلاث مؤسسات لا علاقة بينها. وصار معقولاً أن يصبح شاعر أغاني موثوق الولاء مسئولاً عن الرياضة والحركة الأولمبية. فولي العهد يعتبر الولاء الشخصي المعلن والتام له شرطاً لازماً لتسلم المهام الإستراتيجية في الدولة، وخاصة في منظومة المؤسسات التي ستتولى ترجمة "رؤية 2030" إلى خطط تفصيلية ومشاريع. وأصبحت مهمة التدقيق في ولاء المرشحين للتعيين في الوظائف العليا في الدولة ومؤسساتها منوطة بمجموعة صغيرة من أعوان ولي العهد الموثوقين والذين لا تزيد مؤهلات بعضهم على مؤهلات سيدهم. وقد برزت أسماء أبرز أعضائها لتورطهم مباشرة في جريمة قتل جمال خاشقجي..

قالب واحد لخطط الحرب وخطط الترفيه

من غير المجدي التفتيش عن الأبحاث ودراسات الجدوى التي إستندت إليها هيئة الترفيه حين وضعت خطتها للسنوات العشر القادمة، أو حين قررت القيام بتمويل خمسة آلاف فعالية في العام الماضي، (لا توجد جردة لمعرفة ما تمت إقامته من تلك الفعاليات). بمقياس ما هو إعتيادي في السعودية، فإن الهيئة لم تفعل منكراً حين أعلنت خطتها العشرية دون تخطيط مسبق، ودون حساب للكلفة والتبعات والمخرجات. فهذا ما فعله بن سلمان حين أعلن "رؤية 2030"، وكذلك حين قرر شن "عاصفة الحزم" على اليمن، وحين قرر "محاصرة قطر". فعلى اختلاف تلك القرارات وختلاف معطياتها ونتائجها، إلا أن الخطط المرسومة تتشابه في إنها صيغت لا على أساس معطيات واقعية بل لتلائم مزاج ولي العهد وقدراته على إستيعاب الواقع.

هناك مشكلة مزمنة تعاني منها الأنظمة الاستبدادية على اختلاف أشكالها. فهذه النظم غالباً ما تشترط الولاء قبل الكفاءة لدى كوادرها، ولذلك يتقلص مخزون العنصر البشري المؤهل والقادر على إدارة مؤسسات الدولة.

من الثابت الآن إستناد قرار إعلان حرب اليمن على وهمٍ غير مبرَّر بأنها ستكون "عاصفة حزمٍ" تنتهي في أيامٍ أو أسابيع بنصرٍ يمكّن السعودية من الإمساك بزمام المنطقة. صيغت خطط الحرب اليمنية بإستنساخ الخطة العسكرية لتحرير الكويت في 1991. سمع بن سلمان من مستشاريه ما أراد أن يسمعه من إنه سيحقق نصراً مؤزراً وسريعاً. ربما تخيل إنه - بما لديه من جنون العظمة - سيتفوق على الجنرال الأمريكي.. وهو لا يملك تأهيلاً في أيٍ من العلوم العسكرية أو الإستراتيجية. وكما يُستدل من التصريحات والتحليلات السعودية في ذلك الوقت، لا يبدو إن ولي العهد السعودي كان يشك في إنه سيتجه سريعاً بعد تحرير اليمن إلى الشمال لتحرير سوريا. فقد روّج الإعلام التابع للسعودية إن الحرب هي بداية عصر عربي جديد تقوده السعودية. وها هو الآن، وبعد ما يقارب أربع سنوات من تدمير اليمن وإستنزاف ثروات بلاده، يجد نفسه غير قادر حتى على الخروج من اليمن بما يشبه الإنتصار.

لا فلحَ في الحرب ولا في الترفيه

وبعد أكثر من سنتين ونصف على تأسيس "هيئة الترفيه"، يشير فشلها إلى الأسباب ذاتها التي أدت إلى فشل "عاصفة الحزم" في تحقيق أهدافها. ففي الحالين، على إختلافهما، تتتفاقم عيوب النظام الإستبدادي في السعودية تحت إدارة بن سلمان. فمثل غيره من الحكام الدكتاتوريين، أصبح بن سلمان وحده مصدر القرار ومركزه. لا فرق لديه في ذلك بين قرارٍ يتعلق بأمر عسكري أو إقتصادي أو ترفيهي. ولهذا لم يكن مستغرباً بعد أربعة أشهر من إعلان خطط هيئة الترفيه صدور أمر ملكي بإعفاء رئيس مجلس إدارتها. وحسبما ذكرت وسائل إعلام سعودية، فإن سبب الإعفاء هو أن لاعبات في سيرك استضافته هيئة الترفيه ظهروا "بلباس غير لائق" (19/6/2018). كذلك لم يكن مستغرباً أن يُعفى مدير قناة فضائية سعودية من منصبه لأنه سمح ببث فقرات من حفلة غنائية في السعودية أحيتها مطربة لبنانية أمام جمهور من كبار الضيوف، بمن فيهم اثنين من رؤساء الجمهورية اللبنانية السابقين، تمت دعوتهما خصيصاً لحضور تلك الفعالية...وهكذا، وعلى هذا المنوال!

مقالات من السعودية

خفة ترامب التي لا تُحتمل

البارحة أعلن ترامب أنه "لولا السعودية لكانت إسرائيل في ورطة كبيرة"، ولكنه لم يستطرد في شرح هذا الحكم المقتضَب حتى الآن، والأمل أن يكشف أكثر في مقبِل الأيام.

النفاق، أو العالم كما يُدار

سيرد اليمن، كما يبدو، ضمن معادلة تقليم أظافر MBS، صاحب التصرفات الصاخبة والمزعجة وآخرها "طريقة" تصفية الخاشقجي (الاسلوب وليس الحدث!). مزيد من ابتزازه بالتأكيد، وإنما – وأيضاً - ادراك لانتفاء...

للكاتب نفسه