القمة الأميركية الخليجية القادمة والحلف الجديد

محاولة جديدة الآن تستحضر أنه قبل ستة عقود، توافقت لندن وواشنطن على إقامة حلف أمني/ عسكري باسم "منظمة اتفاقية الشرق الأوسط"، عرف بـ"حلف بغداد"، وحاربه عبد الناصر بقوة وسقط بعد الثورة ضد النظام الملكي في العراق.
2018-08-10

عبد الهادي خلف

أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة لوند ـ السويد، من البحرين


شارك
| fr
محمد عمران - سوريا

في 27 تموز/ يوليو الماضي، نشرت وسائل الإعلام أخباراً عن نية الرئيس الأميركي ترامب دعوة حكام بلدان الخليج العربية لحضور اجتماع قمة في العاصمة الأمريكية في منتصف شهر تشرين الأول/ أكتوبر. تهدف القمة - حسبما نُشر - إلى "رفع مستويات التعاون بين قادة الخليج والولايات المتحدة في مختلف الأصعدة الأمنية والعسكرية والسياسية، وفي مواجهة إيران". وأشارت الأخبار إلى أن الإدارة الأميركية تسعى أن تقرر القمة الخليجية/ الأميركية القادمة إعلان تشكيل إطار مؤسسي تحت إسم "التحالف الإستراتيجي شرق الأوسطي" - "ميسا" ( The Middle East Strategic Alliance).

الإعلان المنتظر كان متوقعاً أن يتم قبل أكثر من سنة، أي في ختام "الزيارة التاريخية" التي قام بها ترامب إلى الرياض في 22 أيار/ مايو 2017. لم تدم تلك الزيارة أكثر من يومين، إلا إنها شهدت إنعقاد ثلاثة إجتماعات قمة: واحدة ثنائية جمعت الرئيس الأميركي بالملك السعودي، وثانية جمعته مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي، وثالثة جمعته مع ممثلي نحو 55 دولة عربية وإسلامية إحتشدوا للقائه في الرياض.

ترامب وتأجيل إعلان الحلف الجديد

لم تتوصل القمم الثلاث إلى إتفاق حول إعلان الحلف الجديد. إلا أنه من المرجح أن تأجيل الإعلان في قمم الرياض عن الحلف الجديد كان قراراً أميركياً. على الرغم من ذلك، لا تتوفر معلومات حول أسباب التأجيل، سوى تكهنات يتعلق بعضها بشكليات من قبيل اسم الحلف المقترح، والدول التي ستشارك في تأسيسه، علاوة على تحديد الدول التي لن يسمح لها بالمشاركة فيه.

في معرض تفسير قرار التأجيل يبرز ما يتعلق بعدم قدرة الإدارة الأميركية برئاسة ترامب حتى الآن على صياغة إستراتيجية متماسكة لمنطقة الشرق الأوسط برمتها، بما فيها الخليج العربي. كما لا يمكن التقليل من أثر ما دار في كواليس القمة الخليجية بالذات من مناكفات بين الأمارات والسعودية من جهة وقطر من جهة أخرى، وتنافس الطرفين على تقديم التسهيلات السياسية والإقتصادية والعسكرية بهدف كسب ود الرئيس الأميركي. وقد تكون هذه العوامل ترافقت معاً لتجعل ترامب، حين كان في الرياض، في غير عجلة من أمره. وعلى الرغم من "تردده" - بل ربما بسبب هذا التردد - منحته السعودية وحدها عقوداً تجارية تفوق قيمتها 380 مليار دولار بما فيها عقود عسكرية بأكثر من 100 مليار دولار. ولذلك إكتفى المشاركون في القمم الثلاث بالصياغات العامة التي تضمنها ما سمي بـ"إعلان الرياض" الذي أكد على "الشراكة الوثيقة بين المشاركين لمواجهة التطرف والإرهاب بجميع أشكاله، والتصدي لجذوره الفكرية، وتجفيف مصادر تمويله"، و"تعزيز التعايش والتسامح البنّاء بين مختلف الدول والأديان والثقافات"، و"العزم على التصدي للأجندات المذهبية والطائفية والتدخل في شؤون الدول".

الحلف الجديد متعدد الأسماء

عادت أغلب وسائل الإعلام إلى تداول اسم "الناتو العربي" الذي كان يتردد في وسائل الإعلام في السنتين الأخيريتين في موازاة "الناتو الإسلامي" و"الناتو الشرق أوسطي". يعكس تعدد الأسماء إختلافاً في تصورات المعنيين بتأسيس الحلف لجهة تركيبته وشروط العضوية فيه ولدوره الإقليمي ولدور دولهم فيه وفي مؤسساته. من منظور المصالح الأميركية، فإن الصورة المثالية لهذا الحلف تتمثل في أن تتولى الولايات المتحدة قيادته، وتقوم السعودية والإمارات بتمويله، بينما تتعهد مصر والأردن بتوفير القوى البشرية التي ستتطلبها المهمات التي ستُوكل إليه. وفي مرحلة لاحقة، أي بعد تمرير صفقة القرن وتصفية القضية الفلسطينية، ستكون عضوية إسرائيل في الحلف تحصيل حاصل. لا يوجد ما يشير إلى إن هذه الرؤية الأميركية تتطابق مع رؤى الحكام العرب في بلدان الخليج ومصر والأردن، المعنيين مباشرة بمشاركة الرئيس الأمريكي في تأسيس الحلف الجديد. وفي الوقت نفسه، فليس ثمة ما يشير إلى إعتراضات هؤلاء الحكام العرب على تلك الرؤية، ناهيك عن قدرة أيٍ منهم على رفضها أو مقاومتها.

يجري تداول اسم "الناتو العربي" في موازاة "الناتو الإسلامي" و"الناتو الشرق أوسطي"، ويعكس تعدد الأسماء اختلافاً في تصورات المعنيين بتأسيس الحلف، لجهة تركيبته وشروط العضوية فيه ولدوره الإقليمي ولدور دولهم فيه وفي مؤسساته.

من المحتمل أن يطغى دور الحلف الجديد باسمه الأميركي ("التحالف الاستراتيجي الشرق أوسطي" - MESA) على الأدوار والترتيبات الأمنية والسياسية القائمة في منطقة الشرق الأوسط. أقدم تلك الترتيبات وأقلها أهمية هي "معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الإقتصادي" بين الدول الأعضاء في الجامعة العربية. فمنذ توقيعها في 1950، لم تلتزم الدول العربية بها ولم تترك أثراً لها سوى ما أنتجته من مؤسسات تزيينية. ومن المحتمل أيضاً أن يلغي الحلف الجديد عملياً حلفين أمنيين - عسكريين بذل حكام الخليج جهوداً وأموالاً في إقامتهما والبحث عن دور إقليمي لهما، أي "درع الجزيرة" و"التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب".

سيكون إلغاء "درع الجزيرة" تحصيل حاصل. وقد لا يشكل ذلك خسارة إستراتيجية لأيٍ من الدول الخليجية، فيما عدا البحرين التي قمع التدخل العسكري السعودي/ الإماراتي ربيعها في 2011 تحت غطاء "اتفاقية درع الجزيرة". عدا ذلك فهو لم يوفر منذ تأسيسه في 1982 سوى الحد الأدنى من التنسيق بين القوات العسكرية الخليجية عبر المناورات والتمرينات المشتركة. بل أصبح الدرع في حالة موت سريري منذ أكثر من ثلاث سنوات أي منذ أن ساهمت رعونة قرار إعلان حرب اليمن في إنهاء دوره الإقليمي المحتمل.

من جهة ثانية، سيفرض إعلان الحلف الجديد على حكام السعودية بالذات التخلي عن "التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب" الذي إستثمر فيه محمد بن سلمان الكثير سياسياً ومالياً منذ بداية بحثه عن مخرج من الحرب اليمنية. يضم التحالف الذي دعا لتأسيسه ولي العهد السعودي في نهاية 2015 أكثر من أربعين دولة عربية وإسلامية. وفي السنوات الثلاث التالية تمّ إتخاذ عدد من الإجراءات لتثبيت القواعد التي يتطلبها تنفيذ المشروع.

لا يُخفي ولي العهد السعودي إن التحالف الإسلامي هو حلف "الناتو" الذي ينوي إقامته ويعوِّل عليه لتحقيق طموحه في أن تكون مملكته قوة إقليمية مهيمنة وليست مجرد دولة ضمن دول أخرى خاضعة للنفوذ الأمريكي. يأمل محمد بن سلمان عن طريق الناتو (الإسلامي) أن تلعب السعودية بقيادته دور الشريك المهيمن نفسه الذي تلعبه الولايات المتحدة في حلف الناتو (الأصلي). ولهذا أعلن إن بلاده ستتحمل الجزء الأكبر من الأعباء المالية التي يتطلبها المشروع كما تحملتها الولايات المتحدة في حلف الأطلسي.

من منظور المصالح الأميركية، فالصورة المثالية لهذا الحلف تتمثل في أن تتولى الولايات المتحدة قيادته، وتقوم السعودية والإمارات بتمويله، بينما تتعهد مصر والأردن بتوفير القوى البشرية التي ستتطلبها المهمات التي ستُوكل إليه. وفي مرحلة لاحقة - أي بعد تمرير صفقة القرن وتصفية القضية الفلسطينية - ستكون عضوية إسرائيل في الحلف تحصيل حاصل.

وتشير الإجراءات التي إتخذها بن سلمان الى إقتناعه بأن الدور المركزي العسكري في الحلف الإسلامي هو للباكستان النووية، وليس لمصر أو غيرها. وفي هذا بعض ما يفسر إن أولى القرارات التي إتخذها ولي العهد السعودي لتنفيذ مشروعه الإسلامي هو تجنيد عدد من كبار الضباط الباكستانيين، بمن فيهم رئيس جهاز الإستخبارات العسكرية الجنرال أحمد شجاع باشا والقائد السابق للجيش الباكستاني الجنرال رحيل شريف الذي أُسند إليه منصب القائد العسكري للتحالف الإسلامي. وكان لهذا الأخير دور بارز في إجتماع "مجلس وزراء دفاع التحالف الإسلامي" الذي إستضافه ولي العهد السعودي في الرياض في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وأبدى إرتياحه الى أن دول التحالف "سوف تعمل معاً وسوف تنسق بشكل قوي جداً لدعم جهود بعضها البعض، سواء الجهود العسكرية أو الجانب المالي أو الجانب الاستخباراتي أو الجانب السياسي، (على أساس أن تقدم كل دولة ما تستطيع) في كل مجال حسب قدراتها وإمكانياتها". قريباً، سيجد ولي العهد السعودي وغيره من حكام المنطقة الحالمين بدور قيادي أنفسهم مرغمين على التنازل عن تلك الطموحات كافة إرضاءً للرئيس الأمريكي وأملاً في إستمرار الحماية الأمريكية لأنظمتهم.

حلف بغداد بدون أعمدته

في تشرين أول/ أكتوبر القادم سيجد كثيرون أسباباً لإستعادة أجزاء من تاريخ الهيمنة الغربية على منطقتنا ومقارنتها بأحوالها الراهنة. فقبل أكثر من ستة عقود، توافقت بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية على إقامة حلف أمني/ عسكري تحت إسم "منظمة إتفاقية الشرق الأوسط" ("ميتو" بالحروف الأولى من إسمه باللغة الإنجليزية). كان من المقرر أن تشارك في ذلك الحلف دول عربية وشرق أوسطية لمواجهة الاتحاد السوفياتي و"حماية شعوب المنطقة من الخطر الشيوعي". إلا إن الضغوط الغربية، وخاصة الأمريكية، فشلت في إقناع قادة الدول العربية الأخرى، وخاصة مصر، بأن مصدر "الخطر الرئيس على الأمن والسلام في المنطقة هو الإتحاد السوفياتي وليس إسرائيل". ولهذا إقتصرت عضوية ذلك الحلف، الذي عُرف فيما بعد بـ"حلف بغداد"، على تركيا والباكستان والعراق وإيران وبريطانيا. لم تصبح الولايات المتحدة الأمريكية نفسها عضو في ذلك الحلف، ولكنها شاركت في أنشطته العسكرية. لم تكتف مصر بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر برفض الإنضمام إلى "حلف بغداد"، بل قادت حركة شعبية واسعة شملت الوطن العربي برمته في مواجهته، بإعتباره حلفاً يخدم مصالح القوى الإمبريالية. وسقط ذلك الحلف بعد الثورة ضد النظام الملكي في العراق.

ستنعقد القمة الأميركية/ الخليجية القادمة في واشنطن قبل ثلاثة أسابيع من إعلان الرئيس الأميركي عن الدفعة التالية من العقوبات على إيران والتي ستشمل حظر تداول النفط الإيراني. ولهذا لا يتوقع أحدٌ أن يسمع الرئيس الأميركي إعتراض أيٍ من ضيوفه الخليجيين والعرب على رؤيته للحلف الجديد في الشرق الأوسط... أي حتى لو تضمنت وثيقة إعلان ولادة "التحالف الإستراتيجي شرق الأوسطي – ميسا" ما يشير صراحة أو ضمناً إلى عضوية إسرائيل فيه. فلقد وافق أغلب هؤلاء على الشعار الأمريكي القائل بأن "الخطر الرئيس على الأمن والسلام في المنطقة هو إيران وليس إسرائيل".

مقالات من السعودية

خفة ترامب التي لا تُحتمل

البارحة أعلن ترامب أنه "لولا السعودية لكانت إسرائيل في ورطة كبيرة"، ولكنه لم يستطرد في شرح هذا الحكم المقتضَب حتى الآن، والأمل أن يكشف أكثر في مقبِل الأيام.

النفاق، أو العالم كما يُدار

سيرد اليمن، كما يبدو، ضمن معادلة تقليم أظافر MBS، صاحب التصرفات الصاخبة والمزعجة وآخرها "طريقة" تصفية الخاشقجي (الاسلوب وليس الحدث!). مزيد من ابتزازه بالتأكيد، وإنما – وأيضاً - ادراك لانتفاء...

للكاتب نفسه

إنقاذ البحرين من الإفلاس

الاعلان عن "أكبر اكتشاف نفطي في البحرين" كان كذبة مكشوفة عنت أن السلطات فقدت السيطرة على الوضع الاقتصادي، وأن مصرف البحرين المركزي لم يعد يملك خيارات جدية لمنع انهيار الدينار...

حين أصبحت البحرين أفضل من سنغافورة!

"الأجانب" الامريكان والاوروبيين الذين يعملون كمستشارين في المصارف والشركات ومصالح الأمن، يستمتعون كثيرا بالاقامة في البحرين. لكن ماذا عن سائر "الاجانب"، من الفقراء والملونين، وهم أكثر من نصف مليون عامل...