نهاية سلاح المليشيات السوريّة

لا بد من فهم العناوين الجديدة للسلاح داخل البنيّة الاجتماعيّة. فهو ليس أداة ماديّة للقتل تحوزها المليشيات المتحاربة فحسب، بل صارت حيازته تعبيراً رمزياً عن سلطة موازية لسلطة دولة القانون الغائبة.
2018-10-13

أيمن الشوفي

صحافي من سوريا


شارك
سلافة حجازي - سوريا

تكاثر السلاح في سوريا، حتى فاقت قيمته الرمزيّة كل الوظائف الماديّة التي يمكن أن يؤديها داخل تشعّبات الحرب المضنية، بل وصارت حيازته أمراً يستحسنه العامّة، وهم ينعون لأنفسهم تراخي القوانين الوضعيّة، وزوغان تطبيقها، وتعاظم فرضيات المنطق المسلّح، المشتقّة أصلاً من فكرة امتلاك السلاح وأشكال إدارته للمواضيع الحياتيّة، إدارةً لصيقةً مباشرة، أو مستترة وعن بعد.

كما لم يكن السلاح طيلة السنوات الماضية سوى تعبيراً مرئيّاً عن تعدد المليشيات التي تقاتل بالوصاية، وعلى استغراق المجتمع في التحوّل إلى ناصيّة تحتضن هذا الفريق أو ذاك، ورداءً يداري الطبيعة الدمويّة للصراع العسكري في البلاد. وسواء ظهر السلاح مجسداً ملموساً منتشراً على وجه اسمنت الحواجز، وإلى جوار البراميل الصدئة، أو تغلغل في أديم الاشتباكات العسكرية التي لم تهدأ إلا منذ أشهرٍ فقط، فهو يظل ذو طبيعة مزدوجة..

سلاح كثير، ميليشيات كثيرة

ظهر السلاح في سوريا بعد العام 2011 بوظيفته الماديّة أولاً، كونه أداة واضحة للقتل ولتحديد مناطق النفوذ، ثم لترهيب العامة وتركيعهم بناء على خوفهم الفطري. وبهذا صعدت سلطة السلاح لتتمسّك بها مجموعاتٌ مقاتلة ظهرت من فجّ الانقسام السياسي الكبير بين النظام القائم والمعارضة الناشئة، فكانت تولد أو تنقسم أو تتحد فيما بينها داخل رحم معركة الفناء الكبرى، وهي ترابط بسلاحها على أطراف المدن الكبيرة، وفي داخلها.. تخوض اشتباكاتٍ محتومة، تروّج بعدها إلى انتصاراتٍ خاطفة، أو تبرر هزائماً تكتيكيّة. وحين تهدأ الجبهات، ينتقل السلاح من وظيفته الماديّة الأولى، إلى وظيفته الرمزيّة في تجسيد سلطة من يحمله، سواء في إدارة مناطق النفوذ، أو في الاشراف على المعابر التي تفصل ما بين المناطق المتنازع عليها. ومع تعاظم سلطة السلاح صار بإمكان العديد من المليشيات أن تدير عمليات التجارة بالمشّتقات النفطيّة، والمخدّرات، والسجائر المهرّبة، والمسروقات الثقيلة، والمواد التموينيّة، وتحوّل بعض قادة تلك المليشيات إلى "أمراء حرب"، بثراوتٍ راكمتها معادلة النهب الطويل، وأعمال المرتزقة. وأغلب تلك الجماعات كانت تدفع رواتباً للمنتسبين إليها تتراوح بين المئة والأربعمئة دولار، سواء كانت تتبع للنظام أو للمعارضة.

أزاح السلاح ومعه المليشيات المتحاربة محور الحراك الاجتماعي عن نقطة توازنه الأولى عام 2011، بحيث استرسل المجتمع لاحقاً في حالةٍ تشبه الغيبوبة أو "الكوما"، بقي يتفرّج فيها على تناحر الأطراف المتحاربة، في معاركٍ كانت تُسابق نفسها على خارطة البلاد الواسعة، وتركَ الدول الراعية للملف السوري ("Sponsors" الحرب السوريّة) تقرر مصير البلاد في تقاعسٍ أكمل عامه السابع، بحيث جرى تفتيت الصراع المسلّح إلى مكونّات ضيقة تديرها المليشيات في حربٍ هرولت في مكانها سنواتٍ طويلة. وتدريجيّاً، تكاثرت المليشيات التي تقاتل بالنيابة عن النظام فزاد على ميليشيا "قوى الدفاع الوطني" التي جنّدت نحو مئة ألف سوري في صفوفها، لواء "درع الساحل"، ثم "كتائب البعث"، وميليشيا "صقور الصحراء"، وأخرى ذات تكوين طائفي مثل "مكتب الحماية السرياني" (وسواه لدى سواهم!).. وبعض التشكيلات الدينيّة المسلّحة في الجنوب السوري.

جرى تفتيت الصراع المسلّح إلى مكونّات ضيقة تديرها المليشيات في حربٍ هرولت في مكانها سنواتٍ طويلة..

وظهرت ميليشيات حاربت جيش النظام والمجموعات المسلّحة الموالية له، بعضها جاء ليكنس خيبة الجيش الحرّ مثل "لواء شهداء سوريا"، و"ألوية الفاروق"، و"لواء الفتح".. وبعضها الآخر جاء تعبيراً على نمو الراديكاليّة السنيّة ودخولها معادلة الصراع المسلّح في سوريا، مثل "لواء أحرار سوريا"، و"صقور الشام"، و"لواء التوحيد"، و"لواء الإسلام"، ثم ألوية "أحفاد الرسول" التي ألّفتها 40 مجموعة إسلاميّة مسلحة، ثم تجمّع "أنصار الإسلام" الذي تشكّل من 7 جماعات إسلامية في محيط دمشق.

وبخلاف ميليشيات النظام، دخلت الميليشيات الإسلاميّة في بازار الاندماج حيناً والانقسام حيناً آخر، وتقاتلت مرّاتٍ عديدة فيما بينها، وفي كلّ مرّة كان السلاح هو الرأسمال الثقيل الذي يوسّع من مناطق نفوذها أو يضيّقها. وبعيداً عن وظائف السلاح الملحّة، وكل مظاهر السلطة والمال التي جذبتها إلى حامليه، كان الفقراء يتساقطون على شاطئ الجوع خلال حصار الغوطة والمخيّمات، أو يسترون برواتبهم الشحيحة عورة الحياة داخل مناطق سيطرة النظام.

بانتظار تجريد المليشيات من سلاحها

يتمشّى برنامج نزع سلاح المليشيات السورية في الأروقة الباردة للأمم المتحدة، كما لو أنّه رثاءٌ باهت لغياب الحلّ السياسي. فالسلاح في سوريا تحوّل أيضاً إلى أداة للتكسّب بعدما صار يحمي ويدير منظومات كاملة من التهريب، والتجارة بالممنوعات، ونهب المناطق التي تَهجّر سكّانها، داخل نظامٍ اقتصادي متهالك تديره بيروقراطيّة السلطة، ويتغذّا منهُ رموزها. ولا يكفي هنا أن تتعهد بعض دول الاتحاد الأوروبي المهتمة بعودة اللاجئين السوريين استعدادها لتمويل برنامج نزع الأسلحة، قبل أن تفهم العناوين الجديدة للسلاح داخل البنيّة الاجتماعيّة. فهو ليس أداة ماديّة للقتل تحوزها المليشيات المتحاربة فحسب، بل صارت حيازته تعبيراً رمزياً عن سلطة موازية لسلطة دولة القانون الغائبة.

تحول السلاح في سوريا إلى أداة للتكسّب بعدما صار يحمي ويدير منظومات كاملة من التهريب والتجارة بالممنوعات ونهب المناطق التي تَهجّر سكّانها..

وعلى أيّ حال، لم يقطع هذا البرنامج أيّ خطواتٍ ملموسة بعد، سوى أنه بقي أشبه بإعلان النوايا الحسنة التي خرجت من فم "ألكسندر زويف" مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون "سيادة القانون والوكالات الأمنية" حين قال بأنه لا يوجد تفويض رسميّ بهذا الخصوص لا من مجلس الأمن الدولي، ولا من الحكومة السوريّة. غير أنّ عدداً من دول الاتحاد الأوروبي مهتمّة بهذا البرنامج، بعضها من أجل رأس المال السياسي، والبعض الآخر لأسباب اجتماعية واقتصادية.

لكن، وبعيداً عن رؤى هذا البرنامج، قامت روسيا بالفعل خلال شهر تموّز / يوليو من هذا العام بسحب سلاح وذخائر بعض المليشيات الموالية للنظام حين كانت تقاتل على الضفة الشرقيّة لنهر الفرات في دير الزور، بسبب عدم تطبيقها للتعليمات العسكريّة الروسيّة.

مثل هذا السلوك يقدّم قراءة أوّلية تفيد بأن الروس لا يمانعون نزع أسلحة المليشيات الموالية، بعد انتفاء الحاجة الموضوعيّة إليها، والتفكير بإعادة دمج مكوّناتها البشريّة ضمن نسق الحياة المدنيّة أو العسكريّة، وحصر حيازة السلاح بالجيش النظامي فقط، لاسيما بعد خروج المليشيات الإسلامية المعارضة من محيط دمشق، وانتقال دائرة التوتر العسكري وبؤرته إلى الشمال السوري.

مقالات من سوريا

للكاتب نفسه