منظمات ونقابات سوريا، تصنع امبراطوريّة الخوف

طوّع النظام مكوّنات المجتمع المتنوّع خلال العقود الماضية بغرض بلوغ شرط النمطيّة والتماثل ما أمكن، ووضع أطراً للاحاطة بهذا التطويع وضمان ديمومته والتمكن من مراقبته، تبدأ من الطفولة وترافق الانسان طيلة حياته.
2018-12-14

أيمن الشوفي

صحافي من سوريا


شارك
ماحي بينبين - المغرب

فيما مضى، استوردت شوارع المدن السورية نمطَ "المسيرات الكبرى" كتعبيرٍ سوسيولوجي واضح عن بلوغِ مرحلة "المنتج المجتمعي المتماثل". وهذا إزدهر خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي، بغاية تطبيع المجتمع داخل منظّمات ونقابات لا تقبل التقلّبات، وتلقّن أعضاءها شعارات البعث الحاكم، وشعاراتٍ أخرى ذات دلالات زمنية سرمديّة مثل "إلى الأبد"، جرى استخلاصها من استفاضة رغبة النظام في احتكار السلطة لوقت لا ينتهي. والمنتسبون إلى النقابات والمنظمات هم بَشَر تلك المسيرات التي كانت تسترسل في كلّ عام في مناسبات رسمية، مثل 8 آذار/مارس (انقلاب 1963) و16 تشرين الثاني/ نوفمبر ("الحركة التصحيحية")، فيخرجون من أماكن عملهم أو دراستهم، ثم تتجه أقدامهم وأصواتهم صوب كاميرات التلفزيون الرسمي وهي تطوّقهم من الجهات الأربع.

منظّمات تتسع للجميع

طوّع النظام مكوّنات المجتمع المتنوّع خلال العقود الماضية، بغرض بلوغ شرط النمطيّة والتماثل ما أمكن. وقوضت هذه الوصاية السياسية الصارمة تدريجيّاً أشكال الحراك والنَماء المجتمعي، وطوّبت في آن فكرة الشارع المدجّن، الخامل، والخاضع لهرميّة بطريركية خالصة، تمتدح التسلّط في الحواضن الاجتماعيّة التي تسمح بممارسته، في الأسرة، وفي المنظمات والنقابات أيضاً، كما في مؤسسات الدولة. ولعل منظمة "طلائع البعث" التي تأسست عام 1974 هي التجربة الأولى في هذا المنحى، وبدء التلقين داخل الحيّز المعرفي للأطفال، حيث "الحزب القائد"، و"الأب القائد"، وباقي صنوف الإيهام النفسي للطفل السوري بوجود فسحةٍ واسعة من الأمان الاجتماعي. علمته هذه المنظّمة التصفيق بطريقة واحدة (التصفيق الطلائعي) مما يعكّر الميل الطبيعي للتمايز والاختلاف، ويكرّس السلوك الامتثالي في آن.. وهي لديها الوقت الكافي لإتقان كلّ ذلك في المعسكرات الصيفيّة التي تنظّمها سنوياً.

خلال مسيرة الغلاء وتدهور الدخول في سنوات الحرب الماضية، بقيت الحركة النقابيّة في سوريا على هامش الانهيار الاقتصادي وسوء التدبير الحكومي. لم تطالب بتصحيح الأجور ولا باعتماد حدٍّ أدنى جديد لها، كما لم تحتج على مواصلة السلطة إنفاقها الأيديولوجي على سياسة السوق الحرّ، وإصرارها مرّاتٍ عديدة على رفع أسعار المشتقّات النفطيّة وباقي السلع الأساسيّة.

ثم تُكمل منظمة "شبيبة الثورة" (تأسست عام 1968، وتعدّلت مهامها عام 1970) ما بدأتهُ منظمة "الطلائع" في تشكيل الشخصيّة الامتثاليّة للفرد، فتتلقّف الشباب في سنّ المراهقة، وتحشرهم في عضويتها بصورةٍ إلزاميّة، وتلّقنهم أفكار حزب البعث في اجتماعاتٍ اسبوعيّة، وفي المعسكرات الصيفيّة أيضاً، وترفدهم بالخوف كجذرٍ معرفي وسلوكي سيرافقهم إلى الأبد، إذ يخافون من التغيّب عن حضور اجتماعات المنظمة، ويخافون من التفكير بصوتٍ عالٍ، أو طرح الأسئلة الشاقة. يتعلّمون أيضاً فنون الصمت. وإن أكملوا دراستهم في الجامعات أو المعاهد السورية، فسوف يلتقون بمنظمة "الاتحاد الوطني لطلبة سوريا" وجهاً لوجه، وهذه أسّسها حزب البعث عام 1963 على أنقاض "اتحاد طلبة سوريا"، لتكون منظمة بعثيّة، شأنها في ذلك شأن سابقاتها من "الطلائع" و"الشبيبة"، تربّي الخوف في العقول، وتبتهج بإنتاجِ أفرادٍ لهم أرواحٌ مدجنة، قبل دخولهم سوق العمل، حيث يقايضون سلعة الخوف التي يملكون بالوظيفة الحكوميّة. وإن اجتذبهم القطاع الخاص للعمل لديه أو سافروا خارج الحدود ليعملوا، يظل الخوف علامةً فارقة على وجوههم. يخافون من فقدان أعمالهم إن كسروا قالب المواطن النمطي، ويخافون من الاعتقال في المطار أو على المعابر الحدوديّة إن تكلّموا في الخارج ثم عادوا إلى بلادهم.

نقابات سوريا نافذة على النظام

تقبض المنظّمات والنقابات والأجهزة الأمنيّة على المجتمع. لا تسمح بالاختلاف. ربما لأن ذلك هو شرط أساسي لبقاء النظام. وخلال مسيرة الغلاء، وتدهور الدخول في سنوات الحرب الماضية، بقيت الحركة النقابيّة في سوريا على هامش الانهيار الاقتصادي وسوء التدبير الحكومي. إذ لم تطالب بتصحيح الأجور، ولا باعتماد حدٍّ أدنى جديد لها، كما ولم تحتج على مواصلة السلطة إنفاقها الأيديولوجي على سياسة السوق الحرّ، وإصرارها مرّاتٍ عديدة على رفع أسعار المشتقّات النفطيّة وباقي السلع الأساسيّة. ذلك أنّ تلك النقابات لا تمثّل سوى مجاميعٍ بشريّة جرى الاستيلاء عليها تدريجياً من قبل السلطة الحاكمة، وتركيعها أمام متطلبات سلطة الرغيف التي لا ترحم، فصارت بلا حولٍ ولا قوّة.

أما "الاتحاد العام لنقابات العمال" الذي تأسس عام 1937، فقد صار مُلحقاً بنظام البعث فيما بعد، وصار صوت النظام الذي يصمّ آذان الطبقة العاملة بخطاباتٍ مدبّجة بعناية. وعلى الرغم من أنّ تصريحاته العلنيّة تنتقد في بعضها السياسات الليبرالية للحكومات السورية بعد العام 2008، لكنه يبقى الحارس الأمين للسلطة وهو يلجم أفواه العمال عن الصراخ، ويقبل مصادرة حقهم الطبيعي في التظاهر أو الإضراب.

..مثله في ذلك مثل "الاتحاد العام للفلاحين" الذي ظهر إلى الوجود عام 1964 تحت اسم "اتحاد الجمعيّات الفلاحيّة" ثم تبدّل اسمه بعد العام 1969. وهو بالإضافة إلى دوره في تلقين الفلاحين إيديولوجيا البعث خلال الاجتماعات الاسبوعيّة، وإشرافه على توزيع البذار والسماد وغيرهما، فإنهُ يظلّ استطالةً إضافيّة للسلطة الحاكمة، إذ لم يتدخل (ويفترض به عكس ذلك) عندما تخلّت الحكومة عن دعم الأسمدة عام 2009، فارتفعت أسعارها بنسبة 200 في المائة، وارتفعت تالياً كلفة الإنتاج الزراعي في البلاد. فالنقابات ضمن الشرط السياسي الطبيعيّتكون معادلاً موضوعيّاً وضروريّاً للجمِ جموح السلطة، ولا يمكن أن تكون جزء من السلطة. وفي نهاية الستينات من القرن الماضي، كان حزب البعث يعيد صياغة النقابات والمنظّمات في سوريا من جديد، وهذا ما فعله مع "الاتحاد العام النسائي" حين أعاد تأسيسه عام 1967 على قواعدٍ جديدة تمتدح قناعات السلطة الناشئة، وتهمّش تاريخ الاتحاد الذي يعود فعلياً إلى العام 1933، وأعاد الكرّة مع "اتحاد الكتّاب العرب" بعدما أخرجه إلى الحياة عام 1969 بوجهٍ جديد، وبأجندةٍ ضمنت له تحويل الكتّاب السوريين إلى مجرّدِ موظفين.

تختار السلطة قيادات المنظّمات والنقابات السوريّة بعد انتخاباتٍ صوريّة، ولديها على ذلك أمثلة عديدة أهمها بقاء عزّ الدين ناصر رئيساً للاتحاد العام لنقابات العمال مدّة عشرين عاماً (1980-2000)، وكان عضواً في القيادة القطرية لحزب البعث في آن، وهذه مفارقة ديماغوجيّة لا تحدث سوى في الأنظمة الشمولية التي تبتلع مجتمعاتها.

مقالات من سوريا

للكاتب نفسه

رمضانٌ جديد، وصيام السوريين طويل

يفطر الدمشقيون من أبناء احياء القيمرية والعمارة والحميدية على الأصوات الجماعية العذبة لـ"رابطة المنشدين" في الجامع الأموي وهم يرفعون آذان المغرب. لكن ذلك ليس حال جميع السوريين في شتاتهم، كما...