الشخصية الليبية والتمسّك بالمؤسسية كحاجة وجودية

التمسك بالمؤسسية واحدة من السمات البنيوية للشخصية الليبية، تأصلت استجابة لتحديات الجغرافيا والديموغرافيا. مقاربة تؤشر الى الفعالية الممكنة لهذه السمات بعد سنوات من الفوضى والاقتتال.
2018-07-19

الزهراء لنقي

المسؤولة عن الشؤون الاجتماعية في مركز المرأة في الإسكوا، من ليبيا


شارك
محمد نصر الله - فلسطين

من الافتراءات التي تعرّضت لها الشخصية الليبية المعاصرة القول بأنها شخصية فوضوية بطبعها. وقد أسهم في الترويج لذلك ثلاثة: الخطاب الاستعماري والخطاب السلطوي المحلي وخطاب بعض أهل القلم.

الخطاب الاستعماري فعل لتبرير الاحتلال والزعم بأنه يحمل رسالة إرساء التحضر. الخطاب السلطوي الذي بدأ من سبعينات القرن الماضي وحتى 2011 روّج لذلك بسلوكه وبتمثله لقيم الفوضوية. بعض أهل القلم زعموا أن ليبيا كغيرها من المجتمعات العربية تحكمها ثلاثية العقيدة والقبيلة والغنيمة، وذلك ضمن إطار تطبيق ملتبس لنظرية ابن خلدون.

من أهم الأدلة على عدم صحة هذا الزعم هو أن التمسك بالمؤسسية واحد من السمات البنيوية الكامنة في أعماق الشخصية الليبية، وذلك ضمن إطار الاستجابة لتحديات الجغرافيا والديمغرافيا.

- فالموقع الاستراتيجي يضعها في وسط شمال أفريقيا، وهي من أهم معابر القارة للمتوسط ولأوروبا. وشاطئها على المتوسط هو الأطول، وهو ما جعل الشريط المتاخم للساحل ممرا لحركة التجارة العالمية. جعل هذا الموقع ليبيا عرضة لتهديدات خارجية، وجعلها تتأثر بالنزاعات العالمية، فاستقر في الوجدان الليبي أن البلاد معرضة على الدوام لمخاطر الهيمنة الخارجية.

- سكانياً، ظلّ هناك تفاوت بين المساحة وعدد السكان. تبلغ مساحة ليبيا 1.759.541 كيلومتر مربع. بالمقابل، نجد أن عدد سكان ليبيا تعرض لانخفاضات حادة بسبب عدة عوامل، من بينها أيضاً الانتفاضات ضد العثمانيين والهجرات الناتجة عنها والمواجهات ضد الاحتلال الإيطالي والإبادة الجماعية التي مارسها الفاشيون. بلغ عدد سكان ليبيا ستة ملايين و400 ألف نسمة عام 2017. وأهم أثر لهذا التفاوت بين المساحة وعدد السكان هو الشعور العام بالانكشاف.

- اقتصادياً، مع أن مساحة البلاد كبيرة، فإن الموارد المكتشفة قليلة. لم يُكتشف النفط إلا في نهاية خمسينات القرن الماضي. وهو ظل يمثل ما يزيد على خمسة وتسعين في المئة من إجمالي الناتج المحلي. من آثار ذلك كله الشعور بفقدان الأمن الاقتصادي.

التكوينات البشرية: القبيلة والطرق الصوفية

أصبح التمسك بالمؤسسية في وعي الليبيين "ضرورة وجودية" لمواجهة جميع هذه التحديات، أي تحدي التفاوت بين المساحة وعدد السكان، وتحدي التهديد الخارجي، وتحدي ندرة الموارد المكتشفة. التمسك بالمؤسسية يسهم في دعم تماسك المجتمع وكفاءته لمواجهات التحديات.

يظهر ذلك على مستوى التكوينات البشرية الطبيعية، وعلى رأسها القبيلة والعائلة الممتدة في البادية والحضر، التي تكتنف مفاهيم مؤسسية كالتماسك والهرمية والاعتراف بمكانة للأقدمية وتوزيع المسؤوليات على نحو يقدم المصلحة العامة على الخاصة، والالتزام بالأعراف. وقد ظل عدد من الأعراف المؤسسية في ليبيا موجودا لمدة طويلة كالأعراف المتعلقة بالتكافل وبالتحكيم والتصالح وبالنظام الجزائي وبالزواج والطلاق.

كما ظهر على مستوى التكوينات المتصلة بالمجال الإيماني ومجال التزكية الأخلاقية وعلى رأسها "الطرق الصوفية"، وهو مجال يتمثل مفاهيم مؤسسية هو الآخر، كالتنظيم والتماسك والهرمية وتوزيع الأدوار. وساهم ما انبثق عنه من مؤسسات مثل الزوايا في تعزيز الانسجام بين الانتماء للقبيلة والانتماء للمدينة. وفي بعض الأحيان أسهم في التخفيف من حدة التحيز القبلي. فمثلا، اعتمد إطار الطريقة الصوفية فهماً مرناً لمفهوم الهرمية وتوزيع الأدوار. كما استمرت ظاهرة تقديم الطرق لخدمات عامة متنوعة مثل التعليم وتوزيع الصدقات والرعاية الصحية ودعم المرابطين وخدمة قوافل الحج والعمرة على مدار العام.

التكوينات المكانية: المدينة بلا تضاد مع القبيلة

ظهر أيضاً التمسك بالمؤسسية كضرورة وجودية على مستوى "التكوينات المكانية"، وعلى رأسها "المدينة". إن استقرار القبيلة والعائلة الممتدة والطرق الصوفية في حواضر ليبيا وتفاعلها مع إمكانات المكان وموارده وأنماط الإنتاج فيه، أسهم في تعزيز مكانة "المدينة" في ليبيا كإطار من أطر الانتماء. في المدينة، تَعاشَق انتماء الأفراد للقبيلة أو العائلة الممتدة مع انتمائهم للمدينة. وبناء على اختلاف المدن من حيث الموقع الجغرافي والموارد وأنماط الإنتاج، أصبحت لكل مدينة شخصية. وقد برزت في المدينة أطر مؤسسية مثل الجمعيات الأهلية والزعامات والتي شكلت المجتمع المدني. وكما توضح نورا اللافي في دراستها حول أصول المؤسسات البلدية في مدينة طرابلس، ظهرت في طرابلس مؤسسة "المشيخة" منذ وقت مبكر وذلك وفقا لإفادة الرحالة التجاني المولود في 670 هجرية تقريبا.

في المدينة، تَعاشَق انتماء الأفراد للقبيلة أو العائلة الممتدة مع انتمائهم للمدينة. وبناء على اختلاف المدن من حيث الموقع الجغرافي والموارد وأنماط الإنتاج، أصبحت لكل مدينة شخصية.

وخبر المجتمع الليبي المؤسسية خلال مراحل تشكل الممالك على أرضه، ومنها الممالك الأمازيغية. قبل تشكل الدول الوطنية، انتشر الأمازيغ في شمال أفريقيا. وقد تأسست مملكة نوميديا الأمازيغية (202-46 ق م) التي ضمت أجزاء من ليبيا وتونس والمغرب. وقد سجلت كتب التاريخ إنجازات نوميديا إبان حكم "مسينيسا"، والتي من بينها هزيمة "هنيبعل" (247-182 ق م) في معركة زاما في تونس. كما سجلت التطوير المؤسسي الذي باشره الملك "يوغرطة". لقد بلغ اتساع نفوذ يوغرطة أن الإمبراطورية الرومانية رأت فيه تهديدا فاغتالته.

وقد انتشر الإسلام بين الأمازيغ على يد جيوش الفتح بقيادة عقبة بن نافع. كما تحدث ابن خلدون عن "ديهيا" "الكاهنة" ملكة نوميديا التي انتهى سلطانها عام 82 هـ الموافق 702م على يد جيوش عبد الملك بن مروان. وقد أسلم إبناها بعد وفاتها، وأسهما في قيادة جيوش المسلمين إلى شبه جزيرة أيبيريا. وكان الأمازيغ أصحاب خبرات على مستوى المؤسسية العسكرية. وقد نقلوا هذه الخبرات للعرب. كما أسهم الأمازيغ إسهاماً استثنائياً على مستوى تعليم اللسان العربي تعليماً مؤسسياً يستند لمناهج، وهو ما سهل انتشار العربية في إفريقيا والأندلس. ومن أعلام الأمازيغ الذين اعتنوا باللغة العربية الجزولي المراكشي النحوي المتوفى (540-607هـ)، وابن آجُرُّوم (672-723 هـ) النحوي صاحب الآجُرُّومية ومحمد الصغير الإفراني (1080-1156 هـ) الذي صنف في البلاغة ووضع شرح "ياقوتة البيان" بالإضافة إلى التصنيف في التاريخ والتفسير، ومحمد بن أحمد بن أكنسوس (1211-1294 هـ) الذي حقق "القاموس المحيط" للفيروزآبادي. وقد بايعت أعداد من الأمازيغ السيد محمد بن علي السنوسي (1201-1275 هـ) ثم شاركوا في مواجهة الفرنسيين والإيطاليين. وعبر هذه المسيرة، صاغ الأمازيغ أعرافاً مؤسسية في مجالات مختلفة.

الـ"خارج" يسهم كذلك

فضلا عن ذلك، فقد جرى توطين عدد من الأطر المؤسسية الوافدة خلال مراحل هيمنة القوى الخارجية، والتي شارك سكان البلاد في إدارتها واضعين لمستهم الخاصة. يتضمن ذلك الأطر المؤسسية التي حاولت نشرها القوى الكبرى في المدن المشرفة على المتوسط، ومنها طرابلس ومصراتة ودرنة وبنغازي، والتي مثلت مراكز مهمة بالنسبة لها فيما يتصل بخريطة نفوذها وبحركة التجارة العالمية. وقد شارك سكان تلك المدن في إدارة بعض تلك الأطر المؤسسية. وخلال الحقبة العثمانية، جعل العثمانيون طرابلس ويفرن والخمس وفزان وبنغازي متصرفيات. كل متصرفية تتضمن شبكة مؤسسات رسمية تُنفذ القوانين العثمانية. وقد شارك سكان البلاد في إدارة تلك الشبكات. وخلال حقبة الأسرة القرمانلية، اعتمد مؤسسها على سكان البلاد في الإدارة.

أسهم الأمازيغ إسهاماً استثنائياً على مستوى تعليم اللسان العربي بشكل مؤسسي يستند لمناهج، وهو ما سهل انتشار العربية في إفريقيا والأندلس.

ظهر موقف مناقض للتمسك بالمؤسسية كضرورة وجودية، لكنه مَثّلَ الاستثناء: استغلال فجوات الجغرافيا والديموغرافيا. ظاهرة الغزو والنهب مثلا، من أجل السيطرة على الموارد والاستيلاء على الثروات. ظاهرة قطع الطرق بما في ذلك طرق قوافل الحج والعمرة، وفي التهريب. كما ظهر في التمييز والتناحر والمحسوبية والرشوة. وقد زاد من انتشار المحسوبية والرشوة أنه خلال فترة انحدار السلطنة العثمانية ارتفع منسوب اعتماد عدد من القيادات العثمانية نفسها على المحسوبية.

ويستفيد المجتمع الليبي من إرث التمسك بالمؤسسية في الانتقال السياسي الصعب الذي يمر به. فبعد انهيار حكم الفرد المطلق قبل سبع سنوات، تضافرت عوامل كثيرة لتمنع استعادة الدولة، ولتشعل الصراعات بين المدن، ولتحول ليبيا إلى ساحة فوضى. فعاش المجتمع الليبي طيلة هذه المدة بلا دولة. وعلى الرغم من ذلك، فها هو اليوم يواجه تحديات استعادة الأمن تدريجياً: جرت مصالحات بين القبائل والمدن التي حصل بينها خلاف، وهناك عمل لاستكمال استعادة الحياة الدستورية...

مقالات من ليبيا

أسباب تأزم الانتقال السياسي والدستوري في ليبيا

لا تعاني ليبيا من مجرد انقسام على المستويين السياسي والأمني، بل بالإضافة إلى ذلك، فهناك انقسام وتدهور على المستويات الدستورية والنُظُمية والهوياتية والاجتماعية والاقتصادية والإدارية والجهوية والثقافية والقيمية في آن...

للكاتب نفسه

أسباب تأزم الانتقال السياسي والدستوري في ليبيا

لا تعاني ليبيا من مجرد انقسام على المستويين السياسي والأمني، بل بالإضافة إلى ذلك، فهناك انقسام وتدهور على المستويات الدستورية والنُظُمية والهوياتية والاجتماعية والاقتصادية والإدارية والجهوية والثقافية والقيمية في آن...