أين يذهب "الحيز المالي" في مصر؟

فوضى قانونية واجرائية في مصر تلف برامج الدعم النقدي للفقراء التي حلّت بديلا عن دعم أسعار المواد الأساسية والمحروقات. ويبدو أن "الحيز المالي" المستقطع لتمويل هذه البرامج يذهب في معظمه لتغطية فوائد الدين العام!
2018-07-27

بيشوي مجدي

باحث من مصر مختص بالاقتصاد والسياسات الاجتماعية


شارك
بدر محاسنة - الأردن

كان التبرير الرئيسي (ولا يزال) وراء إتباع الإجراءات الاقتصادية التقشفية التي تنفذها الحكومة المصرية منذ توقيعها على قرض صندوق النقد الدولي في نهاية عام 2016، هو إيجاد الحيز المالي الذي يُمكِّن من إعادة توجيه الموارد لدعم من يستحقون، وبالأساس نقدياً وكذلك عن طريق زيادة الانفاق على الخدمات العامة وعلى رأسها التعليم والصحة.

أين هذا الحيز المالي الذي لا نراه. أين يذهب إذاً؟ أمران رئيسيان لرصد ذلك هما الإنفاق على برامج الحماية الاجتماعية والانفاق على الخدمات العامة، على اعتبار أن هذين المجالين هما المستهدفان بالأساس من وراء الاستراتيجية المتعلقة بإيجاد ما يسمى بـ"الحيز المالي".

الحماية الاجتماعية

مع صعود الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الى سدة الحكم في عام 2014، رفعت الحكومة (في العام المالي 2014/ 2015) أسعار المحروقات. ولتخفيف أثر تلك الخطوة على ما تسميهم "محدودي الدخل" أو "الفئات الأولى بالرعاية" (بينما لا وجود لمصطلح "الفقراء" اطلاقاً) تم الإعلان حينذاك أنه ستجري مضاعفة أعداد المستفيدين من "معاش الضمان الاجتماعي" والتي بلغت في ذلك الوقت 1.5 مليون أسرة تقريبا، وفقا للبيان المالي للموازنة العامة للعام المالي 2014/ 2015، وارتفعت المخصصات المتوفرة لمعاش الضمان الاجتماعي من 5 مليار جنيه في العام المالي 2013/ 2014 لتصبح 10.7 مليار جنيه (بحسب البيان المالي للموازنة العامة للسنة المالية 2014/ 2015، وزارة المالية المصرية، 2014، ص 94). وجاء في البيان المالي أن تلك الزيادة في المخصص سوف تكفي لتغطية 852 ألف أسرة إضافية، ليصبح الرقم الإجمالي لعدد الأسر المستفيدة من معاش الضمان 2.3 مليون أسرة. ولكن هل تمت بالفعل زيادة أعداد المستفيدين؟ الإجابة هي لا. ظل الرقم الإجمالي لأعداد المستفيدين كما هو (بحسب البيان المالي للسنة التي تلتها، ص59). ثم عادت الحكومة مرة أخرة تتحدث عن مضاعفة أعداد المستفيدين من الدعم النقدي، ولكن هذه المرة في البيان المالي لموازنة 2015/ 2016، من خلال برنامجين للدعم النقدي استحدثا في ذلك الوقت: "تكافل" و"كرامة". وبالفعل تم تخصيص 11.2 مليار جنيه لكل من معاش الضمان الاجتماعي وبرنامجي تكافل وكرامة في موازنة ذلك العام.

.. ما يعني أن الحكومة سعت لمضاعفة أعداد المستفيدين من برامج الدعم النقدي قبل عامين من تنفيذ الإجراءات التقشفية العنيفة التي بدأت مع نهاية عام 2016 والتي شملت تحرير سعر صرف الجنيه المصري، وتطبيق ضريبة القيمة المضافة، ورفع أسعار الطاقة وكذلك تعريفة عدد من الخدمات العامة. وفي موازنة عام 2018/ 2019 بلغ عدد الأسر المستفيدة من برامج الدعم النقدي بفروعه الثلاثة 3.8 مليون أسرة، وهو رقم أقل من عدد إجمالي الأسر الفقيرة المذكور في البيان المالي لموازنة 2014/ 2015 أي 4.7 مليون أسرة.

ولكن ما هي الحصانة القانونية التي يتمتع بها برنامجي الدعم النقدي المستحدثين "تكافل" و"كرامة"، مع الأخذ في الاعتبار أن وزارة التضامن الاجتماعي تسعى لدمج برنامجي تكافل وكرامة ومعاش الضمان الاجتماعي تحت مظلة واحدة وهو الأمر الذي له بالطبع تبعات قانونية ومؤسسية.

اختلال الإطار القانوني الحاكم للبرنامجين

صدر برنامجّي الدعم النقدي تكافل وكرامة بقرار إداري لرئيس مجلس الوزراء (رقم 540 لسنة 2014) ما يعني ضعف التحصين القانوني لهذين البرنامجين. والغريب هو ورود البرنامجين في القرار نفسه على الرغم من أن الغرض منهما شديد الاختلاف. فمن المفترض أن برنامج "كرامة" يستهدف كبار السن (فوق 65 عاماً) والأشخاص ذوي الإعاقة، في حين يستهدف برنامج "كفالة" الأسر الفقيرة التي لديها أطفال تحت سن 18 عاماً. كما أن البرنامج يشترط إرسال الأسرة لأطفالها للمدارس، وكذلك هو للمتابعة الصحية، في حين أن برنامج "كرامة" لا يقوم على أي اشتراطات سلوكية. بينما هناك خطأ في صياغة المادة الأولى من القرار: "يكون استحقاق مساعدة الدعم النقدي المشروط (برنامج تكافل وكرامة) للفئات التالية الخ..".

الصفة التي يتشارك فيها البرنامجين ليست المشروطية، ولكن كونهما موجهين ويستهدفان فئات بعينها، بعكس برامج الدعم السلعي أو السعري التي يستفيد منها كل الناس، أو دعم أسعار الوقود على سبيل المثال. وأحد الاختلافات الرئيسية بين برنامجي تكافل وكرامة هو إمكانية الدخول لما يسمى بـ"سوق العمل"، فالفئات التي يستهدفها برنامج "كرامة" (كبار السن وذوي الإعاقة) ليست لديهم إمكانية لدخول سوق العمل، على عكس الفئات المستفيدة من برنامج "تكافل" الذي تقوم فلسفته على أنه بمثابة دعم أو تكملة لدخل الأسرة التي تعاني من مصدر دخل منخفض.

غياب آلية قانونية واضحة بما يتعلق بزيادة قيمة الدعم النقدي يجعل برامج كـ"تكافل" و"كرامة" عرضة للاستخدام في تحقيق أغراض شعبوية من قبل الأنظمة الحاكمة التي قد تحاول الظهور بمظهر الحريص على ما يسمى في الخطاب الحكومي بـ"الفئات الأولى بالرعاية" أو "محدودي الدخل".

ثم هناك تصريحات مستمرة للمسؤولين في وزارة التضامن الاجتماعي تتناول فكرة أن التحويل النقدي في برنامجي "تكافل" و"كرامة" هو دعم مؤقت، وأن الدخول والخروج من البرنامجين يتم بشكل مستمر.

قد يمكن قبول ذلك الأمر في حالة برنامج "تكافل" باعتبار أن رب الأسرة يمكنه توفير دخل من خلال ما يسمى بسوق العمل، ولكن الشخص المُسن أو الذي يعاني من عجز لن يمكنه ذلك. لذا فإن التبرير المستخدم دائماً من قبل المسؤولين في الوزارة من أن انخفاض قيمة التحويل النقدي غرضه حث المواطن على عدم الاتكال على "منظومة الرفاه" تلك وحثه على الخروج لسوق العمل.. متناسياً أن الدستور المصري ينص في المادة 83 على التالي: "تلتزم الدولة بضمان حقوق المسنين صحياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وترفيهياً، وتوفير معاش مناسب يكفل لهم حياة كريمة، وتمكينهم من المشاركة في الحياة العامة. وتراعي الدولة في تخطيطها للمرافق العامة احتياجات المسنين، كما تشجع منظمات المجتمع المدني على المشاركة في رعاية المسنين. وذلك كله على النحو الذي ينظمه القانون".

وفقاً لذلك كان من الادق صدور برنامج "كرامة" في صورة منفصلة عن برنامج "تكافل". وحين نقارن الإطار القانوني لبرامج الدعم النقدي بحالة البرازيل مثلاً، وهي من الدول الأولى التي ظهرت بها ما يُعرف ببرامج الدعم النقدي المشروط. فـ"بولسا فاميليا" المعادل لـ"كفالة" صدر بقانون، في حين أن البرنامج المعادل لـ"كرامة" يتمتع بحصانة قانونية ودستورية نظرا لأنه حق دستوري، وقيمته مربوطة بالحد الأدنى للأجور، ويتمتع باستقلالية سياسة ومالية تقيه أي إجراءات تقشفية.. وتغنيه كذلك عن الحاجة لتدخلات شعبوية لزيادة قيمة المعاش من قبل القائمين على السلطة السياسية، كما هو الحال في مصر.

من الأمثلة الاخرى على تخبط برنامجي "تكافل" و"كرامة" هو ما حدث في اليوم التالي لإعلان الحكومة المصرية تحرير سعر الجنيه المصري، في تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 2016، حيث عقد مجلس الوزراء المصري مؤتمرا صحفيا أعلنت خلاله وزيرة التضامن الاجتماعي عن خفض سن المستحقين لبرنامج "كرامة" من 65 لـ60 عاماً، ولكن ذلك الأمر لم يتحقق أبداً.

"تكافل" و"كرامة" انطلقا بقرض من البنك الدولي قيمته 400 مليون دولار، والمستفيدون منهما يخشون من توقف التحويل النقدي، كما وزارة التضامن التي تخشى توقف تدفق مخصصات البرنامجين من وزارة المالية! ولكن أين إذاً يذهب "الحيز المالي"، الذي ألغى الدعم عن المواد الاستهلاكية لتوفير ميزانية البرنامجين؟

في تجلي آخر لضعف ذلك الإطار القانوني أن الزيادة الوحيدة التي تمت على قيمة التحويل النقدي الذي يوفره برنامجي "تكافل" و"كرامة" أعلنت من قبل رئيس الجمهورية في منتصف عام 2017، قبل عام واحد من نهاية مدته الأولى. وهي زيادة لم يصدر بها أي قرار في الجريدة الرسمية. وفي البيان المالي للموازنة العامة للعام المالي 2018/2019، لم تلحظ تلك الزيادة بل المذكور هو قيمة التحويل النقدي وفقاً لما جاء بقرار رئيس مجلس الوزراء الذي صدر من خلاله البرنامجين. وهو ما يدفع للتساؤل: هل الزيادة لم يتم تطبيقها، أم أن من قام بكتابة البيان المالي تناسى ذكر قيمة الزيادة، ولكنها أدخلت على دعم المواد التموينية الذي أعلن عنه في خطاب الرئيس.

يؤكد ذلك أيضاً عدم وجود آلية واضحة لربط قيمة برامج الدعم النقدي بمعدل التضخم. إذ تعود آخر زيادة على معاش التضامن الاجتماعي على سبيل المثال الى عام 2014، من خلال قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 375 لسنة 2014. غياب آلية قانونية واضحة فيما يتعلق بزيادة قيمة الدعم النقدي يجعل تلك البرامج عرضة للاستخدام لتحقيق أغراض شعبوية من قبل الأنظمة الحاكمة التي قد تحاول الظهور بمظهر الحريص على ما يسمى في الخطاب الحكومي بـ"الفئات الأولى بالرعاية" أو "محدودي الدخل".

حقٌ أم عبء ومِنّة

في حقيقة الأمر، يعكس ذلك الإطار القانوني الضعيف الرغبة الملحة من جانب الحكومة في التخلص من دورها الرعائي الاجتماعي، كما يقول المبدأ العام للسياسات النيوليبرالية الذي يرى أن المستفيدين من الدعم هم عبء لا بد من التخلص منه سريعاً.

وتنجح الحكومات في نقل ذلك الاحساس بالعبء لمواطنيها. يمكن تبين ذلك في الحالة المصرية من خلال المقارنة بين منظومة التأمينات الاجتماعية التي يتم تمويلها من اشتراكات العاملين وأصحاب الأعمال، ومنظومة المساعدات الاجتماعية (ومن بينها الدعم النقدي بطبيعة الحال) التي يتم تمويلها من الضرائب العامة. في حالة أصحاب المعاشات، سنجدهم أصحاب صوت مرتفع يطالبون بما يعتبرونه حقهم الشرعي في معاش كريم يتم تمويله مما استقطع منهم خلال سنوات عملهم. سنجدهم أيضا ينظّمون أنفسهم للدفاع عن تلك المطالب في أطر مثل "اتحاد المعاشات"، الذي يقوم برفع القضايا ضد الحكومة مطالباً بحقوق أصحاب المعاشات. وتصدر أحكام لصالحهم، وتجد ممثلو الاتحاد يُخطرون الحكومة بسرعة تنفيذ الأحكام وإلا يصعِّدون. فيما لا نجد لدى المستفيدين من برامج المساعدة الاجتماعية سوى الإحساس بقلة الحيلة وبالرضاء بما تقدمه لهم الحكومة. فهل سمعنا في يوم من الأيام عن أن المستفيدين من معاش الضمان الاجتماعي قاموا بتنظيم مظاهرة أمام وزارة التضامن للمطالبة بزيادة قيمة التحويل النقدي، كما يفعل أصحاب المعاشات التأمينية؟ ولا نجدهم ينتظمون في أي اتحادات أو نقابات... لقد انتقل إليهم الإحساس بأنهم عبء وبأن ما يحصلون عليه من الحكومة هو هبة أو منحة منها، وعليهم أن يشكروها، متمنين من وقت لآخر أن تنظر لهم بعين الرحمة وتزيد قيمة التحويل النقدي.

المفارقة هنا أن حجم الدعم الحكومي الذي يتم تقديمه لصناديق المعاشات التأمينية أكبر من حجم الدعم الحكومي المقدم في صورة مساعدات اجتماعية نقدية مثل برنامجي "تكافل" و"كرامة" أو معاش الضمان الاجتماعي.

من ضمن المبررات التي تقدمها السلطة للطبيعة العنيفة للإجراءات التقشفية الحالية أن ذلك يتم "من أجل الأجيال القادمة". ولكن إذا كانت السلطة تهتم لحال تلك الأجيال فلماذا لا تلتزم بالنسب المقررة دستورياً للإنفاق على التعليم والصحة؟

يعبر المستفيدون من هذه البرامج عن خشيتهم الدائمة من توقف التحويل النقدي الذي يحصلون عليه. وكذلك تفعل وزارة التضامن هي الأخرى، مبدية خشيتها من توقف تدفق المخصصات المالية للبرنامجين من وزارة المالية. البرنامجين، "تكافل" و"كرامة" انطلقا من خلال قرض من البنك الدولي قيمته 400 مليون دولار. مرة أخرى: أين يذهب الحيز المالي؟ فإذا كان الغرض المعلن من خفض دعم الطاقة هو توجيه الدعم لمستحقيه - نقداً - فلماذا لم يتم إطلاق المشروع من خلال تمويل من الخزانة العامة؟ ألا يفترض بـ"البنك الدولي"، الضالع في تمويل وتنفيذ البرنامجين، أن يعطي ثقلاً لوزارة التضامن بمقابل وزارة المالية، وأن يضمن بالتالي استمرارية تمويل الوزارة للبرنامجين؟

الخدمات العامة

من ضمن المبررات التي تقدمها السلطة للطبيعة العنيفة للإجراءات التقشفية الحالية هو أن ذلك إنما يتم "من أجل الأجيال القادمة". ولكن إذا كانت السلطة تهتم لحال تلك الأجيال فلماذا لا تلتزم بالنسب المقررة دستورياً للإنفاق على التعليم والصحة؟ المفارقة هنا أن التزايد الكبير والمتسارع في حجم الدين العام سوف يضر بتلك الأجيال القادمة، ليبدو أنه في نهاية المطاف لن ينعم بفوائد ما يسمى بـ"برنامج الاصلاح الاقتصادي" لا الأجيال الحالية ولا الأجيال القادمة!

تعامل الدولة المصرية مع المرافق والخدمات العامة، وبالأخص مرافق النقل العام مثل هيئة السكك الحديدية وهيئتي النقل العام بالقاهرة والإسكندرية، كما مع "المترو"، يثير الاستغراب. فاعتبار كل مرفق وحدة مستقلة بذاتها يجب أن تغطي هي نفسها نفقاتها واستثماراتها بالكامل، تماما مثل الشركات الخاصة، يتنافى مع مبدأين مهمين من مبادئ الموازنة العامة، وهما عمومية ووحدة الموازنة. لو طبقنا ذلك المنطق نفسه على كل الهيئات والمرافق التي تملكها الدولة فلا داعي لتحصيل ضرائب، وبالتبعية لا داعي لوجود خزانة عامة من الأساس، بل ليس هناك معنى لوجود حكومة تدخلية بحيث يمكن تطبيق نموذج الحكومة الحارسة التي يقتصر دورها على الحفاظ على الأمن والدفاع ضد أي مخاطر وتطبيق القانون لتوفير المناخ الملائم لعمل السوق.

التبرير الرئيسي للحكومة وراء رفع الدعم عن المحروقات هو ذهابه في معظمه لغير المستحقين وعلى رأسهم مالكي السيارات. ولكن من غير المفهوم وغير المبرر إصرار الحكومة على رفع ثمن تعرفة خدمات النقل العام، ومن بينها أسعار تذاكر الأتوبيسات، وذلك بعد كل زيادة في أسعار المحروقات، وكأن الحكومة في منافسة مع أصحاب سيارات السرفيس "الميكروباصات". من المفترض أن المستفيدين من خدمات النقل العام هم في الأغلب "فئات مستحِقة للدعم"، وبالتالي، فواجب الحكومة هو زيادة الاستثمار في خدمات النقل العام وزيادة دعمها خاصة أنها الملجأ الرئيسي لهؤلاء المواطنين غير القادرين على تحمل الزيادات الكبيرة التي تحدث في تعريفة النقل الخاص نتيجة رفع أسعار المحروقات.

كما أن حجم الدعم الذي كانت تحصل عليه بعض الخدمات العامة، ولا زالت، مثل النقل العام ومياه الشرب، ليس كبيراً بحيث يبرر سعي الحكومة المحموم للتخلص منه. ففي موازنة عام 2015/ 2016، وهو العام الذي سبق تنفيذ الإجراءات التقشفية، بلغ حجم الدعم المقدم للمواد البترولية والكهرباء ما يقرب من 90 مليار جنيه، في حين بلغ إجمالي الدعم المقدم لهيئتي النقل العام وهيئة السكك الحديدية ومياه الشرب ما يقرب من 4 مليارات جنيه فقط. في حين أنه في موازنة العام المالي 2018/ 2019 يبلغ حجم الدعم المقدم لهيئتي النقل العام وهيئة السكك الحديدية ولمياه الشرب قيمة إجمالية تقترب من 4 مليار جنيه فقط وهو المبلغ نفسه المخصص لبند دعم الصادرات.

التضخم والحلقة المفرغة

يبدو أن "الحيز المالي" الذي سعت إليه الحكومة من وراء ما يسمى بـ"برنامج الاصلاح الاقتصادي" يذهب في معظمه لتمويل فاتورة فوائد الدين العام، ولا يمكن فصل زيادة فوائد الدين العام عن استراتيجية السياسة النقدية التي يقوم باتباعها البنك المركزي المصري حالياً، وهي استراتيجية استهداف التضخم، حيث أن الأداة الرئيسية التي تستخدمها البنوك المركزية التي تتبع تلك الاستراتيجية تصبح أسعار الفائدة قصيرة الأجل، حيث يلجأ البنك المركزي لرفع سعر الفائدة لكبح جماح التضخم.

ولكن المشكلة الرئيسية أن تلك الاستراتيجية تُنتقد لكونها غير قادرة على التعامل مع صدمات العرض، والتغير في أسعار السلع العالمية مثل المحروقات والغذاء، أو سعر الصرف، وهو ما يعني أنه في حالة تعرض الدولة لصدمة عرض يلجأ البنك المركزي مرة أخرى لرفع سعر الفائدة في محاولة منه لكبح جماح التضخم ووقف خروج العملة الصعبة للخارج، مما يعني المزيد من فوائد الديون والمزيد من التأثير السلبي على التشغيل والنمو.. وهكذا إلى ما لا نهاية.

ومصر كما هو الحال بالنسبة لمعظم الدول النامية عرضة بدرجة مرتفعة لصدمات العرض، حيث تعتبر تلك البلدان متلقية للسعر "price takers" ولا يمكنه التأثير في سعر معظم السلع التي يتم تداولها على المستوى العالمي بل هي متلقية لتلك الأسعار.

مقالات من مصر

الحركةُ النسويةُ في مصر حيةٌ لم تَمُت

مُزن حسن 2019-09-08

الفرضية التي ننطلق منها تقوم على أن المجال العام (الآمن) يُتيح للنساء الدفاع عن حقوقهن، وتحسين شروط مشاركتهن في البنية المجتمعية والاقتصادية القائمة. إلا أن إغلاق هذا المجال يعني بالضرورة...

للكاتب نفسه