سيناء: مهاجرون ومهرّبون وعساكر

في موضوع الهجرة عبر سيناء، تتداخل وظائف الأجهزة الأمنية ودورها الاستخباراتي والتجسسي مع التجارة والفقر والفساد. هكذا تنفلت الأوضاع على الرغم من حضور الأجهزة الأمنية وشدة المراقبة على المكان. وهكذا، وبالتالي، يتم تحييد القانون تماماً.
2018-08-01

علي الرجّال

باحث في علم الاجتماع السياسي متخصص في الدراسات الأمنية، من مصر


شارك
سمعان خوّام - سوريا

تم دعم هذه المطبوعة من قبل مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المطبوعة أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

لا شيء في سيناء كما هو في أي مكان آخر. حتى المهاجرين. فالمهاجرون هناك يعانون أكثر. ويختلط العظم بالحديد والتهريب بالعبودية في رحلة شاقة. يلقى كثيرون حتفهم في الطريق إلي سيناء قادمين من شرق السودان. يعاني المهاجرون في أماكن مختلفة من العالم من احتمال القتل أو الموت بسبب الظروف القاسية التي يتعرضون لها، أو يخضعون للإستغلال الجنسي والابتزاز، أو يتم خطفهم كرهائن. ولكن في سيناء يعانون المهاجرون أو المخطوفون من كل هذا معاً وفي نفس الوقت. ما دفع البعض بحلول 2015 لنحت مصطلح جديد في عالم الأكاديميا وحقوق الانسان يسمى بـ"تهريب سيناء" (Sinai Trafficking).

بدأ تهريب البشر إلى شمال سيناء بحلول عام 2009 حيث يتم "تخزينهم" بالمدن الحدودية، وتحديداً جنوب رفح والشيخ زويد. تبدأ الرحلة من شرق السودان حيث تقع مخيمات اللاجئين. هناك يسعى المهربون لاجتذاب المهاجرين واللاجئين الذين تركوا بلادهم بسبب الحروب أو القمع السياسي أو أعمال العنف أو الجوع. أغلب هؤلاء المهاجرين يأتون من إريتريا وإثيوبيا. وتتفوق أعداد الإريتريين بسبب القمع السياسي والفقر المدقع والتجنيد الذي قد لا يكون محدد المدة.

يمرّ خط التهريب من شرق السودان الذي تتولى مسؤوليته قبائل الرشايدة وصولاً إلى الصحراء الشرقية بمصر حيث تنخرط فيه قبائل أخرى. وينتهي الأمر بهؤلاء اللاجئين والمهاجرين للاستقرار في مستودعات بشمال سيناء طامحين بالوصول إلى إسرائيل. ويتولى الأمر في سيناء بعض من قبائل السواركة والترابين والإرميلات، كما يعمل البعض من قبائل العزازمة كحلقة الوصل بين سيناء وإسرائيل لوجودهم على الجانبين. وكان تهريب البشر يختلط بتهريب السلاح في الرحلة نفسها وفي نفس الحاويات، وهو ما يقال له اختلاط العظم بالحديد. الرحلة أكثر صعوبة في شهور الصيف الحارقة حيث يزيد إحتمال الموت بسبب التصحر والعطش، فيستمر الحديد في رحلته ويلقى بالمهاجرين إلى الصحراء لتبقى عظامهم كشاهد على الرحلة.

بدأت إسرائيل تكافح بعنف وصول هؤلاء اللاجئين كما السلاح إليها. وهكذا تحول الأمر من تهريب البشر إلى الإتجار بالبشر. فالمهاجرون تحولوا إلى عبء على المهربين، فشهدت هذه التجارة تحولاً نوعياً في طبيعتها مع نهايات 2010. بدأت عمليات الخطف تتم من داخل معسكرات اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في شرق السودان وبعض القرى القريبة، كذلك بدأت جماعات التهريب والاتجار بالبشر بملاحقة الهاربين من هذه المعسكرات وخطفهم وبعثهم إلى سيناء. وتحولت سيناء إلى واحدة من أهم محطات تجارة العبيد في الألفية الجديدة. بدأت هذه الجماعات التي تعمل في الجريمة المنظمة والعابرة للحدود في إبتزاز هؤلاء المخطوفون وتعذيبهم وإذلالهم للضغط على أقاربهم لدفع فدية مقابل تحريرهم. ترواحت أرقام الفدية بشكل كبير من 3000 دولار إلى أربعين ألف دولار. وفي التجارة كان الارتريين الأعلى سعراً، وكان يتم الضغط على الأثيوبين ليدعوا أنهم أرتريين. ولم يتضح سبب تفضيل الأرتريين على بقية الجنسيات في عمليات الإتجار بهم.

يمر خط تهريب الاريتريين والأثيوبيين من شرق السودان، وتتولى مسؤوليته هناك قبائل الرشايدة، وصولاً إلى الصحراء الشرقية بمصر حيث تنخرط فيه قبائل أخرى. وينتهي الأمر بهؤلاء اللاجئين والمهاجرين أن يستقروا في مستودعات بشمال سيناء طامحين بالوصول إلى إسرائيل.

كما تم الزج بهؤلاء المخطوفون للعمل بالسخرة في أعمال البناء والحفر والخدمة اليومية، وأحياناً في الاقتتال والتناحر بين القبائل المختلفة. ويتعرضون للاستغلال الجنسي والاغتصاب سواء بما يخص النساء أو الرجال وأحياناً الأطفال. إنقسم التعذيب إلى نوعين: الأول وظيفي بغرض الضغط عليهم وتهديدهم لدفع الفدية، والثاني يندرج في العنف السادي إذ صار خاطفوهم يتلذذون بتعذيب هؤلاء البشر الذين تحولوا لعبيد لهذه الجماعات. وقد أوضحت عدة تقارير دولية تعرض هؤلاء المخطوفين إلى الحرق والضرب المبرح والصعق بالكهرباء. كما أشارت بعض التقارير الصحافية إلى اختلاط تجارة البشر بتجارة الأعضاء وارتباط هذه العملية بتجارة منظمة بالقاهرة لديها إمكانيات طبية متطورة في استئصال الأعضاء البشرية. ولكن لم تستطع أي جهة أو مؤسسة دولية تأكيد هذا الأمر وتم استبعاده، وينفي الباحثون السيناويون الأمر أو يقولون أنه ربما وقعت حالات قليلة جداً واستثنائية.

تجار بشر وعساكر

لا يمكن أن يمر هذا الخط الطويل من التهريب من دون علم أحد. تشير أغلب التقارير الدولية إلى تواطؤ وفساد عناصر مختلفة من الجيش والشرطة في مصر والسودان وانخراطهم مع شبكات التهريب. فهناك عدة مراحل تتم في عمليات الاتجار بالبشر على هذا الخط. وأحياناً يتم بيع المخطوفين أكثر من مرة أثناء هذه الرحلة، أو يتم بيعهم لجماعات أخرى بعد استلام الفدية من أقارب المخطوفين فيجري ابتزازهم واستغلالهم مرة أخرى.

المستوى الأمني لما تثيره قضية المهاجرين واللاجئين والمخطوفين في سيناء معقد لعدة أسباب. فلا دولة تحمي هؤلاء، غير الاعتبارات الدولية لحقوق الانسان، وهم بلا سند قانوني قادر على الدفاع عنهم، كما أنهم بلا "ثمن" في حال تعرضهم للتعذيب أو الإستغلال الجنسي أو القتل. ثم يأتي دور التواطؤ الأمني وتشارك رجال البوليس والجيش مع المهربين ليجهز على أي شروط توفر سلامة وأمن هؤلاء الأشخاص. تشير التقارير المختلفة إلى أنه، وفي كثير من الأحيان، إذا نجح أحد الضحايا بالهروب من التجار والمهربين ووصل إلى نقاط التمركزات الأمنية، يقوم رجال الأمن بتسليمه مرة أخرى إلى المهربين. وفي حال نجا الضحايا من المهربين فهم يتعرضون لظروف احتجاز شديدة القسوة، حيث لا يُمنحون أي مساعدة قانونية أو نفسية (وهذا العامل شديد الأهمية، لأن أغلب الضحايا يتعرضون إلى التعذيب والاغتصاب وتجارب شديدة القسوة)، كما يمنع الأمن عنهم أي تواصل مع مؤسسات المجتمع المدني. ويتعرضون مرة أخرى للابتزاز من الأمن لجمع أموال لتحميلهم كلفة عودتهم لبلادهم مرة أخرى، في ظروف لا تقل قسوة عن رحلة الذهاب الأول، ويمكن أن تستمر مدد الاحتجاز لفترات طويلة وهي غير محددة بوقت.

أين الأمننة؟ هذه توجد في العلاقة مع إسرائيل. وأي قضية داخل سيناء، شمالاً وجنوباً، هي قضية تناط بأحد الأجهزة الأمنية أو بأكثر من جهاز، وتدخل في علاقات مركبة بين شبكات الأمن والجريمة والتهريب والإرهاب..

سيناء واحدة من أكثر بقاع العالم أمننة. الجميع يراقبها والجميع يتطاحن ويتصارع على أرضها. ومع ذلك فشمال سيناء واحدة من أكثر بقاع العالم إنفلاتاً في الإرهاب والتهريب والإتجار بالبشر والمخدرات، ومسرحاً للعمليات الأمنية والاستخباراتية..

يشير بعض الباحثين إلى أن قضية المهاجرين في سيناء تمت أمننتها (أي تحويل القضية من أمر سياسي واجتماعي وإنساني إلى مسألة أمنية). عملية الأمننة تجري وفق مراحل متعددة، تلزمها إجراءات إستثنائية وبوليسية. ولكن لا يبدو أن هذا الأمر يصح في حالة المهاجرين في سيناء. فلا خطاب أمني ممنهج تجاه المسألة، بل لا وجود لخطاب من أساسه حول قضية المهاجرين في سيناء داخل مصر أو من قبل أجهزة الدولة أو الأذرع الاعلامية المختلفة. الأمر لا يتم الحديث عنه ولا يوجد جدل حوله... باستثناء مرة واحدة، في 2012، حين اعترفت به نائلة جابر رئيسة لجنة مكافحة الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية في لقاء مع منظمة "هيومان رايتس واتش".

إذاً أين الأمننة؟ هذه توجد في العلاقة مع إسرائيل. فهذه القضية أصبحت قضية أمنية ملحة لإسرائيل. تعامل الدولة المصرية الأمر من منطلق أنه مشكلة أمنية مشتركة بين مصر وإسرائيل. والأمننة بشكل عام تنبع من أمرين، أولاً هي ممارسة أصيلة للسلطات المصرية المتعاقبة، وثانياً لا يوجد أي تعامل داخل سيناء سوى التعامل الأمني. وأي قضية داخل سيناء، شمالاً وجنوباً، هى قضية أمنية تناط بأحد الأجهزة أو بأكثر من جهاز، مع تداخل في علاقات مركبة بين شبكات الأمن والجريمة والتهريب والارهاب..

ويحيل البعض توسع الاتجار بالبشر والتهريب في سيناء لغياب الأمن بعد 2011. لكن هذا الأمر غير صحيح، لعدة أسباب. أولاً التجارة سابقة على أحداث ثورة يناير وانهيار البوليس المصري. ثانياً، لم تتصادم الثورة مع أي من الأجهزة الأمنية الأخرى مثل المخابرات العامة والحربية وحرس الحدود، وكلها أجهزة بقيت على حالها وفي مواقعها ولم تمس سواء على مستوى أفرادها أو وجودها المؤسسي. ثالثاً، الأمر كله كان يتم بتواطؤ من العناصر الأمنية المختلفة.

السلطات المصرية وقضية مهاجري سيناء

في 2007 انشأت الحكومة المصرية "اللجنة القومية لمكافحة الاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية". قدمت اللجنة مشروع قانون لمكافحة الاتجار بالبشر إلى البرلمان المصري عام 2009 وقام البرلمان بإخراج قانون رقم 64 لسنة 2010. كما تلتزم مصر بأغلب المعاهدات الدولية المتعلقة بالاتجار بالبشر ومكافحة التهريب وانضمت لعدة معاهدات جديدة منذ 2004، حيث صدقت على ميثاق الجريمة المنظمة. فمن الناحية القانونية لدى مصر الأدوات للتعامل مع قضايا من هذا الشكل. وفي 2011 أقرت الخطة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر، وتضمنت أربعة عناصر: 1- منع الاتجار بالبشر، 2- حماية ضحايا الاتجار بالبشر والمجتمع ككل، 3- ملاحقة المهربين والتجار، 4- التضامن والتعاون لمنع الاتجار بالبشر على المستوى القومي والدولي.

تهريب البشر يختلط بتهريب السلاح في الرحلة نفسها وفي نفس الحاويات. المهمة أكثر صعوبة في شهور الصيف الحارقة حيث يزيد احتمال الموت بسبب العطش، فيستمر الحديد في رحلته ويُلقى بالمهاجرين إلى الصحراء لتبقى عظامهم كشاهد على الرحلة.

ومع اشتداد التقارير الدولية المختلفة منذ 2012 حول بشاعة الأمر وتواطؤ عناصر من البوليس والجيش، ظلت السلطات المصرية تنكر ضلوع أي من هؤلاء في عمليات التهريب والاتجار. وإنتهى التحقيق في الأمر الى أن أغلب المعلومات غير صحيحة، "وطبقاً للنائب العام، فأغلب الجثث كانت لمهاجرين ماتوا من التصحر". وفي أيلول/ سبتمبر 2012 أبلغت نائلة جابر أحدى منظمات المجتمع المدني بأنها ستعتبر أن هذه الادعاءات هي بروبغندا ضد مصر ما لم يتم تقديم أسماء ومعلومات تخص الضحايا طبقاً لتقرير البرلمان الأوروبي.

المثير في الأمر أن السلطات المصرية نجحت في طلب الدعم والتمويل لمشروعات مكافحة الاتجار بالبشر وتحميل مؤسسات المجتمع المدني الدولية والداخلية تكاليف التدريبات الازمة للقضاة والمحققين ورجال الأمن لعدم سابق خبرتهم بمواضيع كهذه. وهي انتهجت ثلاث طرق للتعامل مع القضية: غض الطرف عن الأزمة وغض الطرف عن تواطؤ عناصرها الأمنية والإنكار الدائم للأزمة ثم تحويلها لمسألة أمنية بينها وبين إسرائيل، ثم استغلال القضية في تدعيم إمكانيات أفرادها للتعامل مع هذه القضايا.

عن تداخل الشبكات: إرهاب وتهريب وأجهزة أمنية

سيناء شبه جزيرة محاصرة أمنياً وجغرافياً. ففي الشرق تقبع إسرائيل المحتلة للأراضي الفلسطينية وخليج العقبة وقطاع غزة، وبحلول 2012 أتمت إسرائيل عمل حواجز من السلك الشائك على طول الحدود مع مصر، غرباً على قناة السويس وخليجها، وشمالاً على المتوسط، وجنوباً على البحر الأحمر. يوجد بداخل سيناء قوات حفظ السلام التي جاءت بعد اتفاقية كامب دافيد 1978. وربما تعد سيناء واحدة من أكثر بقاع العالم أمننةً. فهى مناط أعين الأجهزة الأمنية والنظام الدولي لضمان استقرار الإقليم واتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، وتعمل بها جميع أجهزة الأمن المصرية وقوات مختلفة (حرس الحدود، وحدات مختلفة من الجيش المصري، جهازي المخابرات العامة والحربية، أمن الدولة وقوات الشرطة)، كما يمتد إليها نفوذ أجهزة الأمن التابعة لإسرائيل وحماس وفتح وهناك أحياناً تواجد لبعض العناصر الأمنية من إيران وحزب الله. الجميع يراقب سيناء والجميع يتطاحنون ويتصارعون على أرضها. ومع ذلك فشمال سيناء واحدة من أكثر بقاع العالم إنفلاتاً إرهاب وتهريب وإتجار بالبشر ومخدرات، ومسرح للعمليات الأمنية والاستخباراتية. فسيناء هى أكبر تجلٍ للنظام الإقليمي وهي جزء من النظام العالمي. وعلى الرغم من تعاظم الثروات الخاصة بها، يعد شمال ووسط سيناء من أكثر المناطق فقراً وغياباً للتنمية والخدمات المختلفة، من الطبية إلى التعليمية إلى الكهرباء والماء والطعام.

ولكن إذا كان هذا هو الحال، فكيف تنمو تجارة مثل الإتجار بالبشر وتهريب المهاجرين؟ للإجابة على هذا السؤال يجب أولاً محاولة تحديد ورسم بعض العلاقات والشبكات وفهم التداخلات والتركيب والتعقيد بينها.

لا يوجد حياة في شمال ووسط سيناء خارج التجارة غير المشروعة بكل تنويعاتها. فالتهريب يعمل في جانب منه كاقتصاد سياسي لضمان استمرار الإقليم من الناحية المالية والحياة اليومية.

فما هى العلاقة بين التهريب والأجهزة الأمنية، وبين المهربين والجماعات المسلحة؟ هناك تواطؤ بين بعض رجال الأمن وبين المهربين في مقابل المال، وهي تجارة مربحة مكّنت من تكوين ثروات ضخمة. ولكن الأمر لا يقتصر على التواطؤ والفساد. فالتهريب وطرقه ودروبه ورجاله مسألة مهمة للجميع. الأجهزة الأمنية (كلها، مصرية وغير مصرية) تعتمد على المهربين لمعرفة الطرق ولاستغلالهم في العمليات المختلفة، من تجسس إلى ضرب شبكات معينة، إلى تهريب السلاح. كما أنه لا توجد حياة في شمال ووسط سيناء خارج التجارة غير المشروعة بكل تنويعاتها. فالتهريب يعمل في جانب منه كاقتصاد سياسي لضمان استمرار الإقليم من الناحية المالية والحياة اليومية. وكذلك الحال مع المخدرات، سواء في كونها مدخل رزق رئيسي، وتقوم بالتخديم على السياحة في الجنوب، أو كإحدى الوسائل التي تستثمر فيها الأجهزة الأمنية للتجسس وصنع رجالها. الأخطر أنه في هكذا علاقات سلطة وصراع، تزداد فرص توحش الفساد العابر للحدود والأجهزة، ويمكن أن تتداخل العناصر الأمنية المختلفة من أكثر من دولة لتصبح شريكاً ضليعاً في الجريمة المنظمة. وهو ما يعطي المهربين حصانة وحماية كبيرة. ولذلك فليس من المصادفة أنه لم يتم القبض على أي عنصر من المهربين والمتاجرين بالبشر وتقديمهم إلى المحاكم المصرية بتهم محرمة دولياً وداخلياً. كذلك لم يتم الاشتباه ولو لمرة واحدة في أحد عناصر الأجهزة الأمنية.

مقالات ذات صلة

تتداخل إذاً وظائف الأجهزة الأمنية ودورها الاستخباراتي والتجسسي مع التجار، مع الفقر، مع الفساد. كل هذا يخلق كل العناصر اللازمة لإنفلات الأوضاع على الرغم من شدة حضور الأجهزة الأمنية والمراقبة على سيناء. وبالتالي يتم تحييد القانون تماماً.

وتعد شبكات التهريب الأمثل للأجهزة الأمنية لاختراق مساحات وتنظيمات وجماعات يصعب اختراقها بالوسائل العادية. كما أن تنوع التهريب وشبكاته المختلفة يتيح للأجهزة الأمنية محاصرة بعضها البعض، بما في ذلك الأجهزة التابعة لدولة بعينها، سواء بسبب وجود تناحر فيما بينها أو بسبب غياب التنسيق. وهكذا يمكن خلق شبكات لضرب شبكات أخرى، وسيناء هى واحدة من أكثر النماذج في العالم تكثيفاً لصراعات الأجهزة الأمنية، سواء داخل حدود الدولة أو بشكل عابر للدول.

ليس من المصادفة أنه لم يتم القبض على أي عنصر من المهربين والمتاجرين بالبشر وتقديمهم إلى المحاكم المصرية بتهم محرمة دولياً وداخلياً. كذلك لم يتم الاشتباه ولو لمرة واحدة في أحد عناصر الأجهزة الأمنية.

وتتداخل كل تلك العناصر السابقة مع الجماعات المسلحة، وتزيد عليها عناصر أخرى. فأحد الباحثين من سيناء يؤشر الى النقاط التالية لفهم العلاقات بين المهربين والجماعات المسلحة: 1- من ليس منضماً من المهربين لأحدى الجماعات المسلحة يتعاون معهم من أجل المال، وأحياناً تتداخل عناصر التهريب وتكون هي أيضاً عناصر في الجماعات المسلحة، 2- يجري تعاون بين الجماعات المسلحة وأجهزة الأمن أيضاً حتى لا يتم تعطيل تجارة المهربين أيان كان نوع هذه التجارة وطبيعتها، 3- ضمان استمرار المهرّب في عمله دون مضايقة من عناصر "الحسبة" في تنظيم الدولة الاسلامية، 4- القرابة. ويشير الباحث السيناوي إلى أن المهربين هم من سهلوا دخول السلاح والغذاء للمسلحين في فترات حصار كثيرة.

يمكن استخلاص الآتي بما يخص صعوبة وتعقيد الوضع الأمني في سيناء. فالمال يحكم جميع العلاقات، بالأخص مع غياب أي مصادر للرزق، وتشجيع الأجهزة الأمنية المختلفة لشبكات التهريب وفساد بعض العناصر الأمنية. ثانياً، تزداد الشبكات بازدياد محاولات الاختراق والمراقبة، فكلما تضاعفت محاولات الاختراق كلما ازداد حجم التجارة والتهريب، وازداد تداخل الأمني مع الارهابي مع الاجتماعي والاقتصادي. وبسبب أن الجريمة المنظمة قائمة على شكل شبكي، فيسهل وجود العناصر المتناقضة فيها. فيمكن لأحد أعضاء الشبكة أو حتى لواحد من كبار قادتها أن يتحالف مع الأجهزة الأمنية بينما آخر بداخل الشبكة نفسها يتعاون مع الجماعات المسلحة. كذلك تتواطأ بعض عناصر الأجهزة الأمنية الفلسطينية وتغض الطرف عن تجارة البشر وتهريبهم لصالح ضمان تدفق السلاح القادم من السودان. كما أن اضطراب السودان وليبيا واريتريا يساعد على استمرار تدفق السلاح واختطاف البشر، وتداخل أكثر من نوع من الجريمة المنظمة فيما بينها. ولا سيما أن هناك طلب على السلاح تتوفر له ما يلزم من أموال.

كيف تقلصت تجارة وتهريب البشر في سيناء؟

هل فعلاً قاد إلى تقليص تهريب وتجارة البشر في سيناء تدخل الاتحاد الأوروبي وتقارير منظمات حقوق الانسان والحملات المنظمة؟ ليس هذا التأكيد صحيحاً، فلم يكن للوضع الانساني وبشاعة جريمة الاتجار بالبشر أي علاقة بتقلص هذه التجارة. يمكن رصد العناصر الآتية لتقلص هذه الجريمة المنظمة العابرة للدول في سيناء بعد 2014 وربما انتهائها، إذ تشير التقارير الدولية إلى تطور إيجابي وملحوظ ها هنا.

والارجح أن ذلك يعود الى أنه:
1- بحلول عام 2012 نجحت إسرائيل في تغليف حدودها الشرقية بالكامل مع مصر من خلال استكمال السلك الشائك.
2- العام نفسه شهد بداية العملية "نسر إثنين" لمواجهة الجماعات المسلحة هناك.
3- الضغط الإسرائيلي على مصر للقضاء على تهريب البشر إليها.
4- بحلول عامي 2013 و2014 إنتقلت سيناء من وضع أمني مضطرب قد يساعد على نمو الجريمة المنظمة، إلى ساحة حرب ضروس بين الجماعات الارهابية والدولة، مما قلص إمكانيات الحركة داخل سيناء وأدى لتحجيم الفساد نسبياً داخل الأجهزة الأمنية، وذلك لاختلاط تجارة البشر وتهريبهم بتجارة السلاح.
5- هدم الأنفاق بشكل غير مسبوق وغلق فرص التهريب عبر الحدود بين مصر وإسرائيل.
6- تهجير قرى ومدن الشريط الحدودي بدءاً من عام 2014.
7- استكمال المنطقة العازلة برفح والشريط الحدودي الذي تم بقرار 203 لسنة 2013: وهو من 14 كلم طول و5 كلم عمق داخل سيناء.
8- هروب أباطرة التهريب خارج سيناء بعد تكوين ثروات ضخمة واشتداد خطورة الوضع فيها.

محتوى هذه المطبوعة هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

مقالات من مصر

هل مصر بلد فقير حقاً؟

.. الأمر لا يعنيكَ وليس عليكَ ان تمتلك رأياً، وأنكَ في افضل الاحوال تسمع ما يقوله المسئولون وتكتم انفاسك وتعابير وجهك، والأفضل ألا تستمع أصلاً، فما شأنك والقضايا الكبرى؟ بل...

للكاتب نفسه

مصر: تصدعات الدولة والمجال السياسي

أبرزت أحداث الأشهر الثلاثة الماضية في مصر ارتباك السلطة في إخراج المشهد الانتخابي بشكل محكم، كما أظهرت تخبطاً كبيراً في إدارة الصراع السياسي ككل. لكنها كشفت خصائص تلك السلطة اليوم.