عدن.. البركان يستيقظ

هذا الصيف، عاد الرئيس هادي إلى عدن، لكن بعد زيارة قصيرة إلى الإمارات. فالطريق إلى عدن يبدأ من أبو ظبي..
2018-08-03

عبد الرزاق الحطامي

كاتب من اليمن


شارك
نهاد الترك - سوريا

صيف مختلف تعيشه عدن، المدينة التي يقول الجيولوجيون إنها تتمدد على أكبر بركان نائم في أحشاء الأرض، وإن كل البراكين التي انفجرت في هذا الكون ليست – قياساً - إلا مفرقعات نارية.

تربط مروِّيات وإشارات دينية لحظة انفجار البركان العظيم بارهاصات المحشر والقيامة الكونية الكبرى. تؤجله بانتظار ذلك اليوم!

تغض عدن النظر عن تلك النبوءات، وهي ظلت لتاريخ طويل تمارس حياتها بطمأنينة ومسؤولية، كمدينة كونية تتصاهر على أرضها قوميات وأديان وأجناس وثقافات وحضارات.. الكنيسة والمسجد والمعبد.

لكأنما عدن هي غيرها الآن.

مدينة على قلق تتسع مساحته كلما ضاقت المدينة على أبنائها، ناهيك عن الآخرين. ثمة بركان آخر مخيف يعتمل على صدر عدن وقشرتها الناعمة والمتشققة. بركان يتململ في صيف فائر، بين كهرباء مطفأة وعرق يتصبّب بغزارة، وتصادم سياسي بين "السلطة الشرعية" اليمنية من جهة ودولة الإمارات من جهة أخرى وهي التي تشارك في عمليات "التحالف العربي" الساند للأولى، وتقبض على عدن بأصابع من يملك.

أواخر تموز/ يوليو 2014 أعلن "التحالف العربي" تحرير عدن من سيطرة الحوثيين، في عملية عرفت بـ"السهم الذهبي"، وشاركت فيها طائرات الأباتشي الإماراتية بفاعلية قصوى، وحصّلت منها الإمارات على قائمة شهداء من جنودها المشاركين في العملية. وما من شئ يمرُّ مجاناً في أبو ظبي.

لم تطل عملية "السهم الذهبي" أكثر من أسبوع واحد، الأمر الذي يثير عدم فاعلية "التحالف العربي" في بقية المحافظات التي ما زال يسيطر عليها الحوثيون. يثيرها ما بين الحيرة والاستفهام خاصةً وأن "عاصفة الحزم"، المسمّى العسكري لعمليات التحالف في اليمن تناهز- اليوم- عامها الرابع ، ولا علامات حسم في أفق العاصفة.

استدعى تحرير عدن من قبل "السلطة الشرعية" التي تعيش بكل هيئاتها الدستورية في الرياض الانتظار زمناً طويلاً لتفيق من غيبوبتها، وتكتشف أن ريحاً جديدة تمسك بخطام عاصفة الحزم وتقودها إلى مجاهل غير مرئية، وخطرة.

اكتشفت أيضاً أن من السم ما يلمع كالذهب، وأن السهم قد نشب في القلب. أرادت فعل شيء في مواجهة هذا الاكتشاف المرير والمتأخر، حين أدركت أن عدن ليست تحت سيطرة القوات الإماراتية فحسب (فهذه معضلة يمكن معالجتها)، بل هي خارج سيطرة السلطة الشرعية تماماً، وهذا سيعيي من يداويه.

أقال الرئيس عبد ربه منصور هادي حكومة المهندس خالد بحاح، الابن المدلل لأبو ظبي وتشكلت حكومة جديدة. خطوة لتأكيد أن "السلطة الشرعية" ما زالت حية ترزق وتقرِّر. وتكررت زيارات وَعَوْدات الرئيس والحكومة إلى عدن، بشكل خاطف وحذر، فدخلت عدن فوهة بركان آخر، يتلظّى بين الزيارة والعودة، الريح والعاصفة.

مقابل اليقظة المتأخرة للسلطة الشرعية، أطلق البركان النائم شخرة من سيستيقظ بعد دقيقتين. تناسلت من أنف البركان كيانات مسلحة مضادة للدولة وسهام ذهبية مصقولة بالسم وأشدّ بريقاً، اغتيالات وحرائق وافرازات انفصالية ومضايقات واعتداءات بالجملة على التجار والعاملين والمواطنين اليمنيين من محافظات شمالية.. وموت يتربص بعدن تحت كل قدم.

وفي عدن توالت اكتشافات "السلطة الشرعية" عند كل عودة، وكان الأشد مضاضة على قلبها هو أن السعودية تقود "التحالف العربي" وأن الإمارات هي من يقود السعودية.

كانت الإمارات قد أحكمت قبضتها على عدن وجزيرة سقطرى وجزر ومحافظات جنوبية أخرى، ولكن قلق "السلطة الشرعية" ظل مركزاً على عدن فهي محك شرعيتها، والعاصمة السياسية المؤقتة للدولة التي يفترض أن اليمنيين يخوضون معركة استعادتها.

اتهمت السلطة المهندس خالد بحاح ببيع سقطرى لشركات استثمارية اماراتية وفسح المجال للتوغل الإماراتي في عدن. كان الحزام الأمني الإماراتي قد طوّق اليمن من الخصر.

تشكّل تكتل أمني، صغير وخجول، هو قوة "الحماية الرئاسية"، بغرض إحداث موازاة أو توازن إزاء قوات "الحزام الأمني" التي تتبع الإمارات مباشرة وتمسك بقبضة حديدية كل مفاصل عدن وتديرها أمنياً. اقتصرت مهام "الحماية الرئاسية" على الحضور الشكلي في بضعة نقاط أمنية داخل المدينة، وبروتوكولات التأمين الأمني للرئيس والحكومة أثناء العودة الى عدن. وليس بمقدور "الحماية الرئاسية" حتى التوسط لإدخال مواطن يمني من محافظات الشمال، عالق عند أحد مداخل عدن لأن "الحزام الأمني" منعه من الدخول.

هذا الصيف، عاد الرئيس هادي إلى عدن، لكن بعد زيارة قصيرة إلى الإمارات، فالطريق إلى عدن يبدأ من أبو ظبي. صيف ملتهب. تتصبّب عدن عَرقاً غزيراً، تزيد من تدفقه حدّة حرارة الوضع السياسي والأمني التي تصل الى درجة الاحتراق. فعلى سطح عدن تتصادم قرارات ومصالح وتوجهات ومعادلات، وتمثَّل التشكيلات الإيديولوجية التي تقتل بأحكام الردة، والمجالس ذات النزعة الشطرية والعدائية، والتكوينات المرتبطة بـ"الحزام الأمني"، بركاناً نائماً تحت سحابة تسويات وتفاهمات، قد تنقشع في أية لحظة.

مقالات من اليمن

اليمن: متى تنتهي الحرب الملعونة؟

اجتماع استوكهولم بين الطرفين اليمنيين المتحاربين – وهما الطرفان الاقل شأناً في تلك الحرب – يمنح أملاً ليس بوقفها الفوري (وهو ما يجب)، بل بضبط تصعيدها وبحل بعض الشؤون الانسانية...

الفساد في اقتصاد الحرب اليمنية

2018-11-10

في اقتصاد الحرب، تظهر شبكات المحسوبية الآن بين شخصيات هامشية أو غير معروفة سابقاً. وقد ساهمت المشاركة المالية لكل من السعودية والإمارات في رعاية المصالح العابرة للحدود الوطنية. يشير التواطؤ...

للكاتب نفسه