تونس: عن طقوس العبور وقصص المرحّلين

سيرة حرّاقين من تونس الى ايطاليا، مروية على ألسنتهم: السعي للعبور، والبحر، ومعسكرات الإيواء ثم إعادة الترحيل. رواية للمعنى الشخصي والنفسي للمغامرة، يكشف بقوة الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وما يتغير في بنى منظومات العلاقات كافة.
2018-10-03

فؤاد غربالي

باحث في علم الاجتماع، من تونس


شارك
جوني سمعان - سوريا

تم دعم هذه المطبوعة من قبل مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المطبوعة أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

يبدو أن هاجس الرحيل ومغادرة البلاد نحو أوروبا هو "الحلم المقدس" لشبيبة تونسية صارت مسكونة بالإحباط والخوف من المستقبل. يرى أغلب الشبان أن لا أمل بالعيش في بلد صار بمثابة "سجن كبير" يحكمه الشيوخ، وتسيطر عليه مافيات الفساد الخارجة من جحورها بعيد "انتفاضة 14 جانفي"، التي هتف فيها بعض من هؤلاء الشبان شعارات "التشغيل استحقاق يا عصابة السراق" و"الشعب يريد إسقاط النظام"..

إحباط ام احتجاج؟

بعد ثماني سنوات على الانتفاضة، يتزايد اليوم عدد العصابات المتنفِذة. النظام لم يسقط، وتهاوت أحلام الشبيبة بإمكانية التغيير. لهذا تتمحور الأحاديث اليومية للشباب في المقاهي والحانات، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، عن "الهجّة" التي تعني باللهجة التونسية "المغادرة إلى أي مكان". التعبير لا يعني في منطوقه الدلالي المغادرة بقدر ما يعني القطيعة الرمزية مع واقع يُتمثل ويأوَّل ذاتياً بوصفه "غير محتمل".

وفق هذا المعنى، يبدو خيار الهجرة أشبه ما يكون بحركة احتجاج ومقاومة تعتمد على الانخراط في لعبة التبادل الرمزي مع الموت. "فالحارقون" هم مغامرون قد يصلون إلى تخوم الموت، وقد يُسعَفون بالنجاة، ولكنهم يصرّون دائما على تحقيق أحلامهم. تتمثل أحلامهم في الإقامة بأوروبا والعثور على عمل يسمح لهم بأن يعيشوا بكرامة والزواج بامرأة أوروبية من أجل الحصول على أوراق الإقامة في الأغلب، واقتناء سيارة وإرسال بعض ما يتبقى إلى العائلة.

أحلام بسيطة. لا يحلم الشبان الهاربون من جحيم "جنوب المتوسط" بأن يصبحوا أثرياء بل فقط أن ''يكونوا مثل الآخرين" أي مندمجون وينظر إليهم باحترام. فالمسألة متعلقة اساساً بإثبات وجودهم الشخصي الذي عجزوا عن تحقيقه في بلدانهم. فحين نتحدث إلى الشبان الذين يفكرون في خوض تجربة الهجرة السرية، أو الذين خاضوها وفشلوا لسبب أو لآخر، نجد أن الشعور الذي يعتريهم هو أن "الحياة هنا قاسية" وأنهم "محتَقرون" ولا أحد يعيرهم اهتماماً. يحاصرهم عنف البوليس ويجعلهم مشدودين إلى أماكن سكناهم، أحياء شعبية في الغالب، ومناطق داخلية تخلّت عنها الدولة، حيث البطالة والهشاشة المهنية والفقر واهتراء البنية التحتية وانتشار العنف، علاوة على هيمنة منظومة أخلاقية تقليدية تمارس الرقابة على الرغبات والحميميات الخاصة. لهذا نجد أن العديد من الشبان الساعين للهجرة غير النظامية أو الذين خاضوها قد شكلوا تصوّراتهم عن أنفسهم وعن البلاد خارج الأطر التقليدية بدءاً من العائلة وصولاً إلى المدرسة التي رمت بأغلبهم إلى الشارع دون مؤهلات مهنية.

يبدو خيار الهجرة أشبه ما يكون بحركة احتجاج ومقاومة تعتمد على الانخراط في لعبة التبادل الرمزي مع الموت. "فالحارقون" هم مغامرون قد يصلون إلى تخوم الموت، وقد يُسعَفون بالنجاة، ولكنهم يصرون دائما على تحقيق أحلامهم.. وهي بسيطة.

تشير دراسات متقاطعة أن أكثر من 120 ألف تونسي ينقطع سنوياً عن الدراسة، يظلّ أكثر من نصفهم في "وضعية انتظار"، أي دون عمل ودون تكوين وغير منخرطين في البحث عن عمل. فالمدرسة فقدت مشروعيتها منذ بداية تسعينات القرن الماضي مع تصاعد بطالة ما يُعرف بـ"أصحاب الشهادات العليا"، إضافة إلى تراجع ملحوظ لدور المدرسة العمومية لصالح التعليم الخاص المتصاعد تحت وطأة وإكراهات إقتصاد السوق وتوصيات البنك وصندوق النقد الدوليان، التي جعلت من الدولة مجرد "متصرف في البؤس" ومدير أمني يحمي الأغنياء من ''عنف الفقراء".

عن طقوس العبور نحو لامبيدوزا

لكن ما يهم في كل هذا ليس العلاقات السببية والعوامل الموضوعية والبنيوية التي تدفع بالكثير من الشبان التونسيين إلى المغامرة بحياتهم والذهاب نحو الأقصى. بل هي التجارب الذاتية، صوت الفاعلين أنفسهم وتمثلاتهم والمبررات التي يقدمونها لتفسير انخراطهم في الهجرة غير النظامية. ولفهم "الحرقة" من حيث هي تجربة إجتماعية لا بد من أن نصغي "للحارقين" بوصفهم ذوات فاعلة تمتلك القدرة على تبرير فعل الحرقة والمحاجة فيه، وكذلك القدرة على تشكيل هوية سردية تجعل من تجربة العبور السري إلى السواحل الإيطالية والترحيل القسري "قصة تحكى"، ولكن أيضاً كطقس عبور كثيف المعنى والدلالة. فهم يحكون محاولاتهم للنجاة من واقع البؤس عبر المغامرة بحياتهم من أجل ما يعتقدون أنها أحلام يريدون تحقيقها. كما يحكون أيضاً عن فشلهم وإصرارهم على المعاودة من جديد. كل هذا يضفي بالتأكيد معنى ذاتياً على تجربة الحرقة، لا يمكن إدراكه إلا بوضعه ضمن سياقاته الإجتماعية والإقتصادية والسياسية.

تبدأ قصة العبور إلى سواحل إيطاليا بعد العثور على "الخيط" الذي سيربط الحالمين بأوروبا بشبكة منظمة للهجرة غير النظامية، والخيط في لغة الحراقة يعني ''الوسيط" الذي سيقوم بعمليات التنسيق بين المرشحين للحرقة وتجميعهم في الموعد والمكان المحددين.. وتسلّم ثمن الحرقة الذي تصل يتراوح ما بين 1000 و2000 دولار للفرد الواحد، والمبلغ غير قابل للتفاوض حين يكون الطلب متزايدا وإمكانية الوصول شبه متحققة. الوسطاء عادة ما تكون لهم الخبرة الكافية لتنظيم عمليات الحرقة. فهم يجيدون التخفي عن عيون الأمن، أو بالأحرى تربطهم شبكة علاقات جيدة مع رجال الأمن، حيث يتم تبادل المنافع من أجل تحويل وجهة المراقبة الأمنية. بل أن بعض رجال الأمن يشرفون مباشرة على عمليات الحرقة. بهذا المعنى فالهجرة غير النظامية هي جزء من اقتصاد غير نظامي يدر أرباحاً كثيرة، وتتعامل معه الدولة اليومية على هذا النحو. فهي تمنعه حيناً وتغض عنه الطرف أحياناً أخرى وفق ما تمليه الظروف.

يحاصر عنف البوليس الشباب ويجعلهم مشدودين إلى أماكن سكناهم، وهي أحياء شعبية في الغالب، ومناطق داخلية تخلّت عنها الدولة، حيث البطالة والهشاشة المهنية والفقر واهتراء البنية التحتية وانتشار العنف، علاوة على هيمنة منظومة أخلاقية تقليدية تمارس الرقابة على الرغبات والحميميات الخاصة.

.. هناك إذاً رواية أخرى عن السلطة والهجرة غير النظامية والفساد. لكن الإحراج الأساسي للسلطات الرسمية لا يتأتى من العدد الكبير للشبان المهاجرين بطريقة غير نظامية، ولا من عدد الضحايا الذين قد يغرقون في عرض البحر، ولا حتى من فضائح التستر الأمني. إنه يتأتى تحديداً من الإتحاد الأوروبي الذي يُذكّر في كل مرة أن على الدولة التونسية أن تحرس بشكل جيد مياهها الإقليمية، وأن تلتزم بدور الشرطي. وطرق الضغط بالنسبة ''للشريك الأوروبي" متعددة وقوية.

الحارقون في "قاعات الانتظار": تحت وطأة الزمن

للحارقين أيضا قاعات انتظارهم قبل الرحيل. طبعاً هي لا تشبه قاعات الانتظار في المطارات، حيت المكيفات والمشروبات وكؤوس الجعة الباردة والعابرين نحو كل عواصم الدنيا. في "قاعات انتظار" الحرّاقة الأمر مختلف تماماً. الوجهة واحدة، هي جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، وموعد انطلاق الرحلة خاضع لسلطة منظمي الرحلة ولقائد المركب، الذي عادة ما يحمَّل أكثر من سعته الحقيقية، بغية زيادة الربح. مدة الانتظار قد تطول أو تقصر، لكنها لا يمكن أن تتجاوز خمسة أيام. وانتظار انطلاق الرحلة هي لحظة حاسمة في تجربة الهجرة غير النظامية، وتسمّى في لغة الحراقة "التقوين"، ومكان الانتظار يسمى "قونة" حيث يتم تجميع الشبان الذين قرروا خوض الهجرة غير النظامية في مكان يختاره المنظمون. عادة ما يكون المكان قريباً من مكان انطلاق الرحلة (تنطلق أغلبها من سواحل مدينة صفاقس وجرجيس وقليبية). وتخضع المجموعة المهاجرة إلى سلطة منظمي الرحلة حيث عليهم أن يلتزموا بالأوامر وتتكون مجموعة الحارقين من كل مناطق البلاد، ولكن الحارقين لا يهاجرون فرادى بل كمجموعات صغيرة تربط بين أفرادها علاقات قرابة أو صداقة أو جيرة، ذلك أن الحاجة للتضامن ضرورية، إذ أنه من الممكن أن تنشب معارك مع مجموعات أخرى أثناء فترة الانتظار أو أثناء الرحلة في عرض البحر.

يتحدث هشام من مدينة الرديف من محافظة قفصة جنوب البلاد عن تجربة "التقوين" في سواحل مدينة صفاقس: "كنت أعتقد أن القونة هي منزل ككل المنازل. يعني لا أقصد أن يكون فيلا فخمة ولكن أن يكون فيه الحد الأدنى من المواصفات مثل المرحاض مثلاً. ذهبت فوجدت نفسي في مدجنة نجلس على الإسفلت. أنا كنت محظوظاً لأني كنت من أوائل الواصلين إلى مكان التقوين فوجدت بعض الأفرشة. أما عن الأكل فيدفع كل فرد دولارين من أجل سندويش فيأتوننا بالخبز وحكة هريسة (بعض معجون الفلفل الحار). وعندما نحتج يقولون لنا هذا هو المتوفر. أحياناً تنشب معارك بين أفراد المجموعة فيتفطن الجيران، وعندها علينا أن نغير المكان وهذا يتم في الليل دون أي وسيلة نقل، حيث يعول كلٌ على نفسه وعلى قدراته في الجري بين أشجار الزيتون. المدجنة تعتبر جنة مقارنة بالمكان الثاني، إذ وجدنا أنفسنا في مسجد في طور البناء، وغير مغطى، وهو ما جعلنا عرضة للبرد القارس خاصة في الليل. دام الأمر على هذا النحو لمدة أربعة أيام.. بعد ذلك أعلمونا أننا سنخرج إلى البحر. كانت الساعة حينها تشير إلى الحادية عشرة ليلاً.. رمونا - أكثر من ثلاثمئة شخص - في شاحنة (يصمت هشام متذكراً..) لا تسمع في الطريق إلى مكان المغادرة سوى "إفتح الباب.. أغلق الباب". كان بجانبي طفل يصيح "سأفقد وعيي".. قلت له عليك بالصبر، سنصل.. أنت رميت بنفسك للموت وهذا واحد في المئة مما ينتظرك. تقلّص الأكسجين إلى الحد الذي شعرت فيه أن كل دقيقة تساوى ساعة. لم تعترضنا أي دورية أمن في الطريق على الرغم من أن المكان الذي انتظرنا فيه لا يبعد سوى بضعة الأمتار عن مركز الأمن".

المركب يتحرك: مشاعر متضاربة

انتهى "جحيم الانتظار" لتبدأ الرحلة في قلب البحر. ذلك أن المرور بتجربة الانتظار ضروري. فالانتظار هو طقس العبور وحدُّ بين إمكانات متعددة. ففشل التجربة قد يكون أثناء فترة "التقوين"، إذ من الممكن إجهاض "عملية الهجرة" من قبل الأمن أو بالتواطؤ بين قوات الأمن ومنظمي الرحلة الذين سيتقاسمون الأرباح فيما بعد.

إمكانيات التحايل قائمة وكل شيء متوقع. الضمانة الوحيدة هي الوصول إلى سواحل لمبيدوزا. وبالتالي فالصعود إلى المركب وركوب البحر هو مؤشر على تجاوز "امتحان الانتظار". أثناء صعود المركب تتضارب المشاعر وفق ثنائية الخوف والأمل.. قد يحمل المركب أكثر من 150 شخصاً، ولكن إذا كانت حالته جيدة فذلك يعني للحارقين أنه مؤشر مطمئن لأن احتمالات الغرق ومن ثم الموت قد تكون أقل. مع ذلك يظل المهاجرون تحت قلق اللامتوقع، فليسوا هم من يتحكم بقواعد اللعبة. يرمي الحارقون في تلك اللحظات بهوياتهم خلفهم، أي بتاريخهم وآلامهم الشخصية، فالبلاد ومآسيها صارت وراءهم.. إلى حين الوصول. البعض منهم قد يقرأ آيات قرآنية عند الصعود وتحرك المركب الذي تعم فيه حالة من الصياح بفعل الأمواج العالية أو يخيم عليه الصمت أحياناً أخرى.

قدرة قائد المركب على التعامل مع مفاجآت البحر حاسمة. أغلب من يقودون مراكب الهجرة غير النظامية هم بحارة سابقون اشتغلوا بالصيد البحري ما يمكّنهم من خبرة التعامل مع البحر. وانخراطهم في نقل المهاجرين السرّيين ناتج عن الأزمة التي تضرب البحارة الصغار الذين تخلت الدولة عن دعمهم، علاوة على منافسة أصحاب المراكب الكبيرة لهم. لهذا فالقيادة الجيدة للمركب مطمئنة للحارقين. لكن فكرة الموت تظل حاضرة في أذهانهم. لا يحملون معهم سترة نجاة لأن التمثل السائد لديهم هو أن الموت جزء من مغامرة الهجرة غير النظامية، وأنه في حالة انقلاب المركب فالموت حتمي.

قبيل إنطلاق المركب بقليل يتصل البعض منهم بأقاربهم، وعادة ما يكون أحد الإخوة وفي أحيان أخرى بالأب أو الأم. يتصلون بهم ليس للوداع وإنما ليخبروهم أنهم أخذوا الطريق نحو لمبيدوزا، أي نحو أحلامهم وأحلام عائلاتهم. فالهجرة غير النظامية هي محاولة للخلاص الفردي في وجه من وجوهها، لكنها أيضا غدت استثماراً عائلياً. فكثير من العائلات أصبحت هي من يعطي المال لأبنائها ويدفعهم نحو المغامرة.

فقدت المدرسة مشروعيتها منذ بداية تسعينات القرن الماضي، مع تصاعد بطالة ما يُعرف بـ"أصحاب الشهادات العليا"، إضافة إلى تراجع ملحوظ لدور المدرسة العمومية لصالح التعليم الخاص المتفاقم تحت وطأة إكراهات إقتصاد السوق وتوصيات البنك وصندوق النقد الدوليان، التي جعلت من الدولة مجرد "متصرف في البؤس" ومدير أمني يحمي الأغنياء من ''عنف الفقراء".

تحتاج المسألة لأكثر من تفسير، والأقرب هو أن العائلة كشبكة أمان تتحقق فيها الحماية للفرد لم تعد كذلك. لقد أصبحت بدورها عرضة للهشاشة والعطوبية من كل نوع. يصف هشام الرحلة في البحر ومشاعره عند إنطلاق المركب التي لاقى صعوبة أثناء المقابلة في وصفها والحديث عنها بعبارات متناسقة: "قبل أن ينطلق "الشقف" (أي المركب) إتصلت بأخي. وقتها ولم أرد أن أتصل بأي شخص آخر، إتصلت به هو لأخبره أننا سنغادر. كنت أعتقد حينها أنها الساعة الواحدة ليلاً ولكن لو كنت أعرف لما اتصلت به. الساعة كانت حينها العاشرة. الناس لم يناموا بعد. هناك تداخل لثنائية المشاعر.. أن تكون سعيداً لأنك ستغادر البلاد وخائفاً من أن يحبط الأمن الرحلة - رغم أني كنت متأكدا أنه لن يحصل - وخائفاً من الموت أيضاً.. ولكن الشعور الطاغي هو شعور الفرح.. شعور أنك ستغادر البلاد، لتحقق أحلامك.. لحظات الخوف كانت حين توقف محرك المركب عن الإشتغال في المياه.. هناك من بيننا من له قريب يعمل في الأمن، فاتصل به عبر الهاتف وتحصلنا على شيفرة ال "جي. بي. أس." (البوصلة الإلكترونية). إتصل بنا خفر السواحل التونسية وأعلمونا أن خفر السواحل الإيطالية سيأتون لإنقاذنا.. بقينا أكثر من أربع ساعات مع خفر السواحل الإيطالية فوق الماء. كانت أسئلتهم عن رقم الهاتف الذي يبدو أنه رمي في الماء. كانوا يريدون التأكد أننا نحن من اتصلنا.. بعد ذلك أخذونا إلى لمبيدوزا (Lampedusa) .. لقد وصلنا بسلام". يضيف أنور، وهو مهاجر غير نظامي وقع ترحيله من إيطاليا الى تونس مؤخراً، واصفاً إحساسه حين إنطلق المركب: "كنت أشعر بسعادة بالغة كلما ابتعدنا عن الأضواء التونسية.. كنا نخاف الأمن أما الموت فلم يخطر على ذهني أصلا''.

لمبيدوزا: وصلنا بسلام ولكن ...

الوصول يعني أن رحلة العبور قد نجحت رغم لحظات الخوف والشك. لا يفكر الحارقون في أحلامهم فقط التي غامروا من أجلها، بل في الوصول بسلام، ما يعني أن آمالهم قريبة التحقق رغم إدراكهم أن الكثير من المصاعب ينتظرهم. الهاجس الأكبر للحارقين هو أن يقع ترحيلهم قسرياً إلى تونس وأن يطردوا من ''جنة شمال المتوسط" نحو "جحيم جنوبه". يستقبل الحارقون عادة متطوعين في جمعيات إيطالية وأوروبية تناضل وتضغط لتغيير سياسات الهجرة التي يعتمدها الإتحاد الأوروبي. يمدونهم بالماء وببعض العصائر والأغطية.

لن يجد الحراقة أنفسهم في شوارع روما وباليرمو مباشرة بعد ذلك. سيتم وضعهم في مركز إيواء بعد إجراءات بيروقراطية تتخذ صبغة أمنية تتمثل في السؤال عن الجنسية، وعن الهوية، ويتم كذلك أخذ البصمات مع بعض الإجراءات الطبية. يتوخى بعض الحارقين إستراتيجية تغيير أسمائهم وجنسياتهم. فهم لا يحملون معهم بطاقات هوية. يحملون فقط هواتفهم الذكية. فهم مندمجون أيضاً بشكل ما في العولمة! البعض الآخر يذكرون أسماءهم الحقيقية. طبعا كل حسب خبراته السابقة وحساباته وإكراهات التحقيق والاتفاقات المسبقة مع المجموعة.

الإحراج الأساسي للسلطات الرسمية لا يتأتى من العدد الكبير للشبان المهاجرين بطريقة غير نظامية، ولا من عدد الضحايا الذين قد يغرقون في عرض البحر، ولا حتى من فضائح التستر الأمني. بل تحديداً من الإتحاد الأوروبي الذي يُذكّر في كل مرة أن على الدولة التونسية أن تحرس بشكل جيد مياهها الإقليمية وأن تلتزم بدور الشرطي.

مركز الإيواء في لامبيدوزا هو قاعة إنتظار أخرى ومكان عبور يعرفه الحارقون جيداً. في لامبيدوزا يُسمح للمهاجرين بالخروج من المأوى ولكن تحت رقابة الأمن الإيطالي الذي يحرص على عودتهم إلى المركز. يخرجون لشراء بعض حاجاتهم البسيطة، كما للاتصال بعائلاتهم. فهواتفهم تظلّ عندهم. لكن خروجهم هو في الغالب للبحث عن محاولات هروب من الجزيرة الصغيرة. حدّثنا هشام عن محاولته هو وبعض من أصدقائه سرقة مركب صغير للهروب، ولكنهم فشلوا لأن البنزين المتوفر لم يكن كافياً. يكره الحارقون الأكل الذي يقدم لهم داخل المركز. يكتفون فقط بشرائح البطاطس المجففة والكايك وبعض الأرز وتفاحة. يسمح لهم بعد حين باقتناء بعض الحلويات والسجائر.. ولكن الحلويات تحتوي على مواد مخدرة تجعل الجسد في حالة إرتخاء دائم حيث تتقلص الرغبات والشهوات الجنسية. فالمأوى ليس مجرد تجميع لمهاجرين غير نظاميين، إنه صيغة من صيغ التحكم في أجسادهم أيضاً ومحاولة تقييدها والسيطرة عليها. يكره الحارقون أكثر ما يكرهون المترجمين التونسيين المتعاونين مع السلطات الإيطالية أثناء التحقيقات الأمنية والقضائية. يشعرون أنهم يغدرون بهم ويتجاهلون الظروف التي دفعتهم لمغادرة البلاد ولا يبدون أي تعاطف معهم.

مغادرة لامبيدوزا رهين السلطات الإيطالية التي يمكن أن تسمح لهم بالمغادرة وأن يتدبروا أمرهم بعد ذلك، وأما الحل الثاني فهو الهروب، ولكن الخيار المرّ هو الترحيل القسري إلى تونس، إنه أمر يشبه الموت ويعادله.

الترحيل: كم تمنينا لو سقطت الطائرة

للحارقين في أوروبا أصدقاء قدامى وأقارب ونساء أوروبيات عرفوهن عبر فايسبوك. هم يعولون عليهم لمساعدتهم لبدء حياة جديدة في أوروبا. من لا يمكلك شبكة علائقية متينة سيعمل بحكم إكراهات الواقع على صناعتها. يعمل من ينجح في النجاة من الترحيل في مهن هشة وبسيطة. البعض الآخر يشتغلون في ''الريسك" ("المخاطرة") اي في مهن ممنوعة مثل بيع المخدرات. ولكن الوصول إلى لامبيدوزا لا يعني دائما النجاح، فقد يكون الخيار الذي تتبعه السلطات الإيطالية بموافقة السلطات التونسية هو الترحيل القسري.

لا أحد يعرف عدد المرحّلين من إيطاليا إلى تونس. السلطات التونسية تخفي ذلك، لكن تقديرات "المنتدى التونسي للحقوق الإقتصادية والإجتماعية" تقول إنهم بالآلاف. وليس هناك "مجتمع مدني" يستقبلهم، فعدد الجمعيات التي تشتغل حول الهجرة قليل جداً في تونس. يتم إستقبال المرحلين من إيطاليا في مطار النفيضة، جنوب العاصمة، حيث حركة المسافرين قليلة جداً مقارنة بمطار تونس قرطاج الدولي، الذي يمثل الواجهة الرسمية للبلاد. يستغل مطار النفيضة في رحلات تجارية أو رحلات ذات طابع خاص جداً مثل ترحيل المهاجرين غير النظاميين، أو بعض من علقت بهم تهم إرهابية في أوروبا. يتم إستقبال المرحلين بعيداً عن عيون الصحافيين فالسلطات الأمنية تتكفل بكل شيء. يروي لنا المرحلون تجربة الاستقبال الأمني في مطار النفيضة. يقولون إنها ليست قاسية عموما. فالمطلوب هو التعاون، أي عدم الكذب. تتعلق الأسئلة بالممارسات الدينية للمرحّلين، وهي أسئلة ترتبط بمعرفة إحتمالات وجود إرهابيين بينهم. ولكن الأسئلة الأخرى تتمحور حول مكان انطلاق الحراقة، ومن سهّل لهم الهجرة، وكيف أتوا بالمال، ما هي نوع السيارة التي أقلتهم من مكان التقوين نحو المركب؟ يتعامل رجال الأمن مع المرحلين كمصدر للمعلومات لا غير. لا يخفي بعض الأمنيين تعاطفهم مع المرحلين، بل يعبر بعضهم أثناء التحقيق عن رغبتهم هم أيضاً بالحرقة. يأتي التعاطف من الأصول الطبقية لكثير من صغار الأمنيين التي تتشابه مع المرحلين، ولكن أيضا لكون "الجميع قد سئم العيش في البلاد".

يسمح بعد حين باقتناء بعض الحلويات والسجائر.. ولكن الحلويات تحتوي على مواد مخدرة تجعل الجسد في حالة ارتخاء دائم حيث تتقلص الرغبات والشهوات الجنسية. فالمأوى ليس مجرد تجميع لمهاجرين غير نظاميين، إنه صيغة من صيغ التحكم في أجسادهم أيضاً ومحاولة تقييدها والسيطرة عليها.

المؤلم في تجربة الترحيل هي بداياتها هناك، في إيطاليا، حين تقرر السلطات الإيطالية ترحيل مجموعات كبيرة من المهاجرين غير النظاميين إلى بلدانهم التي جاؤوا منها. تخضع عملية الترحيل إلى بيروقراطية وإجراءات أمنية يراها المرحلون قاسية جدا. لا يتم إعلام المجموعات المرحلة بموعد الترحيل. فالعملية تتم بشكل مفاجئ. يأتي الأمنيون على حين غرة لمركز الإيواء. يتأكدون من قائمة أسماء المزمع ترحيلهم. يقع تفتيشهم بدقة على نحو يمس من كرامتهم الجسدية. يدرك المهاجرون حينها أنه سيقع ترحيلهم. فالقصص التي سمعوها ممن سبقوهم تساعدهم على تأويل سلوك الأمن الإيطالي. بعد ذلك يتم تسفيرهم في حافلات حيث سيلتقون القنصل التونسي في مدينة ميلانو. وهو ممثل الدولة التونسية التي يجب عليها أن تؤكد أن من سيقع ترحيلهم هم تونسيون. المرحلون يؤكدون أن معاملة القنصل فيها شيء شبيه بقسوة السلطات في البلاد. البعض قال لنا أنه أحس أن القنصل هو عميل تونسي لدى السلطات الإيطالية! يقول أحمد: "أنا من مدينة جرجيس، لهجتنا قريبة من اللهجة الليببة. قلت له أني لست تونسي وأني محكوم بسنتين سجن في ليبيا. فكانت إجابته باردة: يجب أن ترحل وإلا سيكونان سنتين ونصف سجن في تونس". برأي أحمد، كان بإمكان القنصل أن يقبل بحجته وأن ينجيه من الترحيل.. بعد الاستنطاق، يوقع المرحلون على وثائق باللغة الإيطالية، التي لا يجيدون قراءتها ولا يتكفل أياً كان بترجمتها، ثم يؤخذون للمطار. كل مرحّل يحرسه عون أمن بزي مدني. هناك من حاول الهرب من المطار لكن الشرطة لاحقته وأرجعته. كان هذا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017.

في الطائرة الإحساس مؤلم. الجميع يشعر بالفشل.. أموالهم التي خسروها، نظرة عائلاتهم التي عولت عليهم وأعطتهم "ثمن الحرقة". حتى أن الجميع يتمنى لو تسقط الطائرة أو تنفجر في السماء. يصف أحمد التجربة، وهو الذي أرسل إلى مأوى في مدينة كاتانيا (Catania) قبل ترحيله إلى تونس: "في مأوى كاتانيا لا أمل بالهروب. إنه مصمم بطريقة الثكنة العسكرية، محاصر بالجيش والشرطة من الخارج. هناك حافلات في الانتظار. قبل أن آتي إلى كتانيا التقيت القنصل التونسي في ميلانو. قلت له هل أن الذين مكنتموهم من المغادرة هم أحسن منا. أتركونا رجاء. إجابة القنصل كانت باردة: لا أحد سيبقى هنا، سنرحل الجميع. كان يسألنا لماذا رحلتم وكيف ومن أي مكان. القنصل تشعر أنه عميل. يأتيه إبن بلده الذي عاش البؤس والجوع ويعلم الله كيف وصل إلى هنا (يصمت)، إكتفيت بأن قلت له الله يهديك. بعد ذلك وقعت على أوراق لم أعرفها وغادرت.. بقيتُ خمسة عشر يوماً في مأوى كاتانيا، يوم الترحيل يأتيك أمنيون ضخام الجثة إلى الحد الذي لا تستطيع فيه مقاومتهم. يقومون بتفتيشك بدقة. طلبوا مني أن أنزع سروالي فرفضت. قبلوا الرفض في الحقيقة. ثم ينزعون منك الهاتف وخيوط الحذاء وكل الخيوط الأخرى.. حين نصل إلى الطائرة في مطار باليرمو ينزعون عنا الكلبشات ويرافقنا أعوان أمن بالزي المدني. في الطائرة كلٌ في مكانه، لا أحد يُسمح له بالوقوف. حين نصل يرافقوننا إلى باب الطائرة فقط.. إحساسي وأنا في الطائرة أنه لم يعد ثمة أمل، تشعر بالاختناق. تفكر في اللحظة التي غادرت فيها البلاد. تفكر في أمك وأبيك. كان الجميع في الطائرة يدعون الله أن تسقط الطائرة''.

تجربة الترحيل مرّة وتختزن إحساساً بفشل شخصي لا يحتمل. لهذا ينطوي المرحلون على أنفسهم في الأيام الأولى بعد ترحيلهم. بعد ذلك ينخرطون من جديد في العمل الهش كي يستمروا في العيش. البعض تصبح له التزامات عائلية وينقطع عن التفكير في الهجرة غير النظامية. البعض الآخر يعاود الكرة أو يفكر في ذلك. ولكن التجربة تصبح جزءاً مشكِّلاً لهويتهم الشخصية، فقد أصبحت لهم "قصة"، بعد أن كانوا بلا قصص شخصية. يتفاخر البعض منهم بالتجربة وتتعمق لدى البعض الآخر هشاشته النفسية خاصة في ظل الظروف الإقتصادية الصعبة التي يعيشها أغلبهم. نظرة المرحلين الذي تحدثنا معهم للبلاد لم تتغير. الكثير منهم عبر عن كرهه لوسائل الإعلام المحلية التي اعتبرها متواطئة ضدهم، لأنها عادة ما تصفهم بكونهم لا يحبون البلاد وأنهم مجرمون ولا يحبون العمل.

الهجرة غير النظامية: إعادة تركيب للحدود

لا تبدو الهجرة غير النظامية كمجرد ظاهرة ترتبط بعوامل إقتصادية وسياسية، بل كتجربة إجتماعية تعاش ذاتياً. إنها جزء من عالم يتصاعد فيه اللايقين واللامساواة، ولكنها أساساً - وفيما يتعلق بالعلاقة بين أوروبا وجنوب المتوسط - أشبه ما تكون بعملية تركيب للحدود. فوجود حدود لا يمنع تدفقات المهاجرين.

المهاجرون غير النظاميين مؤثرين في الحدود بنفس الدرجة التي تؤثر الحدود فيهم، إلى الحد الذي اعتبر فيه "إلريش بك" أن المهاجرين السريين هم "فنانو الحدود''، فهم يعبثون بالترسيمات الكلاسيكية بين الدول ويشوشون أنظمتها القانونية المتناقضة. فبالنسبة للمهاجرين غير النظاميين يجب استعمال الحدود وتحويل مساراتها، ولكن الأهم هو عبورها. وهنا تحديداً يكمن الوجه السياسي للعلاقة بين أوروبا وجنوب المتوسط وبالاًخص تونس، حيث يتم التفاوض مع السلطات تحت وطأة شروط أوروبية تبحث عن التخفيف من تدفقات المهاجرين، والدفع بالتالي الى احترام الترسيمات الكلاسيكية. لكن التفاوض مهما كانت التوافقات التي سوف ينتجها، لا يستطيع إيقاف "مواسم الهجرة إلى الشمال".

محتوى هذه المطبوعة هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

تنويه: الشهادات المذكورة هي مقاطع مأخوذة من مقابلات شبه موجهة تتعلق ببحث ميداني أشارك به لصالح "المنتدى التونسي للحقوق الإقتصادية والإجتماعية" حول المهاجرين غير النظاميين المرحلين قسرياً من إيطاليا، فكل الشكر للسماح لنا بإستخدام مقاطع من الشهادات لصياغة هذا المقال.

مقالات من تونس

للكاتب نفسه