الاقتصاد الموازي: مجتمع مضاد أم طريقةُ حكم؟

كلما وُجد قيد على حرية المعاملة في السوق، يكون هناك ضرورة لاقتصاد موازٍ، وهذا الأمر متأصل بالرأسمالية ذاتها. الأمر الأساسي هو معرفة لمن تذهب فوائد هذه القيود، ثم إثارة سؤال ثان: هل تتوافق هذه القيود مع عقلانية اقتصادية أم أنها أدوات بيروقراطية في يد الحكم السياسي؟
2018-05-24

أحمد هني

استاذ جامعي وباحث، ترأس المديرية العامة للضرائب في الجزائر. آخر أعماله "رأسمالية الريع: من مجتمع الشغل الصناعي الى مجتمع الريعيين"، دار لارماتان، باريس، 2012 (بالفرنسية)


شارك
| fr en
همام السيد - سوريا

تم دعم هذه المطبوعة من قبل مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المطبوعة أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

تتمثل الأدبيات السائدة الاقتصاد الموازي كمجموعة من الأنشطة المحظورة والخفية، تتسامح معها السلطة الحاكمة أو تغض النظر عنها في ظل عدم توفيرها لحلول أخرى للأهالي. تتم هذه الأنشطة في سوق يسمّى بـ"الموازي" وتظهر على شكل أسعار ثانية مختلفة عن أسعار السوق المنظم. سعر دولار مثلا يختلف هنا عن سعر الصرف المعتمد رسمياً.

أقترح أن نتبين أيضاً ديناميتين اجتماعيتين مرتبطتين بهيكلة السلطة نفسها: الاقتصاد الموازي كمجتمع مضاد من جهة، ومن جهة أخرى بوصفه مجموعة أدوات قيادة بيروقراطية مستعمَلة من طرف السلطة نفسها. فحتى عندما لا تكون هناك أنشطة محظورة، يمكن لأدوات بيروقراطية أن تعمل بشكل خفي وغير شفاف، يعيق حق الجميع في الوصول الديمقراطي للسلع والخدمات. هكذا يتمتع المسؤولون الذين لديهم سلطة التوقيع في مجالي الصرف والعقارات، حيال زبائنهم السياسيين، باحتكارات تؤدي إلى الإقصاء. فيلجأ المستبعَدون إذاً إلى أنشطة موازية محظورة.

الاقتصاد الموازي كمجتمع مضاد

استفاضت الأدبيات في وصف هذا الجانب، فلا فائدة من تناوله بشكل مطول هنا. سأقول فقط هذا:
سوق العملات الصعبة هو أكثر الأسواق السوداء رواجاً. بالنسبة للسلع الشحيحة الأخرى، فهناك غالباً عدد كبير من الأشخاص العاطلين عن العمل يتولون مهمة البيع بالمفرق. المزوِّدون هم شبكات منخرطة في سوق الصرف ــ إذ يجب تسديد ثمن المستوردات المحظورة. يسهِّل متواطئون في أجهزة المراقبة البيروقراطية هذه العمليات. تبدو مختلف الأسواق السوداء وكأنها مجزأة لكنها في حقيقة الأمر مرتبطة ببعضها البعض. انه سوق واحد ووحيد مما يجعل سعر العملة أو قضيب حديد بناء هو نفسه على كامل التراب الوطني. يمكننا الحديث على مافيا.

وبدلاً من بعث نشاط صناعي أو خدماتي، يفضل أصحاب رؤوس الأموال أرباح الاتجار بالعملة أو يستثمرون أموالهم في تخزين السلع التي تحتاج للتراخيص، وإعادة بيعها في السوق الموازي (العقارات مثلا). ولتحقيق هذا فهم يحتاجون إلى دفع أموال لشبكات من الوسطاء والباعة الصغار يعملون تحت إمرتهم، يكسبون رزقهم بهذه الطريقة، ويمثلون قوة اجتماعية مرتبطة بوجود السوق السوداء. هكذا يتهيكل مجتمع مضاد. هذا المجتمع القوي اقتصادياً (50 في المئة من الناتج الداخلي الخام أحياناً) مشبع بأيديولوجيا تجارية غالبا مقرونة بالإسلام وتقود في أغلب الأحيان - بالاستناد الى وضعية "المستبعَدين" - إلى الإسلام السياسي. وعندما يبلغ مستوى خطيراً من التطور، يطالب المجتمع المضاد هذا بمزيد من الحريات التجارية ويستهدف الوصول إلى السلطة. تتولد انطلاقاً من كل هذا تحالفات بين السوق السوداء وبيروقراطية القيادة، وخصومات سياسية للسيطرة على المواقع التي لها سلطة التوقيع، وتتحكم بالنفاذ إلى العملات والقروض والعقارات والصفقات العمومية، الخ..

الاقتصاد الموازي كطريقة حكم

المعيار الأول هو نظام الصرف الذي يمكِّن من تصنيف البُلْدان الى صنفين: تلك التي تضبط سعر الصرف والأخرى التي لها عملات قابلة للتحويل الحر. وحدها المملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات وقطر والكويت لديها عملة قابلة للتحويل الحر. في كل الأماكن الأخرى، توجد مراقبة لعمليات الصرف متراخية بدرجات مختلفة. يتوجب في هذه الحالة الحصول على ترخيص لتصدير المال، وهذا يخلق ظاهرتين: ظهور سوق يمكن تعيينه بأنه الوقوف بالدور أو في "صف الانتظار" حيث القرار سياسي، وظهور سوق ثانوي للعملة للمستبعَدين من الأول.

الحصول على القروض هو غالباً غير متاح للجميع. ليس امتلاك الضمانات المالية هو ما يفتح الطريق للوصول للقرض بل القرب من السلطة السياسية في اغلب الأحيان. الفاعلون في مجال الاقتصاد الموازي والذين لهم قدرات مالية كبيرة يتم استبعادهم. يقرض هؤلاء بعضهم البعض مبالغ مالية نقدية دون المرور عبر البنوك، ويقومون بذلك باحتجاز نقد ائتماني، ما يُجرّد الدولة من سلطتها في مراقبة الكتلة النقدية.

يتهيكل مجتمع مضاد قوي اقتصادياً (50 في المئة من الناتج الداخلي الخام أحياناً) مشبع بأيديولوجيا تجارية، غالباً ما تكون مقرونة بالإسلام وتقود ــ مستندة على وضع المستبعَدين ــ في أغلب الأحيان إلى الإسلام السياسي.

لكن وحتى عندما يتم الحصول على القروض او على تراخيص صرف العملة، يبقى النفاذ الى العقارات لتوطين المؤسسة أو للقيام بنشاط في المجال العقاري. يرتبط الوصول إلى العقارات اذاً بترخيص ثان. تحدث بتكرار في بلد مثل الجزائر - حيث تمتلك الدولة الجزء الأكبر من العقارات - فضائح عقارية. وكذلك هي القضايا التي تطبع الواقع المصري. فالجيش هو المالك الأساسي للعقارات في البلاد. وقد كتب توفيق أكليمندوس (*) أنه "من الضروري المرور عبره للحصول على أرض". في المغرب نجد ان شخصيات عامة حصلت على قطع أرض من الدولة بأثمان بخسة قبل أن تبيعها بمقابل أعلى عشر مرات من سعرها العادي. وتوضح "إذاعة فرنسا الدولية" (27/07/2016): "وُجهت التهم إلى اثنين من مستشاري الملك النافذين ووالي جهة الرباط بالإضافة الى وزيرين". كما يوفر منح أرضٍ، حتى بدون رشوة ولا فساد، زبائن سياسيين أوفياء للسلطة.

يحاط منح الصفقات العمومية في أغلب الأحيان بآليات غير رسمية بل وغامضة. أضخم العمليات وأكثرها دراً للأرباح هي تلك التي تتعلق بالنفط والأسلحة. كَشف برنامج "النفط مقابل الغذاء" الذي فرض على العراق ما بين 1996 و2003 عن منظومة اقتصاد موازي تشمل المسؤولين العراقيين وزبائنهم السياسيين ورجال أعمال أو سياسة أجانب. نشرت صحيفة عراقية سنة 2004 قائمة تضم 270 شخصاً متورطاً في القضية، من بينهم 21 فرنسياً (منهم الوزير الفرنسي شارل باسكوا وسفير فرنسا في الأمم المتحدة ومجموعتي "توتال" و"رينو"، الخ..). لا تعود هذه المعاملات الموازية بالنفع على عموم المواطنين الذين يُستبعَدون منها، لكنها تمزق مركز السلطة. إقالة وزير البترول السعودي علي النعيمي في أيار/ مايو 2016 هي واحدة من أحدث تمظهرات هذا النوع من الخصومات.

في أغلب الأحيان يكون الحصول على القروض غير متاح للجميع. ليس امتلاك الضمانات المالية هو ما يفتح الطريق للوصول للقرض بل القرب من السلطة السياسية.

تكشف مثلا اضبارات المعلومات عن البلدان، الخاصة بمجلة le Moniteur du commerce international عن "نقص في الشفافية في الصفقات العمومية" في المغرب. كما ذكرت مجلة Orient XXI الصادرة بتاريخ 26 نيسان/ابريل 2017 حالة السيد علي حداد في الجزائر، وهو منتفع بطلبيات عمومية "مكنته من أن يصبح صاحب أكبر مؤسسة أشغال عامة في الجزائر".

ولا تسْلم بقية الدول العربية من هذه الممارسات. فسواء تعلق الأمر بتونس أو مصر أو السعودية أو الإمارات أو قطر، فإن نيل العقود العمومية يبقى حكراً على فئة معينة، ويرتبط بالقرب من السلطة وبالفساد. وهذا اقتصاد موازٍ حقيقي. نتيجة لذلك يحاول المستبعَدون، وهم ناشطون في الأسواق الموازية، عقد تحالفات مع البيروقراطية التي تسيّر هذه الإدارات - تحالفات تقوم على المصاهرة في بعض الأحيان - أو ان يَشْغلوا بأنفسهم هذه المناصب الاستراتيجية أو أن يجعلوا حلفاء لهم يشغلونها. الاستثمار هنا لا يتمثل في خلق مؤسسة اقتصادية بل في سداد المصاريف اللازمة لشراء هذا الصنف من المواقع.

وهناك مجال آخر للاقتصاد الموازي والعمولات والفساد، وهو يتعلق باستيراد رأس المال والسلع والخدمات. قيود وتحديدات ترخص للبعض - مثلا أولئك الذين باستطاعتهم ان يكونوا شركاء في رأس المال المستورَد - وتستبعد البعض الآخر. لم يعد المستثمرون الأجانب في المملكة العربية السعودية بحاجة اليوم إلى شركاء محليين في بعض القطاعات. يحق للأجانب أن يستثمروا بحرية في كل الأنشطة ما عدا تلك المدرجة في "قائمة استثناءات". يوجد "مركز لخدمات الاستثمار" (ISC) يقرر منح أو رفض رخصة الاستثمار. أما في الإمارات فما زال حظر تملك الأجنبي لأكثر من 49 في المئة من رأسمال شركة محلية قائماً. تُطلب تراخيص خاصة في قطاعات البنوك والـتأمين والصحة والنقل البحري والإعلام والاتصالات. بالمقابل تم تحرير نظام الاستثمار في المغرب. يكفي أن يتم إعلام "مكتب الصرف". على الرغم من ذلك، يجب الحصول على تراخيص خاصة في قطاعات المالية والمحروقات والأنشطة المنجمية. في الجزائر يجب أن يكون أغلب رأس المال، أي 51 في المئة، مملوكاً لشركاء محليين. في تونس تم إقرار قانون جديد سنة 2016 يبسِّط الإجراءات لكن يجب الحصول على رخصة من طرف "المجلس الأعلى للاستثمار"، وتمنح إدارة الشؤون الخارجية التصاريح. وفي كل هذه الحالات، يخضع الحصول على التواقيع اللازمة لمعاملات غير رسمية وغير شفافة.

إن نقل وتخزين وإعادة بيع المنتجات في السوق السوداء يجعل الفاعلين مكشوفين وموضع ملاحقة. وعلى العكس، فإن الوسطاء والسياسيين الناشطين في سوق منح التواقيع ــ أو الإجازات والتراخيص ــ يبقون بعيداً عن الأنظار. وهم يمثلون الاقتصاد الخفي الحقيقي سواء في السعودية أو مصر أو تونس أو الجزائر أو المغرب...

وباختصار، فكلما وُجد قيد على حرية المعاملة في السوق، يكون هناك ضرورة لاقتصاد موازٍ، وهذا الأمر متأصل بالرأسمالية ذاتها. أما الأمر الأساسي فهو معرفة لمن تذهب فوائد هذه القيود، ثم إثارة سؤال ثان: هل تتوافق هذه القيود مع عقلانية اقتصادية أم أنها أدوات بيروقراطية في يد الحكم السياسي؟ يتناول الصحافيون صغار الباعة الذين يعملون في الشوارع، لكنهم يتغافلون في معظم الأحيان عن هذا السوق الموازي للتواقيع، المربح جداً. يتحرك الفاعلون في سوق التواقيع الموازية في الظل، بعيدا عن نظرات الناس المتشككة. إن نقل وتخزين وإعادة بيع المنتجات في السوق السوداء يجعل الفاعلين مكشوفين وموضع ملاحقة. وعلى العكس، فإن الوسطاء والسياسيين الناشطين في سوق منح التواقيع - أو الإجازات والتراخيص - يبقون بعيداً عن الأنظار. وهم يمثلون الاقتصاد الخفي الحقيقي سواء في السعودية أو مصر أو تونس أو الجزائر أو المغرب.

تنجم عن هذا النوع من التركيبات خصومات متنوعة، منها اثنتان رئيسيتان:

1- تسابق لشغل مواقع القيادة التي لها سلطة التوقيع لمنح مختلف التراخيص (صرف، قروض، عقارات، صفقات عمومية، الخ). هذه المنافسات تحدث في داخل السلطة كما بّينت ذلك مؤخرا عملية إعادة هيكلة السلطة في السعودية.

2- وضعية دفاعية لأصحاب مواقع القيادة هذه لكي يستبعدوا منها الطامحين الجدد، سواء منهم من لديه الأهلية (تضرب البطالة الشباب حاملي الشهادات العليا) أو المهارة (البعض يراكمون الثروات في الأسواق الموازية). هؤلاء المستبعَدون الذين يُجبَرون على النشاط في مجتمع مضاد يطورون موقفاً هجومياً ويريدون العمل في وضح النهار وتوسيع مجال مراكمتهم ووسائلها. هم يستندون في اغلب الأحيان إلى ايديولوجيات ليبرالية. ولكي يتمكنوا من ذلك، وجدوا في البلدان العربية أيديولوجيا جاهزة للاستخدام في المكان: الإسلام.

____________________
(*) مجلة Revue Tiers Monde شباط/ فبراير 2015
____________________

ترجمة: محمد رامي عبد المولى

محتوى هذه المطبوعة هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

مقالات من العالم العربي

أساليب العصابات و"فرق الموت" لقمع المظاهرات في العراق

علي شمران 2019-12-07

متابعة لأحداث هذا الأسبوع في العراق: "فرق الموت" تقتحم الساحات وترتكب مجزرة فتقتل بالرشاشات والقاذفات وجاهاً وعشوائياً، خطف متكرر، استغلال لاسم المرجعية الشيعية في تظاهرات مضادة للانتفاضة الشعبية، وطعن للعشرات...

للكاتب نفسه

الجزائر: مخاض ولادة رأسمالية متلعثمة

أحمد هني 2019-03-29

هل تعيش البلاد مخاض دينامية يتم فيها استغلال المظاهرات الشعبية المطالِبة بالمحافظة على إعادة التوزيع الجماعي، من قبل قوى اقتصادية تحس أنها نافذة بما يكفي لكي تطلب - على العكس...