عامٌ على MeToo#: إلى الرجال…

يكمن النبل في أن تعترف بذنب جماعتك القامعة، وأن تكون مستعدّاً لأن تتنازل عن ذاتيّتك، وأن تتحمّل العقوبة باسم مجموعتك. أن تعلم أنّك يجب أن لا تسكت، ممنوعٌ أن تسكت، أبداً؛ لكنّ كلامك يجب أن توجهه إلى داخل مجموعتك، أمّا حين تستدير إلى الجهة الأخرى، وتُحدّق في أعين المضطهدات، فلتصمت. اصمت واصغِ.
2018-11-23

مجد كيّال

كاتب فلسطيني من حيفا


شارك
عمل للفنّانة الأميركيّة Graciella Delgado

“أي شناعةٍ هذه التي تطلب منّا، لمجرّد أنّنا وُلدنا ذكوراً، أن نسكت، ها؟ أيّ انعدامٍ للعدالة والمساواة هذا الذي يمنعنا من أن نُدلي بأفكارنا ومواقفنا فيما يتعلّق بالشأن العام، وبالشأن الاجتماعيّ الذي يؤثر على حياة كلّ إنسانٍ فينا؟ أن يُنبذ أيّ رأي يناقش النسويّة، وأن يوصم بالذكوريّة فوراً، فقط لأنّ رجلاً أدلى به، بمعزل عن هويّة هذا الرجل وتصرّفاته وأفكاره. وأي تناقضٍ هذا، أن يأتي رفض التقبّل، رفض الانفتاح، أن يأتي هذا القمع، من طرف هؤلاء اللواتي يطالبن، هنّ أنفسهن، بالمساواة والعدالة بين الرجال والنساء؟ أو… أو بكلمات أخرى: أيّ وقاحةٍ هذه، أن تُطالِب بحقّك الطبيعيّ وأن تمنع الآخرين، في الوقت ذاته، من ممارسة حقّهم الطبيعيّ؟ وكيف تُطالب بحقّك في القانون المدنيّ والشرعيّ العادل باستخدام أساليب التشهير والعقاب التي تمّحي منها أصولُ الإجراء القانونيّ السليمة؟

الأمر غريب فعلاً. الدنيا “آخر وقت”. النسويّات، برديكاليّتهن هذه، حوّلن كل ما يفعله الرجال “تحرّشاً”. لم تعد الحدود واضحة، وصار من الممكن اتهام أي رجلٍ، لأي سببٍ، بالاعتداء. حتّى المغازلة الرقيقة. أين أيّام المغازلة الرقيقة؟ يقلن “اغتصاب” ثم يتبيّن أنّ المرأة هي بذاتها جاءت إلى بيت رجلٍ لتبيت عنده. وكل هذا لماذا؟ لأنهن يردن أن نصدّق المرأة لكونها امرأةً، ونتّهم الرجل لكونه رجلاً. إنهنّ، ببساطة، لا يميّزن أننا جميعاً ضحايا هذا المجتمع غير العادل، ولنا الحقّ جميعاً أن نفكّر في سبل تحقيق المساواة. وأنّه مثلما وجد الرجال المعتدون السفلة (ونحن لسنا مثلهم على الإطلاق، إنما نستنكر ما يفعلون)، وُجدت نساء مخادعات خبيثات يتّهمن الآخرين زوراً، ويدمّرن حياتهم المهنيّة. فالأشرار/ الشريرات… الأشرار/ الشريرات موجودون/ موجودات في الطرفين”.

هذه اللحظة المُخيفة

هذه. هذه هي اللحظات العينيّة التي يهتزّ فيها وضع اجتماعيّ قائم. هذه لحظات التغيّر: إنّها لا “تُحسّن” ظروف مجموعةٍ مظلومة مثلما تتصاعد دالّةٌ خطيّة، لا. لحظات التغيير الاجتماعيّ تهزّ المُسلَّم، “تفرط” الحدود المألوفة، تخلق فوضى، وتخلخل توازن المُتعارف. هذا ما تفعله بالضبط: إنّها تضرب المفاهيم السائدة، بأن تُعيد تعريف الجريمة. إنّها تُعرّف الجريمة بموجب ما تراه الضحيّة، بموجب ما قاسته الضحيّة على لحمها المهدور ووعيها المقهور.

إنّها -الضحيّة- لا تفعل ذلك أبداً، بواسطة الأدوات التي يعتبرها المُهيمِنُ “نظيفةً”. بل ترفض وسائل التغيير المسموحة التي يُصممها الطرف المهيمن ويسيطر عليها. إنّها تستخدم دائماً ما يُتيحه تطوّر العصر من إمكانيّات جديدة، لتهاجم المهيمِن المسيطِر. إمكانياتٌ يعتبرها المهيمِن، دائماً، مجحفةً وخطيرةً وممنوعةً، ويعتبرها دائماً “تمس بالأبرياء” وتتحوّل “إرهاباً”. يصمها دائماً بالتهمة المروّعة: “راديكاليّة”… والعياذ بالله.

هذه هي اللحظة التي يفقد فيها أصحاب السيطرة صوابهم: عندما ترفض الضحيّة أن تتعامل معهم باعتبارهم أفراداً لكلّ منهم تميّزه. يفقد الرجل صوابه عندما ترفض المرأة أن تُعامله كحالة خاصّة رغم أنّه “يدافع عن حقوق النساء”. يفقد الأميركيّ الأبيض صوابه حين يرفض المناضلون السود أن يتعاملوا معه كحالةٍ خاصّة رغم أنّه “صوّت لأوباما”. يفقد الإسرائيليّ صوابه عندما يرفض الفلسطينيّ أن يتعامل معه رغم أنّه “يناصر حقوق الفلسطينيين”… هذه لحظة الجنون: عندما نفقد، نحن الرجال المسيطرون، فردانيّتنا وذاتيّتنا، وتزجّ بنا الضحيّة في مكاننا الأحاديّ، تعيدنا إلى صفتنا الأولى، تسمّينا باسم مصدر قوّتنا الحقيقيّة، تصنّفنا بحسب مصدر امتيازنا الذي نتمتّع به منذ لحظة الولادة. “يطير” عقلنا، نحن الرجال المسيطرون، حين يَقُلنَ لي ولك: “لن تتمتّع بتحرّرك الفرديّ الأخلاقيّ من هويّتك الجماعيّة، طالما ما تزال كل واحدةٍ فينا تُقمع بموجب هويّتها الجماعيّة”.

القامع “أفرادٌ لهم أسماؤهم”، والمقموع “جموعٌ هائجة”

لا ينطبق هذا على المسألة النسويّة فقط. فكلّ هيمنةٍ لأيّ مجموعة أحاديّة تترسّخ وتتغلغل في عمق البُنى الاجتماعيّة والسياسية، حتّى لا تحتاج إلى الظهور اليوميّ الفجّ. تتحوّل الهيمنة إلى أمر “طبيعيّ” ومفهوم ضمناً، ولا تعود الصفة السائدة تحتاج إلى ذكرٍ أو تعريف. هكذا، يتّسع السطح الظاهر للممارسات الحياتيّة واليوميّة التي يختلف عليها أفراد المجموعة المسيطِرة؛ فيتحلّون بحريّة التعبير عن آرائهم وشخصيّاتهم ورغباتهم وتصرّفاتهم الفرديّة. تُفسح مساحة لكل فرد في هذه المجموعة كي يعبّر عن “ذاته”، عن كل ما يخطر له، دون أن تحتاج هذه “الذات” إلى تعريف نفسها بواسطة الجماعة. في المقابل، لا يستطيع “الآخر” المقموع أن يعبّر عن مصالحه إلّا من خلال هذه الجماعة، التي يُقمع لمجرّد انتمائه لها.

هذا بالضبط ما يُحاول كل قامعٍ أن يحافظ عليه. وهذا ما نحاول، نحن الرجال، أن نحافظ عليه في نقاشنا لمسائل التحرّر النسويّ، ولمسألة الحملة المكافِحة للتحرّش تحديداً: إنّنا نُريد أن نُبقي على تميّزنا كحالات فرديّة في مواجهة “الجموع الهائجة” من النساء اللواتي يهاجمن دون تمييز. إنّنا نطلب أن نحكي عن “مأساة” رجلٍ، أو مئة رجلٍ، ظُلموا براجمات “MeToo#” العشوائيّة، وسط مئات الملايين اللواتي تُنتهك أجسادهنّ ونفوسهنّ كلّ يومٍ في كلّ مكانٍ منذ عصور.

لكن من باب الحقّ والعدل، أن نتذكّر قبل كلّ شيء أنّنا جزءٌ من مجموعة تمتلك قوّة سُلبت من مجموعة أخرى. أنّنا، أنا وأنتَ، نتمتّع بامتيازات ونحظى بفرص سُلبت من مجموعة أخرى. نحن جميعنا، سلبنا حقّهن جميعهنّ. اللحظة التي تعتقد فيها أنّك تستحقّ من الضحيّة تعاملاً مختلفاً عن معظم الرجال لأنّك تتصرّف بشكلٍ مختلفٍ عن معظم الرجال، هي هي اللحظة التي تطلب فيها أن تحافظ على امتيازك الأكبر؛ قدرتك على ممارسة ذاتيّتك وتفرّدك أمام مجموعة تُقمع بسبب هويّتها الجماعيّة. الحقّ والعدل أن نتذكّر أنّنا في كل لحظةٍ نخاف فيها من “أن يُعتبر تصرّفنا هذا مرفوضاً أو تحرّشاً”، توازيها لحظةٌ تعيش فيها مليون امرأة مليون خوفٍ يوميّ، لا لشيء إلّا لكونها امرأة.

عن النُبل…

ليس منّا من يعيشُ هويّةً واحدة. يعيش أغلب الناس ضمن هويّات قامعة وهويّات مقموعة في الوقت ذاته. فالأغلبيّة الساحقة من الأميركيين البيض العنصريين هم في الوقت ذاته فقراءُ مسحوقون. وغالبيّة النساء المستعمِرات الأوروبيّات كنّ في الوقت ذاته مقموعات. والمثليّ الإسرائيليّ مقموعٌ وقامع، واليهود الشرقيون الإسرائيليون كذلك، والأمثلة لا تُحصى. لكنّ التمرين الفكريّ الواجب علينا هو أن نستخدم المقاربة، ونحاول تطبيق ذات اللغة التي نستعملها في صراعنا للتحرّر، على صراعات “الآخر” للتحرّر منّا.

هل وسائل النضال التي نستخدمها تُعدّ، في عُرفِ المسيطِر، عادلةً وقانونيّة؟ ألا نستخدم نحن في نضالنا وسائل تمسّ بمن يُعتبرون “أبرياء”؟ ألا نرفض نحن كفلسطينيين أن تربطنا علاقات بإسرائيليين حتّى وإن كانوا “يساريين”؟ ألا نُخطئ ونتفهّم بأنّ خطأ أبناء جلدتنا ينبع أيضاً من ضعفنا؟ هل يحقّ للإسرائيليّ الذي رفض الخدمة العسكريّة أن يعظ شعبنا كيف نناضل؟ أوليس بيننا، داخل مجموعة المضطهدين، خلافات على كيف نناضل؟ وأليس بيننا من هم أكثر ظلماً لنا من المستعمِر؟ ومن يدينون “الأشرار” من الطرفين؟ ومن يُعجبون بالظالم؟ ومن يستهترون براديكاليّتنا؟ هؤلاء الذين يسألون: “هل اختار الإسرائيليّ أن يولد إسرائيلياً؟ وهل يستطيع الرجل أن يعتزلَ رجولته؟ هل جميع الرجال متحرّشون؟ وهل جميع الإسرائيليين قتلة؟”.

هذه أسئلة المُهيمِن. أسئلةُ من “يُجنّون على” فردانيّتهم المتميّزة بينما تُداس الضحيّة لهويّتها ودون تمييز؛ عميانٌ لا يرون حجم امتيازهم ولا مصدره. مبنى هذه الأسئلة يشكّل معادلةً يُمكن تعويض عناصرها والاستنتاج منها. وهذه المقاربة ليست مفيدة لفهمنا، نحن الرجال العرب الفلسطينيون تحديداً، للمسألة النسويّة فحسب، إنّما أيضاً لفهم الجوهر التحرّريّ الكونيّ لقضيّتنا بشكلٍ أفضل، خاصةً في كلِّ مرةٍ يطلّ علينا فيها فلسطينيّ يطلب منّا أن نلائم نضالنا بحيث يعجب ويُرضي المستعمِر الصهيونيّ.

على الإنسان أن يعي كونه ينتمي إلى مجموعةٍ مظلومةٍ، وأن يقاوم مع مجموعته هذا الظلم. إنّما ما لا يقلّ إلحاحاً وضرورةً، أن يعي الإنسان كونه ينتمي إلى مجموعةٍ ظالمةٍ أيضاً، وأن يقاوم، داخل مجموعته. المطلوبُ أن يتحلّى الإنسان بنُبلٍ يقوم على محاولة فهم الضحيّة أولاً، وفي الوقت ذاته إدراكه لاستحالة فهم الضحيّة. يقوم هذا النُبل على الإدراك بأن أخطاء الضحايا في نضالهم تنبع من الجريمة المُرتكبة في حقّهم، وبالتالي فإنّ أخطاءهم ليست إلا أخطاءك. ويقوم على الثقة الكاملة بأنّ في المجموعة المضطهدة ما يكفي من الطاقة والمعرفة لتقيّم نفسها، وتتجادل فيما بينها، وتُصلح نفسها إن احتاجت – دون وصاية، ودون تعليمات، ودون مُنقذٍ يأتيها من بلاد النور. هذا ما يجب أن يدركه الرجال، وكلّ جماعة قامعة أخرى.

يكمن النبل في أن تعترف بذنب جماعتك القامعة، وأن تكون مستعدّاً لأن تتنازل عن ذاتيّتك، وأن تتحمّل العقوبة باسم مجموعتك. أن تعترف بأن سحب الامتياز وهدم الهيمنة عمليّة مؤلمة، لا يُمكنها أن تكون ورديّة ولا مريحة، وستؤلمك أنت وأحبّتك، أوّل ما تؤلم. أن تعلم أنّك يجب أن لا تسكت، ممنوعٌ أن تسكت، أبداً؛ لكنّ كلامك يجب أن توجهه إلى داخل مجموعتك، هناك، بين الرجال وبين المستعمِرين وبين أبناء عائلتك الثريّة. وأن تنطق هناك، في عقر دارك أنت، بلسان اللواتي تم تهميشهنّ ونفيهنّ من هذه الدار. بلسانهنّ فقط. أمّا حين تستدير إلى الجهة الأخرى، وتُحدّق في أعين المضطهدات، فلتصمت. اصمت واصغِ.

النص الأصلي على "متراس". ينشر بالاتفاق مع الموقع.

مقالات من فلسطين

من قتل يارا؟

إليكم العناصر الفعلية لحبكة قصة مقتل يارا، الصبية الفلسطينية من إحدى قرى الجليل.. بغض النظر عن الملابسات المخصوصة لجريمة قتل "عادية" تطال النساء.

في تسفيه العبثية: مثال غزة

غزة، في مسيرات العودة الكبرى كما في إدارتها لعملية التسلل الاخيرة، إحباطاً لها ورداً على القصف بقصف رادع مضاد، قدمت جواباً عملياً ملموساً يسد أفواه من يُنظّرون لضرورة الاستسلام ولعبثية...

للكاتب نفسه